غير مصنف

استعدوا لظروف الطوارئ: نحو اقتصاد صامد ووعي مجتمعي في وجه التصعيد

المحامي خالد زبارقة

لم يعد خافيًا على أي مراقب للساحة السياسية والأمنية أن الأمور تتجه بخطى متسارعة نحو تصعيد إقليمي ودولي واسع النطاق. فالتحولات الجيوسياسية، ولغة التهديد المتبادلة، وحشد الموارد العسكرية في المنطقة، كلها مؤشرات لا تدع مجالًا للشك في أننا نقف على أعتاب مرحلة استثنائية قد تعيد تشكيل الخارطة الإقليمية، الأمنية والاقتصادية.

هذا المشهد المعقد، بطبيعة الحال، سيرخي بظلاله الثقيلة علينا نحن عرب الداخل، حيث تتقاطع الأزمات العامة مع التحديات الخاصة التي نعيشها يوميًا.

على المستوى المحلي، نلاحظ بوضوح أن الأمور، إسرائيليًا، تتجه نحو التأزيم أكثر فأكثر، وخاصة على المستويين السياسي والاجتماعي؛ سواء من خلال التضييقات المتزايدة، أو التوتر الأمني الداخلي، أو التراجع الاقتصادي الذي بدأ يطرق أبواب كل بيت. كل ذلك مجتمعًا سيخلق، في المدى المنظور، أوضاعًا معيشية وأمنية غاية في الصعوبة والتعقيد، مما يحتم علينا الانتقال فورًا من حالة المراقبة والانتظار إلى حالة الاستعداد والتدبير.

الواقع الجديد الذي يفرض نفسه يوجب علينا إعادة تقييم شاملة لطريقة إدارتنا لحياتنا اليومية، وعلى رأس ذلك كيفية إدارة مواردنا المالية. نحن بحاجة ماسة ومستعجلة إلى تبني ما يمكن تسميته بـ”اقتصاد الطوارئ”.

هذا المفهوم لا يعني مجرد التوفير البسيط، بل هو إعادة هيكلة جذرية لميزانية الأسرة والفرد، بحيث تكون الأولوية القصوى لتأمين الأساسيات التي تضمن البقاء والاستمرارية، مع التخلص الفوري من كل ما يندرج تحت بند الرفاهية المزيفة.

في أوقات السلم والاستقرار، قد يكون التساهل في النفقات أمرًا معتادًا، لكن في أوقات الحروب والأزمات الكبرى، يصبح كل قرش يتم إنفاقه في غير مكانه الصحيح بمثابة تفريط في أمن الأسرة واستقرارها.

أولى خطوات هذا الاقتصاد الطارئ تتمثل في التخفيف الجذري من الالتزامات المادية. نحن، كمجتمع، انخرطنا في السنوات الأخيرة في دوامة قاسية من القروض البنكية، والشيكات المؤجلة، والشراء بالتقسيط، لتمويل أسلوب حياة لا يتناسب غالبًا مع قدراتنا الحقيقية.

الدخول في أزمة شاملة مع وجود عبء ديون ضخم هو بمثابة انتحار اقتصادي. يتعين على كل أسرة الجلوس اليوم لتقييم التزاماتها؛ ويجب إيقاف أي قروض جديدة غير ضرورية، وتأجيل المشاريع التي تستنزف السيولة النقدية، وخاصة مشاريع الرفاهية. فالسيولة النقدية في أوقات الطوارئ هي شريان الحياة، وفقدانها أو استنزافها لصالح الرفاهية المفرطة سيجعل الأسرة في موقف ضعيف جدًا أمام أي صدمة اقتصادية، كفقدان الوظيفة، أو تعطل الأعمال التجارية، أو نقص المواد في الأسواق.

بموازاة ذلك، يجب علينا، كأفراد ومجتمع، الابتعاد فورًا عن “اقتصاد الرفاهية المزيفة”، وثقافة الاستهلاك الحديثة التي خلقت وهمًا بضرورة الحفاظ على مستوى معين من الرفاهية الاستعراضية.

هذه الرفاهية المزيفة هي فخ خطير في الأوقات العادية، وتصبح كارثة محققة في أوقات الطوارئ. يجب أن نتحلى بالشجاعة الكافية لكسر هذه التقاليد الاستهلاكية التي ترهق كاهلنا. تقليص النفقات والتواضع في المعيشة ليسا عيبًا ولا مؤشرًا على الفقر، بل هما دليل على الوعي والنضج والمسؤولية تجاه الأسرة والمجتمع في ظل ظرف تاريخي قاهر.

الاستعداد لأوضاع الطوارئ يتطلب أيضًا تحضيرًا ماديًا ملموسًا داخل كل منزل، بالقدر الذي يضمن استمرار الحياة بكرامة لأطول فترة ممكنة، في حال انقطاع الخدمات الأساسية أو صعوبة الوصول إليها. هذا لا يعني الهلع أو تفريغ المتاجر من محتوياتها، بل يعني التحضير العقلاني والمدروس. من الضروري أن يحتفظ كل منزل بمخزون كافٍ من المواد الغذائية الأساسية الجافة والمعلبة، التي لا تفسد بسرعة ولا تحتاج إلى تبريد مستمر، بالإضافة إلى كميات كافية من مياه الشرب.

لا يقتصر الاستعداد على الغذاء والماء، بل يمتد ليشمل الجانب الصحي واللوجستي. يجب التأكد من توفر الأدوية المزمنة لكبار السن والمرضى بكميات تكفي لعدة أسابيع أو أشهر، وتجهيز حقيبة إسعافات أولية متكاملة للتعامل مع الإصابات الطفيفة في حال تعذر الوصول إلى المراكز الطبية. كما ينبغي الاستعداد لاحتمالية انقطاع التيار الكهربائي لفترات طويلة، من خلال توفير بدائل للإضاءة، كالمصابيح التي تعمل بالبطاريات، والطاقة الشمسية إن أمكن، وتوفير وسائل بديلة للتدفئة أو الطهي.

هذه التحضيرات البسيطة قد تكون هي الفارق بين القدرة على الصمود وتجاوز الأزمة، وبين الانهيار أمام أول عقبة.

وعلى المستوى الأمني والاجتماعي، فإن التحدي الأكبر الذي سيواجهنا كعرب في الداخل هو الحفاظ على تماسكنا وأمننا الشخصي والجماعي في ظل أجواء قد تكون مشحونة ومحتقنة.

التصعيد الإقليمي غالبًا ما يرافقه توتر محلي، وربما انفلات أمني أو تصرفات عنصرية. من هنا، يصبح التكافل الاجتماعي والتنظيم الأهلي ضرورة لا غنى عنها. يجب تعزيز لجان الأحياء، وتقوية الروابط مع الجيران، والحرص على التواصل المستمر لنقل المعلومات الصحيحة، والابتعاد عن الشائعات التي تهدف إلى بث الرعب وإحباط المعنويات. في الأزمات الكبرى، يثبت دائمًا أن المجتمعات المتماسكة التي تساند بعضها بعضًا هي الأقدر على النجاة.

الظرف الحالي يتطلب منا إدارة للأزمة قبل وقوعها. إن الانتظار حتى تقع الواقعة لبدء التحرك هو رهان خاسر سيدفع ثمنه الأضعف في مجتمعنا. اقتصاد الطوارئ، والتخلص من الرفاهية المزيفة، والاستعداد اللوجستي، والوعي الأمني والمجتمعي، هي أدواتنا الحقيقية للثبات.

نحن نمر بمرحلة مفصلية تتطلب أعلى درجات العقلانية وضبط النفس؛ فالحفاظ على الموارد وتوجيهها نحو ما يخدم استمراريتنا هو واجب أخلاقي ووطني. ليكن شعارنا في المرحلة القادمة “الصمود بوعي”، متسلحين بالتخطيط السليم، ومكتفين بما يبقينا أقوياء، ومبتعدين عن كل قشور الحياة التي قد تثقل كاهلنا في وقت نحن فيه أحوج ما نكون إلى الخفة والمرونة والصلابة.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى