أخبار رئيسيةالقدس والأقصىومضات

صحفي بريطاني: الأردن والمسجد الأقصى.. هل وصلنا إلى مرحلة الخيارات الوجودية؟

نشر موقع “ميدل إيست آي” مقالا للصحفي والمعلق السياسي البريطاني بيتر أوبورن، تناول فيه التصعيد الإسرائيلي المتواصل تجاه المسجد الأقصى المبارك، محذرا من تداعيات أي تغيير محتمل في ترتيبات “الوضع القائم” التاريخية التي تنظم إدارة الحرم القدسي الشريف.

ويرى أوبورن أن المساعي الإسرائيلية، المدعومة من شخصيات نافذة في إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، تستهدف تقويض الوصاية الهاشمية على المسجد الأقصى، معتبرا أن أي خطوة من هذا النوع قد تدفع المنطقة نحو مواجهة أوسع تتجاوز حدود فلسطين والأردن، وقد تفتح الباب أمام ما وصفه بـ”حرب دينية” ذات تداعيات خطيرة على الشرق الأوسط والعالم.

وتاليا الترجمة الكاملة للمقال:
يصلي المسلمون في المسجد الأقصى منذ نحو 1400 عام، وتضع إسرائيل عينيها على هذا المعلم المقدس منذ تأسيس دولتها عام 1948، حيث بذل قادتها محاولات عدوانية متزايدة لإحكام السيطرة عليه خلال الربع قرن الماضي.

وفي سبتمبر/ أيلول 2000، اقتحم أرييل شارون، الذي كان حينها زعيمًا للمعارضة الإسرائيلية، مجمع الأقصى برفقة أكثر من 1000 شرطي، في خطوة أشعلت شرارة الانتفاضة الثانية.

وكانت تلك الخطوة أيضًا بمثابة البداية لسياسة الاستيلاء التدريجي التي تنتهجها إسرائيل تجاه مجمع الأقصى، الذي يُعدّ، إلى جانب مكة المكرمة والمدينة المنورة، أحد أقدس ثلاثة مواقع في الإسلام.

ومن الناحيتين النظرية والقانونية، يتولى العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني الوصاية على المسجد الأقصى، وهو المسؤول عن صيانته وأمنه، والدفاع عنه إذا لزم الأمر. ولكن منذ ذلك الانتهاك الصارخ الذي ارتكبه شارون، دأبت إسرائيل على تقويض السيطرة الأردنية تدريجيًا.

عندما زرت المكان في الشهر الماضي، كانت قوات الأمن الإسرائيلية تنتشر في كل مكان، مع إقامة مركز للشرطة في وسط المجمع. وأخبرني العاملون في المسجد أنهم لا يستطيعون إعادة طلاء مكاتبهم أو إصلاح أنبوب مياه دون إذن إسرائيلي.

وتنتشر آثار الرصاص على جدران قاعة الصلاة الأثرية في الطرف الجنوبي من الموقع، حيث فتحت القوات الإسرائيلية النار على المصلين.

ووفقًا لترتيب “الوضع القائم” المعمول به منذ فترة طويلة، والذي يدعمه القانون الدولي، فإن هذا التدخل ليس مجرد أمر شائن، بل هو غير قانوني تمامًا، لكن الأسوأ جاري التخطيط له، بل ما هو أسوأ بكثير.

سابقة مظلمة
وكشف موقع “ميدل إيست آي” هذا الأسبوع أن الولايات المتحدة وإسرائيل تتآمران لتجريد العائلة المالكة الأردنية من وصايتها التاريخية.

ورغم أن مسؤولًا أمريكيًا نفى هذا التقرير، فإنه بموجب الخطة التي وصفها مسؤولون أمريكيون وأردنيون وفلسطينيون للموقع، ستتولى إسرائيل السيطرة على تعيين الأئمة وكبار مسؤولي المسجد.

كما تمنح هذه الخطة، التي يُقال إن جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والسفير مايك هكابي يدفعان باتجاهها، إسرائيل دورًا في الموافقة على محتوى خطب الجمعة.

وتستند هذه الفكرة إلى سابقة مظلمة، وهي تقسيم الحرم الإبراهيمي في الخليل بعد أن ارتكب الإرهابي اليهودي باروخ غولدشتاين مجزرة أودت بحياة 29 فلسطينيًا عام 1994.

ولم يكن ذلك بمحض الصدفة؛ فغولدشتاين هو أحد أبطال وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير، وكان الأخير يعلق صورة لغولدشتاين على جدار غرفة معيشته قبل دخوله عالم السياسة.

واليوم، ينتهك بن غفير ترتيبات “الوضع القائم” بانتظام، مقتحمًا المسجد الأقصى محاكاةً لما فعله شارون قبل ربع قرن. وفي الشهر الماضي، أعلن قائلًا: “أشعر أنني صاحب المكان هنا”.

وقد تعاقب الحاخامات الأكبر في إسرائيل على إدانة الناشطين اليهود الذين يسيرون على خطى بن غفير ويؤدون الصلوات أو يرفعون الأعلام في الموقع المقدس. وتصر هذه الجماعات المتطرفة على تدمير قبة الصخرة، المعلم الإسلامي الأثري القائم في قلب مجمع الأقصى، وإقامة الهيكل الثالث مكانه، وهو ما يعتقد الكثير من اليهود المتدينين أنه سيمهد الطريق لظهور المسيح.

وتاريخيًا، كان جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي “الشاباك” ينظر إلى هذه الاقتحامات الاستفزازية بقلق.

وقبل اثنين وأربعين عامًا، أحبط “الشاباك” بأعجوبة هجومًا إرهابيًا يهوديًا كان مخططًا له في مجمع الأقصى. وفي عام 2004، صرح إيهود ياتوم، أحد قادة الشاباك الذين منعوا تلك الفظاعة، لوسائل إعلام إسرائيلية أنه لو نُفذ ذلك الهجوم، “لكان ذلك يعني مواجهة العالم الإسلامي بأسره لدولة إسرائيل وللعالم الغربي، أي حرب أديان”.

وأضاف ياتوم: “رغم كل ما تحمله الهجمات الإرهابية الحالية من آلام ومعاناة، فإنها لن تكون شيئًا يُذكر مقارنة بما يمكن أن يحدث، بل قد يصل الأمر إلى حرب عالمية ثالثة”.

تجاوزات خطيرة
ولكن نهج “الشاباك” تجاه هذه القضية بدأ يتغير، تحت ضغوط من حكومة بنيامين نتنياهو الائتلافية اليمينية المتطرفة.

ويعمل رئيس الجهاز الجديد، ديفيد زيني، على مواءمة “الشاباك” مع اليمين الديني في إسرائيل. فبعد أيام قليلة من توليه منصبه، تم تغيير الخلفيات على جميع حواسيب الجهاز لتظهر صورة لجبل الهيكل، وهو الاسم الذي يطلقه اليهود على الأقصى. ووفقًا للتقارير، أثارت هذه الخطوة معارضة داخلية، مما أدى إلى إعادة الشاشات إلى وضعها السابق، في حين أرجع الجهاز الأمر إلى “خطأ تقني غير مقصود”.

وحتى الآن، كظم العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني غيظه أمام هذه التعديات الإسرائيلية التي تزداد خطورة في الأقصى. ولكن هل سيرضخ مجددًا إذا ما منح نتنياهو الضوء الأخضر لخطة كوشنر وهاكابي؟

ومِن المرجح أن ينصحه بعض مستشاريه في عمان – حيث تحظى وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية “سي آي إيه” بتمثيل قوي – بأنه لا يملك خيارًا آخر؛ لأن الوقوف في وجه الإسرائيليين لن ينتهي إلا بالهزيمة والدمار.

وسيذكّرونه بأن الأردن يعتمد على إسرائيل في أمنه، وكذلك في تأمين الاحتياجات الأساسية مثل المياه، في بلد يعيش جلّ سكانه البالغ عددهم 12 مليون نسمة في شريط من الأرض على طول الحدود مع إسرائيل.

ويرى معظم الخبراء الذين تحدثتُ معهم أن الملك عبد الله سيكتفي على الأرجح بإصدار بيان احتجاج إذا ما استهدفت إسرائيل الأقصى، مع الإذعان للأمر الواقع على مضض.

حرب دينية
ويعلم الملك عبد الله، أن التوترات قد وصلت إلى نقطة الغليان بسبب حرب الإبادة الجماعية الإسرائيلية في غزة، إلى جانب الفظائع التي ترتكبها إسرائيل في الضفة الغربية المحتلة ولبنان.

ولا يقتصر هذا الغضب العارم على اللاجئين الفلسطينيين في الأردن، البالغ عددهم 2.4 مليون نسمة، بل يشمل الشعب الأردني بأكمله. والجدير بالذكر أن الهجومين الأخيرين على الحدود الأردنية مع الضفة الغربية قد نُفِّذا على أيدي مواطنين من أبناء الضفة الشرقية.

ويشعر جميع الأردنيين بالذنب لوقوفهم مكتوفي الأيدي خلال القصف الإسرائيلي لقطاع غزة وتدميره. ويساعد هذا الشعور الوطني بالذنب في تفسير السبب الذي يجعل الحدود الأردنية تشكل مثل هذا التهديد لإسرائيل.

كما سيكون هذا الشعور عاملًا في تفكير الملك عبد الله، فقد يخلص إلى أن مقاومة الأطماع الإسرائيلية في المسجد الأقصى، مهما كانت المخاطر، تمنح الهاشميين أفضل فرصة للبقاء.

وقد يرى الملك أيضًا أن العالم قد تغير، فبعد الإهانة التي تعرض لها ترامب على يد إيران، لم تعد الولايات المتحدة تلك القوة التي كانت عليها في السابق.

وإذا ما خاض الملك عبد الله حربًا من أجل الأقصى، فقد يكتشف الأردن – الذي يبدو عاجزًا عن الدفاع عن نفسه في الظاهر – أن لديه من الحلفاء أكثر مما يتوقعه ترامب ونتنياهو.

وبينما تدرس إسرائيل والولايات المتحدة شن عملية سطو واستيلاء غير قانونية على ثالث أقدس موقع في الإسلام، يجد الملك عبد الله نفسه أمام خيار وجودي: إما الإذعان لترامب ونتنياهو، أو المواجهة والمخاطرة بحياته وعرشه.

ولا يتوقف الأمر عند مستقبل السلالة الهاشمية بناءً على خياره هذا، ولا حتى على مستقبل الشرق الأوسط فحسب.

وقبل ثلاث سنوات، أجريتُ مقابلة مع الشيخ عزام الخطيب، مدير الأوقاف الإسلامية – وهي الجهة التي تتولى إدارة هذا الموقع المقدس – حول التهديد الإسرائيلي للمسجد الأقصى، حيث قال حينها: “هنا في القدس، نحن نعتمد على وصاية الملك عبد الله. هذا المكان جزء لا يتجزأ من العقيدة والمعتقدات الإسلامية، ويمثل عقيدة ما يقرب من ملياري مسلم. إن الملك عبد الله وجميع الهاشميين هم من سلالة النبي، ولن يسمحوا أبدًا لإسرائيل أو لأي طرف آخر بالسيطرة على المسجد”.

وأضاف الخطيب: “لا قدر الله، إذا غيرت إسرائيل الوضع القائم، فإن ذلك سيؤدي إلى حرب دينية ستمتد إلى ما هو أبعد بكثير من المسجد الأقصى”.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى