أخبار عاجلةدين ودنيا

بين الأنا والأنا.. أين الله؟

سعيد زيد – أخصائي نفسي

ثمّة حياة كاملة تجري داخل الإنسان، لا يسمعها أحد: فكرة لا تغادر، كلمة قيلت وانتهت عند صاحبها لكنها لم تنتهِ فينا، غضب نظنه دفاعًا عن حق، وربما تخالطه كرامة جُرحت. نراجع ونفسّر ونبرّر، حتى نصبح أحيانًا محادثة لا تنتهي: أنا أشعر، وأنا أفسّر شعوري، وأنا أحاكم تفسيري، ثم أحاول أن أطمئن نفسي مما صنعته أفكاري.

وحين يرهقنا هذا الدوران، قد نلجأ إلى أخصائي نفسي. نصوغ ما عجزنا عن قوله، ونكتشف أنماطًا لم نكن نراها. وهذا من أثمن ما يقدمه العلاج. لكن سؤالًا يبقى: إذا بدأت الرحلة من نفسي، ومرّت بالمعالج، ثم عادت إليّ بفهم أعمق لنفسي، فهل انتهت هنا؟
في العلاج بالقبول والالتزام (ACT) مفهوم يُسمّى “فك الاندماج المعرفي” (Cognitive Defusion) فالفكرة قد تتحول، دون أن نشعر، من حدث ذهني إلى حقيقة تحكم رؤيتنا لأنفسنا والعالم.

أقول: “أنا فاشل”، فأتعامل معها كأنها هويتي، لا فكرة عابرة. أما حين أقول: “ألاحظ أن ذهني يخبرني بأنني فاشل”، تنشأ مسافة بيني وبين الفكرة. لم أنكرها، ولم أزعم بطلانها؛ لكنني لم أعد أسيرًا لها.
تلك المسافة مهمة. غير أن سؤالًا آخر يبدأ عندها: ماذا أفعل بما اكتشفته في نفسي؟

قد أفهم أن حاجتي لإعجاب الناس تنبع من خوف الرفض، أو أن غضبي لا يخلو من كبرياء، أو أن ما أسميه “وضع حدود” كان أحيانًا وسيلة لمعاقبة الآخر. يستطيع الفهم النفسي أن يكشف هذا كله؛ لكنه لا يحدد وحده إلى من أتوجه بما عرفت.
هنا يمكن أن يتحول الاكتشاف إلى مناجاة: “يا رب، أرى الآن كم أخشى نظرة الناس، وكم أخفي وراء غضبي ما لا أحب الاعتراف به”. لا يعود ما فهمته مجرد معلومة عن نفسي، بل يصبح اعترافًا أحمله إلى الله.

فالإنسان قد يبرع في تبرير دوافعه، بل قد يستعير لغة نفسية راقية ليفعل ذلك: يسمّي الانتقام “حدودًا”، والكبرياء “احترامًا للذات”، والقسوة “صراحة”. ليست المشكلة في علم النفس، وإنما في قدرة الأنا على استخدام أي لغة لتحمي صورتها. وليس كل غضب كبرياء، ولا كل محاولة لحماية النفس انتقامًا؛ لكن الصدق يبدأ حين نقبل أن نسأل عن دوافعنا بدل أن نمنحها البراءة مسبقًا. وحين يقول الإنسان: “يا رب، أنت أعلم بي مني”، فإنه يتخلى، ولو للحظة، عن ادعاء الإحاطة بنفسه. فما نعرفه عن أنفسنا ليس بالضرورة كل ما فيها.

ليس الهدف أن نحاكم كل دافع خفي، أو أن نحول التدين إلى جلد للذات، بل أن نواجه أنفسنا برحمة لا تبرر الخطأ، وصدق لا يسحقها.
ولعل في قصة يعقوب عليه السلام معنى بالغًا: “إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ”. لم يُلغِ الإيمان حزنه، لكنه منح الحزن وجهة. وموسى عليه السلام قال: “رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي”. هنا لا تبرير ولا هروب، بل مسؤولية وعلاقة.
العلاج قد يساعدني على القول: “أنا لست فكرتي”. والإيمان يفتح بابًا آخر: “ولست وحدي مع فكرتي”.

لا تعارض بين الأمرين، ولا ينبغي تحويل الدعاء إلى تقنية نقيس قيمتها بسرعة زوال الألم. فقد ندعو ويبقى الحزن، ونصلي ولا تتغير الظروف. لكن العلاقة بالله لا تفقد معناها حين تتأخر الراحة.

“وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ”. قبل أن ننشغل بشكل الإجابة، تأتي كلمة: “قريب”. لهذا لا أريد لرحلة فهم النفس أن تصبح دائرة مغلقة: أنا، ثم المعالج، ثم أنا. ليس لأن العلاج ناقص، بل لأن الإنسان أوسع من أن تنتهي كل طرقه عند نفسه.

قد أتعلم أن أرى أفكاري من مسافة، ثم أحمل ما رأيته، بصدقه ونقصه، إلى الله: “وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ”.
عندها لا تبقى النفس غرفة مغلقة لا يُسمع فيها إلا صوتها. فهناك من يعلم حتى ما لم أستطع قوله لأحد. وهناك، قبل أن أعرف كيف ستأتي الإجابة، حقيقة واحدة لا تتغير: “قريب”.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى