د. نواعم شبلي جبارين
في زمنٍ اختلطت فيه الوجوه، وتباينت فيه النوايا، وأصبح التمييز بين الحقيقة والمظاهر ضربًا من الحكمة، تبرز قيمة الصفاء بوصفها ثروةً إنسانية لا تُقدَّر بثمن.
خذ من الصافي الصافي؛ من الإنسان الذي لا يُرهقك بالتأويل، ولا يُثقلك بالتكلّف، ولا يجعل من علاقته بك ساحةً للمصالح والحسابات.
خذ من صاحب القلب النقي صدق الشعور، ومن العقل الراجح حكمة الموقف، ومن النفس المتزنة جمال الاختلاف.
فالصافي لا يعني الساذج، والطيّب لا يعني الضعيف، والمتسامح لا يعني العاجز عن ردّ الإساءة؛ بل إن الصفاء وعيٌ يحسن الاختيار، ونضجٌ يدرك أن نقاء القلب لا يتعارض مع قوة الشخصية، وأن الأخلاق الرفيعة لا تنتقص من هيبة أصحابها.
خذ من الحياة أجمل ما فيها، ولا تسمح لعتمة التجارب أن تطفئ نورك الداخلي. تعلّم من الخذلان دون أن تصبح خائنًا، ومن القسوة دون أن تفقد رحمتك، ومن الاختلاف دون أن تتخلّى عن احترامك للآخرين.
إن الإنسان الصافي يترك في النفوس أثرًا لا تصنعه الكلمات المنمّقة، ولا تشتريه المصالح العابرة؛ لأن أثره ينبع من صدقه، وتبقى قيمته حاضرة حتى في غيابه. فبعض الأشخاص يشبهون الماء النقي؛ لا يلفتون الأنظار بضجيجهم، لكن الحياة تصبح أكثر عذوبةً بوجودهم.
وليس المطلوب أن نبحث عن الكمال في البشر، فلكل إنسان نقصه وتناقضاته، وإنما الحكمة أن نُحسن التمييز بين من يخطئ ثم يتعلّم، ومن يتعمّد الأذى ثم يتخفّى خلف الأقنعة.
خذ من الصافي صفاءه، ومن الحكيم بصيرته، ومن التجارب دروسها، واترك ما يعكّر روحك ويستنزف سلامك. فالعمر أقصر من أن نقضيه في مطاردة رضا الجميع، والروح أثمن من أن نُثقلها بما لا يستحق.
وفي الختام، كن صافيًا دون أن تكون غافلًا، طيّبًا دون أن تكون مستباحًا، متسامحًا دون أن تتنازل عن كرامتك. فالقيمة الحقيقية ليست في كثرة من يحيطون بك، بل في نقاء من يقتربون منك، ولا في بريق العلاقات، بل في صدقها وعمقها.
خذ من الصافي الصافي، وكن أنت أيضًا مصدرًا للصفاء؛ فالعالم لا يحتاج إلى مزيد من الوجوه، بقدر ما يحتاج إلى مزيد من القلوب التي تشبه الحقيقة.
