نتظاهر؟!

توفيق محمد
لطالما كانت المظاهرات ضدَّ السياسات والممارسات الاسرائيليَّة إحدى أهمِّ وسائل النضال التي اعتمدتها جماهيرنا العربيَّة في الداخل عبر لجانها وهيئاتها وأحزابها وحركاتها المختلفة، من خلالها تعبِّر جماهيرنا عن موقفها إزاء سياسة أو ممارسة معيَّنة، فكانت مظاهرات يوم الأرض، ثمَّ المظاهرات بعد مجزرة صبرا وشاتيلّا، ثمَّ كانت المظاهرات الكثيرة التي حملت لافتات كثيرة ومتعدِّدة، منها ما كان يتعلَّق بالمسجد الأقصى المبارك، ومنها ما كان يتعلَّق بالهمِّ الفلسطيني العام لشعبنا الفلسطينيِّ، ومنها ما كان يتعلَّق بالهمِّ الخاصِّ لجماهيرنا العربيَّة في الداخل، ومنها ما هو غير ذلك.
وعموما فانَّ التظاهر في كلِّ دول العالم عادة ما يكون ضدَّ سياسات الدول أو الشركات الاحتكاريَّة أو المنظَّمات الدوليَّة، بهدف التأثير في السياسات العامَّة لكلِّ المعنيِّين في الأمر ممَّا ذكرت أعلاه.
نحن ندرك أصول اللعبة السياسيَّة في إسرائيل، ونعي ونفهم أساليبها وطرقها ودهاليزها ومساربها، وندرك أيضا السقف الذي يمكن السير من تحته لمن شاء أن يشارك في انتخابات الكنيست، وقد أبَانَهُ على خير ما يكون التبيّين والتوضيح والتفسير والشرح السيد سامي أبو شحادة في محكمة الشطب، وكان الدكتور منصور عباس قد أبَانَهُ قبل ذلك من خلال نهج وطريق وأسلوب، فالأول سعى لإقناع قضاة العليا بالقبول به مرشَّحا للكنيست عبر التنازل عن كلِّ مشروعه السياسيِّ والاعتراف بيهوديَّة الدولة -وهو صاحب مشروع دولة كلِّ مواطنيها- وفشل في ذلك، والثاني يدرك سلفا أنَّ ثمن الكنيست هو التخلِّي عن الارتباط بقضيَّة شعبه الفلسطينيِّ، وروايته الوطنية، وإنكار النكبة وحائط البراق، وغير ذلك، والارتباط بالقضايا المطلبية لأهل الداخل فقط وتميِّيع كل ما يؤمنون به من رواية وموقف، وصناعة عربي جديد يؤمن بالرواية الصهيونية، ولذلك -سلفا- ودون أن يسأله أحد -علنا- أعلن من ضمن ما أعلن عنه أنَّ هذه الدولة يهوديَّة وستبقى يهوديَّة.
عود على بدء، فقد دعا الدكتور منصور عباس الناس إلى التظاهر أمام بيوت أعضاء المشتركة والموحَّدة في حال فشل سياستهم في توفير الأمن لهم، ودعا الناس إلى التظاهر أمام بيوت من يدعون إلى مقاطعة انتخابات الكنيست، وبغضِّ النظر عن الدعوة إلى التظاهر المستقبلي المشروط أمام بيوت المشاركين في انتخابات الكنيست، أو الدعوة إلى التظاهر الفوريِّ غير المشروط أمام بيوت من يدعون للمقاطعة:
1. فإنَّ الدكتور منصور عباس في دعوته تلك سواء التظاهر أمام بيوت أعضاء الكنيست العرب إذا فشلوا في تنفيذ وعودهم للناس -وهو كائن منذ عام 1948 الى الآن ولن يتغيَّر حسب كل القواعد التي تقوم عليها الكنيست- ودعوته إلى التظاهر أمام بيوت من يدعون لمقاطعة انتخابات الكنيست، قد أعفى الدولة من كلِ مسؤولياتها المدنيَّة أمام أبناء شعبنا في الداخل، ونقلها إلى ساحة القيادات العربية، وحوَّل الغضب الذي يجب أن يكون على سياسات وممارسات الدولة والحكومة إلى العناوين المحليَّة التي هي تعاني كأبناء شعبها من هذه السياسات والممارسات الظالمة الواقعة على رؤوس أبناء هذا الشعب جماهير وقيادات، وهذا ليس أقلَّ من صكّ براءة مسبق للدولة والحكومة من المسؤوليَّة وتحويل هذه المسؤولية لمن هم بالأصل لا يستطيعون تنفيذ شيء مما وعدوا به، فهم ونحن نعلم ذلك لأن الأسس التي أقيمت عليها الكنيست تتعارض مع كلِّ البرامج (النشرات الانتخابية ليس أكثر من ذلك) الانتخابية التي أُعلن عنها، وحتى قضيَّة الجريمة والعنف التي يعاني منها مجتمعنا في الداخل، فإنَّها في نظر الحكومة ليست أقلَّ من قضيَّة أمنٍ قوميٍّ، لها مصلحة عليا في بقائها على هذه الشاكلة، تزيد أو تنقص أحيانا، حسبما تستدعي الحاجة، فالمهمُّ أن يبقى تفكيك النسيج الاجتماعيُّ قائما، وان تبقى الفردانيَّة في مجتمعنا هي سيِّدةُ الموقف.
وبالتالي فإنَّ التفكير بهذا الأسلوب، وإنَّ الدعوة إلى التظاهر أمام بيوت القيادات العربيَّة -أيَّا كانت مشاركةً في الانتخابات أو مقاطعةً لها- وتحميلها مسؤوليَّة سياسات الدولة وحكوماتها المختلفة خطير جدا من حيث أنَّه هبوط إلى دركٍ آخر من مدارك نزع المسؤوليَّة عن الجاني وتحميلها للضحيَّة، فلا نكبة، ولا حائط براق، ولا حقوق دينيَّة وقوميَّة ووطنيَّة لهذا الشعب في أرضه ووطنه، إنَّما هي الفردانيَّة التي تنزع عنك كلَّ معالم شخصيَّتك وكينونتك وهُويَّتك، حتى تُصبح أنت المُلام والمُحاسب والمُعاتب والمُذنب بكلِّ ما تُعاني أنت وشعبك منه، إنَّ هذه الدعوة ليست سوى صكّ براءة للدولة والحكومة من ما يقع علينا من سياسات وممارسات مرفوضة ومقيتة.
2. التظاهر يجب أن يكون ضد سياسات صاحب القرار: كما افتتحت مقالتي هذه فإنَّ التظاهر عادة يكون ضد سياسات من يملك القرار بإنزال وممارسة سياسات ظالمة على المواطنين أو على فئة منهم، وليس عكسيا إلّا إذا أراد الدكتور منصور عباس اختراع نهج جديد أيضا في هذه المسألة وتحويل الغضب على الحكومات باتجاه المظلومين أنفسهم.
3. التحريض على المقاطعين: وإن كان الدكتور منصور قد بدأ بالدعوة إلى التظاهر أمام بيته وقائمته وثنَّى بالمشتركة، واشترط ذلك في حال فشل سياستهم وسياسيِّيهم، وثلّث بالدعوة وبنبرة أكثر حدَّة وإصرار بالدعوة للتظاهر أمام بيوت من يدعون للمقاطعة، فإنَّ دعوته الاولى -أمام بيوت أعضاء الكنيست باطلة لكونها مشروطة بذاكرة تنتهي مع يوم 27/10/2026- وآنيَّة فعَّالة للتظاهر أمام بيوت من يدعون للمقاطعة لأنَّها حسب سياق كلامه مُستحقَّة الآن، لكون الدعوة للمقاطعة سارية على فعل جارٍ وليست تحت الامتحان، وهذه الدعوة مرفوضة جملة وتفصيلا، لأنَّها دعوة تحمل في طيّاتها إحداث شرخ أفقيٍّ في المجتمع، بل في البيت الواحد، ولأنَّني أحسن الظنَّ دائما، فأظنَّ أنَّ صاحب النهج الجديد لم يقصد ذلك، وإن كان من الممكن أن توقع دعوته تلك أحداثا لم يُردها هو ولا أيّ أحد من أبناء شعبنا، فعلى رِسلك، وعلى رِسلكم جميعا، فكما تعتقدون أنَّ من حقِّكم أنَّ تشاركوا في الانتخابات، فإنَّ من حقِّ غيركم أن لا يُشاركوا، وإنَّ الاعتبار في المسألة مبدئيُّ وليس شخصيَّا ولا فئويًّا.
