دفاعًا عن المرحوم الشيخ عبد الله نمر درويش في مسألة مكونات انتمائنا

الشيخ رائد صلاح
عشت مع المرحوم الشيخ عبد الله نمر درويش منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي حتى عام 1996 الذي وقع فيه الانقسام المؤسف في الحركة الإسلامية،
وخلال هذه السنوات سمعته عشر مرات على أقل تقدير وهو يتحدث عن دوائر انتمائنا، وفي كل المرات أكد رواية واحدة لهذا الانتماء ولم يحد عنها إطلاقًا، حيث كان يقول عندما يعرّف عن نفسه: (أنا مسلم عربي فلسطيني أعيش على أرضي في إسرائيل).
وأقسم بالله العظيم، أنني سمعت منه هذا التعريف لانتمائه مرارًا وتكرارًا، وأقسم بالله العظيم، أنه وقع بيننا ذاك الانقسام المؤسف وهو مصر على هذا التعريف لانتمائه، ثم فجأة سمعت أنه نُقل على لسانه أنه كان يعتبر أن انتماءه يتكون من خمس دوائر، وهي الدائرة الإسلامية والعروبية والفلسطينية، ثم دائرة المواطنة الإسرائيلية، وخامسًا الدائرة الإنسانية.
وهذا يعني وفق هذا القول، أن المرحوم الشيخ عبد الله نمر درويش أدخل تعديلًا في تعريفه لانتمائه، وانتقل من قوله: (في إسرائيل) إلى اعتبار (المواطنة الإسرائيلية) دائرة من دوائر انتمائه.
وكما هو واضح لكل عاقل، فإن الفارق كبير وعميق بين مقولة (في إسرائيل) وبين مقولة (المواطنة الإسرائيلية) واعتبارها أنها دائرة من دوائر الانتماء، حيث إن الواقع يقول إن نكبة فلسطين قد وقعت وتشرد فيها قرابة مليون فلسطيني وأخرجوا من بلداتهم الفلسطينية إلى الشتات وإلى المصير المجهول خارج حدود فلسطين التاريخية، وأقيمت على إثر هذه النكبة، إسرائيل بناء على توافق مصالح بين الدول الغربية الكبرى، وبناء على نبوءة دينية بروتستانتية كان من ضمن المبشرين بها اللورد بلفور، ثم بناء على قرار في هيئة الأمم المتحدة.
وعلى إثر قيام إسرائيل، وجد القليل من الشعب الفلسطيني الذين لم يزد عددهم على 90 ألفًا أو 120 ألفًا، في بعض الروايات، وجدوا أنفسهم بعد أن ظلوا في بلداتهم خلال نكبة فلسطين، أن واقعًا سياسيًا فُرض عليهم لم يُستشاروا فيه ولم يكن لهم فيه رأي، حيث باتوا يعيشون في إسرائيل ويحملون البطاقة الشخصية الإسرائيلية، ومع ذلك لم يغيروا انتماءهم، بل ظلوا يعرّفون انتماءهم أنهم ذوو امتداد إسلامي عروبي فلسطيني، وأن الواقع السياسي الجديد والبطاقة الشخصية الإسرائيلية لم يغيرا هذا الانتماء، وظل واضحًا لهؤلاء الأقلية الفلسطينية الذين ظلوا في بلداتهم ولم يخرجوا منها، انتماءهم الذي كان قبل نكبة فلسطين، وهو انتماؤهم نفسه الذي ظل بعد نكبة فلسطين، وأنهم ليسوا إسرائيليين انتماءً، وإن حملوا مرغمين البطاقة الشخصية الإسرائيلية، وهكذا تحول هذا الانتماء الذي يضم هذه الدوائر الفلسطينية والعروبية والإسلامية إلى ثابت لا تنازل عنه، وأنا على يقين أن الشيخ المرحوم عبد الله نمر درويش كان على يقين بدوائر هذا الانتماء الثلاث، وكان مصرًّا عليها، وكان يرددها كثيرًا، وأنا شاهد على ذلك، وفجأة يأتي من يقول إن دوائر الانتماء التي حددها الشيخ المرحوم عبد الله نمر درويش هي خمس دوائر، ومن ضمنها هذه الدائرة، (المواطنة الإسرائيلية).
وحتى لا أستعجل بحكمي على قول من يقول إن المواطنة الإسرائيلية جزء من انتماء مجتمعنا في الداخل الفلسطيني، بحثت عن أقوال علماء المسلمين المعاصرين في هذه القضية، فوجدت أن جمعًا من علماء المسلمين المعاصرين يقولون ما يلي:
(المواطنة تعني: تمتع الفرد بعضوية بلد أو دولة ما، وهي، أي المواطنة، تعبير عن دور الإنسان النضالي من أجل حقوقه بكافة أنواعها المدنية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية، بناءً على قاعدة المساواة مع الآخرين دون تمييز لأي سبب كان، سواء ديني أو قومي أو غير ذلك، ولا تعترف المواطنة بتقديم الانتماء للدين على كل انتماء، وبناءً عليه فالمواطنة بهذا المعنى لا يجوز لمسلم أن يتبناها ويعتقدها وينتمي إليها إلا لبلد أو دولة لا تعادي المسلمين، ولا تعتدي على حرماتهم ومقدساتهم، وشريطة أن تكون في دائرة الولاء والبراء الذي يُعتبر مبدأ عقديًا لا يمكن التفريط فيه أو التنازل عنه، والذي يكون على أساس تقديم مبدأ الانتماء الديني.
فالولاء لغة هو القرب والدنو وما يترتب عن ذلك من معاني المحبة والصداقة والنصرة، والبراء مأخوذ من كلمة “برأ”، وهي راجعة -على المستوى اللغوي- إلى معنى المفارقة والمباعدة، ولا يبعد المعنى الشرعي للولاء عن المعنى اللغوي، فهو يعني الانحياز إلى المؤمنين الموافقين لك في العقيدة، الموافقين لك في جميع القضايا، والبراء شرعًا، كما يقول أهل العلم، التبرؤ من مظاهر الشرك والمعاصي، فالواجب على كل مسلم أن تكون مواطنته تابعة لما يوافق عقيدته وشريعته ومبادئه الإسلامية، وإلا فإن مواطنته تكون قد خرجت عن ضوابط وحدود الولاء والبراء المشروع).
وبناءً على قول هذا الجمع من العلماء المسلمين، فلا يجوز في أي يوم من الأيام ولا في أي ظرف من الظروف القول: إن المواطنة الإسرائيلية هي جزء من مكونات انتماء مجتمعنا في الداخل الفلسطيني، وحتى لو عرضنا هذه المسألة على فقه الواقع، فلا يجوز القول بهذا القول المرفوض حول جدلية العلاقة بين المواطنة الإسرائيلية ومكونات انتمائنا. فوفق فقه الواقع، هناك بطاقة شخصية إسرائيلية فُرضت علينا، وهذا ما لا ينكره أحد، ولكن هذا لا يعني أننا بتنا نحمل المواطنة الإسرائيلية كجزء من انتمائنا، لا سيما أن القائمة الموحدة على لسان رئيسها الدكتور منصور عباس قالت أكثر من مرة (إن إسرائيل ولدت يهودية وستبقى يهودية(، وهذا يعني وفق هذا الادعاء الصادم أن هذه الدولة هي لليهود فقط، وما دامت هي لليهود فقط فإن المواطنة فيها هي لليهود فقط.
ثم وفق هذه النتيجة، فإن هذا يعني أن المواطنة الإسرائيلية هي مواطنة لليهود فقط!! ثم فجأة يأتي من يقول من أعضاء هذه القائمة الموحدة أو من داعميها، إن المواطنة الإسرائيلية هي جزء من مكونات انتماء مجتمعنا الفلسطيني في الداخل الفلسطيني، مما يعني وجود تناقض صارخ لدى القائمة الموحدة وأتباعها وداعميها بين القول بيهودية الدولة لأنها ولدت يهودية وستبقى يهودية، وبين القول إن المواطنة الإسرائيلية هي جزء من مكونات انتماء مجتمعنا، لأن هذه الدولة ما دامت ولدت يهودية وستبقى يهودية وفق ادعاء القائمة الموحدة وأتباعها وداعميها، فلن تمنح القائمة الموحدة ولا غيرها “شرف” حمل المواطنة الإسرائيلية.
وما يؤكد ذلك إقرار الكنيست قانون القومية الذي أجمعت عليه كل القوى السياسية الإسرائيلية ما بين يسار ووسط ويمين ويمين اليمين، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن المواطنة الإسرائيلية قامت على حساب نكبة فلسطين، فهل يريد لنا من يقول اليوم – ناسبًا ذلك إلى المرحوم الشيخ عبد الله نمر درويش- إن المواطنة الإسرائيلية هي جزء من مكونات انتماء مجتمعنا، هل يريد لنا أن نحمل المواطنة الإسرائيلية على حساب نكبة فلسطين؟
ثم إن المواطنة الإسرائيلية قامت على مجموعة من الاستراتيجيات التي عبر عنها قادة المشروع الصهيوني عندما قالوا قبل قيام إسرائيل:( لا قيمة لإسرائيل بدون القدس ولا قيمة للقدس بدون الهيكل)، فهل يراد لنا أن نضم إلى مكونات انتمائنا المواطنة الإسرائيلية التي قامت على هذه الاستراتيجيات؟
ثم إن المواطنة الإسرائيلية قامت على القيم اليهودية التوراتية، وإن مكونات انتمائنا قامت على القيم الإسلامية العروبية الفلسطينية، فهل يراد لنا الجمع بين كل هذه القيم؟ وهذا مستحيل، لأن لنا قيمنا وللمواطنة الإسرائيلية قيمها، ولا يمكن أن يلتقيان، فكيف يمكن لقيم المواطنة الإسرائيلية أن تصبح جزءًا من قيمنا، ثم أن تصبح المواطنة الإسرائيلية جزءًا من مكونات انتمائنا، ثم إن للمواطنة الإسرائيلية واجباتها المفروضة على كل من يحمل هذه المواطنة، ومن ضمنها الخدمة المدنية والخدمة العسكرية والخدمة المخابراتية والخدمة الدبلوماسية الخارجية،
فهل يراد لنا في المستقبل أن نبدأ بالانخراط تدريجيًا في الخدمة المدنية ثم العسكرية ثم المخابراتية ثم الدبلوماسية الخارجية، على اعتبار أن المواطنة الإسرائيلية جزء من مكونات انتمائنا؟
وهنا أستدرك وأقول سلفًا: إن الذين يقولون اليوم من بني جلدتنا، سواء كانوا من القائمة الموحدة أو غيرها، إن المواطنة الإسرائيلية جزء من مكونات انتمائنا، أنا على يقين أنهم لا يريدون الوصول بنا إلى أداء الخدمة العسكرية والمخابراتية والدبلوماسية الخارجية، ولا يريدون الوصول بنا إلى تبني القيم اليهودية التوراتية، ولا يريدون بنا تبني استراتيجيات المواطنة الإسرائيلية التي تقول: (لا قيمة لإسرائيل بدون القدس، ولا قيمة للقدس بدون الهيكل)، ولا يريدون بنا التصفيق للاتفاقية الإبراهامية التي تقول في أحد بنودها إنه يجوز لكل أصحاب الديانات أن يؤدوا صلواتهم في المسجد الأقصى، ولا يريدون بنا اعتناق الديانة الإبراهامية التي باتت تتهيأ لفرض هرطقاتها على شعوبنا المسلمة والعربية إلى جانب شعبنا الفلسطيني.
للمرة الثانية والثالثة أقول: إن الذين يقولون اليوم من بني جلدتنا، سواء كانوا من القائمة الموحدة أو غيرها، إن المواطنة الإسرائيلية جزء من مكونات انتمائنا، حاشا لله أن يريدوا بنا أيًا من هذه الإسقاطات المرفوضة، ولكن يجب أن نعلم أن قولهم من حيث لا يريدون ولا يقصدون، يؤدي إلى بناء أرضية توفر الظروف مع الأيام لوقوع هذه الإسقاطات المرفوضة بالتدريج، لا سيما وأن القائمة الموحدة يوم أن دعت على لسان رئيسها الدكتور منصور عباس إلى الخدمة المدنية، فقد مهدت –من حيث لا تقصد- الطريق لوقوع هذه الإسقاطات المرفوضة ولو بعد حين، مع التذكير -حتى لا ننسى- أن عضو الكنيست د. ياسر حجيرات عن القائمة الموحدة كان قد وافق في إحدى مقابلاته المشهورة صراحة على الخدمة العسكرية.
لكل ذلك أنا أظن أن المرحوم الشيخ عبد الله نمر درويش، وكما عرفته، ما قال كما نُقل على لسانه: إن المواطنة الإسرائيلية جزء من مكونات انتمائنا، وأظن أن ما نُقل عنه ليس دقيقًا، ولعله قال كما كان يقول ما بين نهاية سبعينيات القرن الماضي حتى عام 1996: (أنا مسلم عربي فلسطيني أعيش على أرضي في إسرائيل)، فهو كان يصرح بذلك مرارًا وتكرارًا (…على أرضي في إسرائيل)، وأظن أنه عبر عن هذه المقولة ما بعد عام 1996 بألفاظ أخرى وتعابير أخرى دندنت حول هذه المقولة، وقصدت في دلالة نصها هذه المقولة.
ولعل هذا ما دفع البعض بحسن نية أن يقول على لسان المرحوم الشيخ عبد الله نمر درويش، إنه اعتبر أن المواطنة الإسرائيلية من مكونات انتمائنا، وأظن أن الشيخ عبد الله نمر درويش لقي الله تعالى وهو يفرق بين أمرين، بين كونه يعيش في إسرائيل وفُرضت عليه البطاقة الشخصية الإسرائيلية، وهذا واقع لا يمكن أن يتجاهله، وبين صفاء انتمائه كمسلم عربي فلسطيني الذي لن يتغير وإن كان يعيش في هذا الواقع السياسي الذي اسمه إسرائيل، ويحمل بلا اختيار منه البطاقة الشخصية الإسرائيلية.
وكم حزنت عندما سمعت أشخاصًا أحبهم وأحترمهم يرددون على لسان المرحوم الشيخ عبد الله نمر درويش وكأنه قال إن المواطنة الإسرائيلية من مكونات انتمائنا. وظاهرة النقل الخطأً عن الشيخ هي مشهورة في تاريخ مدارس الفقه الإسلامي الماضية والمعاصرة، وفي معظم الأحيان كان النقل الخطأ على لسان أولئك المشايخ بحسن نية.
لذلك أتمنى على أولئك الأشخاص الذين أحبهم وأحترمهم والذين نقلوا على لسان المرحوم الشيخ عبد الله نمر درويش تلك المقولة المرفوضة، أن يراجعوا الأمر جيدًا.
ولا عيب في المراجعة، وأنا شخصيًا نُقل على لساني ما لم أقله، وقال البعض على لساني، إنني قصدت بأقوالي كذا وكذا، مع أنني لم أقصده إطلاقًا، كما ادعى كل من الزميل مريد فريد والمحامي شادي الصح أنني قصدت في اللقاء الشبابي مع بعض الطلاب الجامعيين الذي رعاه منتدى المدينة الثقافي، قصدت دعوة الأهل للتصويت للقائمة المشتركة!! لا والله ما قلت ذلك، وما قصدت ذلك، ومقابلتي واضحة لا تحمل أكثر من معناها الظاهر، ولكن ما يهمني في هذه المقالة الدفاع عن المرحوم الشيخ عبد الله نمر درويش في مسألة مكونات انتمائنا.