أخبار عاجلةدين ودنياومضات

أهم شيء… العلامة! ماذا عن الأخلاق؟

ليلى غليون
ما أغرب حال هذا الزمان الذي نعيش فيه، وما أكثر الموازين التي انقلبت فيه رأسًا على عقب! زمن أصبح النجاح يُقاس فيه بالأرقام، ويُختصر التفوق فيه في الدرجات، وكأن ورقة تحمل مجموعة من الأرقام قادرة على أن تحكم على ذكاء إنسان، وتحدد قيمته، وترسم مستقبله، متناسين أن وراء كل علامة إنسانًا له مشاعر وأحلام وقدرات، وأن ورقة الامتحان لا تستطيع أن تحكي قصته كاملة.

فيا للعجب، حين تصبح العلامة هي المقياس، وحين تُختزل أحلام الإنسان وتعبه وطموحه، وربما مستقبله، في رقم! وهنا نبدأ حديثنا عن موضوع يمس كل طالب وكل أسرة، وهو: عندما تكون العلامة أهم شيء. لنتساءل: هل حقًا مقياس النجاح هو أن نحصل على أعلى الدرجات، أم أن هناك أشياء كثيرة مهمة لا تستطيع أي علامة أن تقيسها؟ هل يُعقل أن نختصر قدرة إنسان في بضع درجات بسبب إجابة أخطأ فيها، وأن ننسى إبداعه ومواهبه وأخلاقه وكل ما يميزه، لا لشيء إلا لأنه لم يحصل على العلامة التي نريدها؟

فأحيانًا نحتاج نحن المربين إلى كلمات بسيطة تذكّرنا بما قد نغفل عنه وسط انشغالنا بتفاصيل الحياة وتعقيداتها. فمن الخطأ أن يكون شغلنا الشاغل هو كيف يتفوق أبناؤنا على الآخرين فحسب، وكيف نفتخر بشهاداتهم وعلاماتهم أمام الناس، بل يجب أن يشغلنا أمر آخر: كيف يرتقون بأنفسهم؟ وكيف يرتقون بمجتمعهم؟ وكيف يكون علمهم نورًا يضيء ظلمات الجهل في مجتمعهم؟ وكيف تكون أخلاقهم أثرًا طيبًا في حياتهم وواقعهم؟

فقد ننجح في تعليمهم العلوم التي يريدونها، ونفرح بعلاماتهم العالية، لكننا قد نغفل عما هو أهم وأبقى وأعمق أثرًا من العلامات. ماذا عن الأخلاق؟ والضمير؟ وتحمل المسؤولية؟ فالعلم بلا أخلاق وبلا ضمير قد يهدم أممًا بأكملها، أما العلم الذي تصحبه التربية الراشدة فهو الذي يبني الإنسان ويخدم الأمم، بل يعمّرها.

فنجد الأب يفرح أيّما فرح، وتطير الأم سعادةً إذا عاد الابن من المدرسة يحمل شهادة مليئة بالتقديرات العالية، ولكنهما قد يقيمان الدنيا ولا يقعدانها إذا لم يحصل على العلامة التي يريدانها. ولكن المفارقة المؤلمة، بل السؤال الذي يجب أن يُطرح، هو: هل حرصهما الشديد على تفوق ابنهما وحصوله على العلامات العالية يماثل حرصهما على تفوقه في أخلاقه ومعاملاته؟ وهل الأم أو الأب الذي تشغله دائمًا علامة ابنه فقط يسأله عن الصدق، وحفظ اللسان من الكذب، واحترام المعلم والكبير والآخرين، ومساعدة المحتاج، والاعتذار عند الخطأ، واحترام الوالدين، والأمانة حين يغيب الرقيب؟

نعم، إنها مفارقة مؤلمة أن نخاف ونحرص أشد الحرص على مستقبل أبنائنا الدراسي، ولا نخاف ولا نحرص بالقدر نفسه على مستقبلهم الأخلاقي، وأن نربي أبناءنا على التفوق العلمي فقط، وننسى أن نربيهم على التفوق الإنساني.

فما قيمة الشهادة إن لم تشهد لصاحبها بحسن الخلق؟ وما قيمة العلامات العالية إذا كانت الأخلاق متدنية؟

إن العلم بلا أخلاق قد يتحول إلى وسيلة للضرر بدلًا من أن يكون وسيلة للنفع، والذكاء بلا ضمير قد يصبح وسيلة للخداع، والتفوق بلا تواضع قد يصنع إنسانًا يرى نفسه فوق الجميع، ولا يرى في الناس إلا درجات ومناصب ومصالح.

وليس المقصود أن نهمل التحصيل أو أن نقلل من شأن التفوق العلمي، بل المقصود أن نضع كل شيء في موضعه الصحيح؛ فالعلم يبني العقل، والدين يوقظ الضمير، والتربية الراشدة تجمع كل هذه المعاني الراقية في شخصية متوازنة.

يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق”. فإذا كان حسن الخلق بهذه المنزلة العظيمة، فلماذا نختصر نجاح أبنائنا في أرقام وعلامات تُكتب على ورقة، ونغفل عن القيم التي تُكتب في شخصياتهم، وتظهر في مواقفهم، وترافقهم طوال الحياة، وتبقى آثارها حتى بعد أن تُنسى الأرقام والشهادات؟

فليس من التربية أن نعاقب أبناءنا على علامة منخفضة، وفي الوقت نفسه نتساهل معهم إذا كذبوا أو أساؤوا الأدب أو اعتدوا على حقوق غيرهم. كما أنه ليس من التربية أن نغضب ونعاقبهم لأنهم أخفقوا في امتحان الرياضيات، مثلًا، ولا نحرك ساكنًا حين يفشلون في امتحان الصدق والأمانة والرحمة. فأي رسالة تربوية نرسلها إليهم حين نجعل الدرجة الدراسية سببًا للعقاب، بينما نمرر الخطأ الأخلاقي وكأنه أمر عابر؟

نعم، نريد أبناءنا أطباء ومهندسين ومحامين ومدرسين، وهذا حق مشروع، ولكننا ننسى أحيانًا أن المجتمع لا يحتاج إلى الطبيب الذي يتفوق في علمه ويخون أمانته، ولا إلى المهندس الذي يتقن عمله ويغش في معاملاته، ولا إلى صاحب الشهادة العليا الذي يتكبر على الناس، ويعقّ والديه، ويحتقر الغير، ويظن أن النجاح هو أن يصل إلى القمة، ولو داس في طريقه على حقوق الآخرين.

إن العلامة المدرسية تقيس جانبًا من التحصيل في وقت محدد، لكن الأخلاق تظهر وتبقى في مواقف الحياة المتعددة؛ حين يقدر الإنسان على الكذب فيختار الصدق، وحين يستطيع أن يظلم فيختار العدل، وحين يملك القوة فيختار الرحمة.

فقد يكون الإنسان واسع العلم، لكنه يفتقر إلى حسن التعامل، وقد يكون متفوقًا في دراسته، لكنه لا يحسن احترام الآخرين. فالعلم وحده لا يكفي ما لم تسنده تربية راشدة. وهنا يجب ألا يُفهم أننا ضد العلامات العالية، أو أننا نقلل من قيمة التعليم، ولكننا في الوقت نفسه نرفض أن تكون العلامة هي المقياس الوحيد لنجاح أبنائنا؛ فخسارة بعض العلامات أهون بكثير من خسارة الضمير والأخلاق. والعلامة العالية تفرحنا وتجعلنا نفتخر بأبنائنا يومًا، أما الأخلاق فتجعلنا نفتخر بهم عمرًا كاملًا.

فما الذي يجب أن نحرص عليه في تربيتنا لأبنائنا حقًا؟
– أن يكون الواحد منهم، إذا أصبح طبيبًا، رحيمًا بالناس وأمينًا في علاجهم.
– أن تكون المعلمة، إذا أصبحت معلمة، حريصة على غرس العلم والقيم معًا في نفوس طلابها.
– أن يكون التاجر، إذا أصبح تاجرًا، صادقًا في بيعه وشرائه، وألا يجعل المال سيدًا على ضميره.
– أن يتذكروا، إذا غاب عنهم الرقيب، أن الله يراهم.
– أن يختلفوا مع الناس بأدب، وأن يعتذروا إذا أخطؤوا، ويشكروا إذا أُحسن إليهم، ويختاروا العفو حين يقدرون على رد الإساءة، إذا كان العفو والتسامح خيرًا.
– أن يكونوا أبناءً يجمعون بين عقل متعلم، وقلب رحيم، وضمير حي، وخلق كريم.
– أن يكونوا ناجحين في دراستهم، بارّين بوالديهم، صادقين في حديثهم، أمناء في معاملاتهم، رحماء بالضعفاء، متواضعين مع الناس. فذلك هو النجاح الحقيقي الذي ينبغي أن نفرح به فرحًا كاملًا.

وهذه القيم يجب أن تكون حاضرة في بيوتنا بقوة؛ لأننا لا نربي أبناءنا ليجتازوا سنوات الدراسة فقط، بل لنعدّهم للحياة بطولها وعرضها، بكل ما فيها من مسؤوليات وفتن ومغريات واختبارات.

ورسالتي لكل أم ولكل أب: قبل أن تحاسبا ابنكما على درجاته، حاسباه على سلوكه، وقبل أن تفتخرا بأنه سبق زملاءه بعلاماته، انظرا هل سبقهم بأخلاقه. فكم من إنسان يحمل الشهادات المرموقة، لكنه فشل في حمل شهادة الأخلاق، وأضاع بركة علمه بسبب سوء خلقه!

فلا تجعلا أبناءكما يظنون أن قيمتهم تُقاس بعلاماتهم، وأن نجاحهم يكمن في أن يكونوا الأوائل في صفوفهم فحسب، بل علّموهم أن قيمتهم الحقيقية تظهر في أخلاقهم وسلوكياتهم، وفي صدقهم ورحمتهم وتعاملهم الطيب مع الآخرين.

لا تجعلا بيوتكما ساحات للمنافسة على العلامات فقط، بل اجعلاها مدارس للأخلاق الحميدة، خاصة في هذا الزمان الذي يكاد فيه زمام التربية أن ينفلت من بين الأيدي، وتكاد فيه بوصلة الأخلاق أن تنحرف، ويكاد كل جميل أن يضيع في زحام هذا الضجيج والفوضى الأخلاقية.

نعم، العلامة مهمة، والعلم ضرورة، والنجاح الدراسي حق لكل طالب يجتهد ويسعى، لكن الأهم من العلامة هو الإنسان الذي ينمو خلفها. فلنحرص على أن نرفع علامات أبنائنا دون أن نخفض مستوى أخلاقهم، وأن نبني عقولهم دون أن نهمل قلوبهم، وأن نفرح بما يحققونه من نجاح، دون أن ننسى أن أعظم نجاح لنا ولهم هو أن نقدمهم للمجتمع أبناءً صالحين مصلحين نافعين، يدعو الناس لهم ولمن ربّوهم بأن يجزيهم الله على هذه التربية خير الجزاء.

فما أجمل أن نرى أبناءنا متفوقين في مدارسهم، والأجمل أن نراهم متفوقين أيضًا في أخلاقهم!

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى