الإبادة الإعلامية.. تقرير ألبانيزي يلاحق إسكات الشهود وتبرير الجرائم الإسرائيلية

لا تنتهي الحرب على الحقيقة عند قتل الصحفي الذي ينقلها؛ فقد تستمر بتدمير مكتبه، وقطع اتصاله بالعالم، والتشكيك في شهادته، ثم تقديم رواية تبرر ما تعرض له. بهذه الرؤية، تقرأ المقررة الخاصة المعنية بحقوق الإنسان في الأرض الفلسطينية المحتلة فرانشيسكا ألبانيزي العلاقة بين استهداف الصحافة والحرب الإسرائيلية على غزة، واضعة ممارسات مؤسسات إعلامية ومنصات رقمية ضمن دائرة المساءلة.
وفي تقريرها “الحقيقة تحت الأنقاض.. وسائل الإعلام في زمن الإبادة الجماعية”، المحال إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة بمذكرة مؤرخة في 21 يوليو/تموز 2026، تستخدم ألبانيزي مفهوم “الإبادة الإعلامية” لوصف التدمير المنهجي للدور العام للإعلام، من إزالة الشهود ووسائل التوثيق إلى نشر سرديات تحجب الفظائع أو تضفي عليها الشرعية.
وتستند الوثيقة إلى مصادر أولية وعامة ومشاورات مع ناجين وخبراء، و89 مساهمة مكتوبة، تناولت 62 منها بيئات إعلامية في أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا، وفحصت المقررة تغطية 12 مؤسسة إعلامية مؤثرة، قالت إن ثلاثا منها فقط استجابت لطلبات التعليق.
إسكات الشاهد وتدمير أدواته
بحسب المعطيات التي يجمعها التقرير، قتلت القوات الإسرائيلية قرابة 300 صحفي وعامل في الإعلام منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، بينهم نحو 70 قتلوا انتقاما منهم بسبب عملهم، وأصابت أكثر من 400 آخرين. وتستخدم الوثيقة مصطلح الصحفيين بمعنى يشمل العاملين في المجال الإعلامي.
وتورد ألبانيزي أن كثيرا من الضحايا كانوا يرتدون سترات وخوذات صحفية، أو يعملون داخل مركبات وخيام تحمل علامات تميزهم. وترى أن وسائل التعريف التي يفترض أن تساعد على حمايتهم لم تمنع استهدافهم.
ويمتد الاعتداء، وفق التقرير، إلى المحيط العائلي والمهني؛ إذ يشير إلى مقتل نحو 710 من أقارب الصحفيين، وتدمير أكثر من 150 منزلا لهم. ويستعرض تجربة مراسل الجزيرة وائل الدحدوح، الذي فقد زوجته وعددا من أبنائه وأفراد أسرته، ثم فقد ابنه الصحفي حمزة، بوصفها إحدى الحالات التي تكشف اتساع الثمن الشخصي للعمل الصحفي.
وبالتوازي، يوثق التقرير تدمير 150 مكتبا ومؤسسة إعلامية حتى أكتوبر/تشرين الأول 2025، وانقطاعات متكررة للاتصالات أعاقت جمع المعلومات والتحقق منها ونشرها. فخسارة الكاميرا والمكتب وشبكة الاتصال تعني، في قراءة ألبانيزي، تقويض القدرة على إثبات ما يحدث، إلى جانب إسكات من ينقلونه.
اتهامات تمهد للاستهداف
يربط التقرير بين الهجمات وحملات التشهير بالصحفيين الفلسطينيين، مستندا إلى تقارير عن وحدة في الجيش الإسرائيلي تعرف باسم “خلية إضفاء الشرعية”، عملت على تصوير صحفيين في غزة بوصفهم عناصر في حركة حماس.
وتقول ألبانيزي إن هذه السرديات تستخدم لترهيب الصحفيين وتهيئة المناخ للهجمات، أو تبرير قتلهم بعد وقوعه، وتستعرض في هذا السياق حالتي حسام شبات وأنس الشريف، اللذين تعرضا لاتهامات قبل مقتلهما.
وتؤكد الوثيقة أن وصف الصحفي بأنه “إرهابي” أو نسبته إلى جماعة مسلحة لا يكفي لإسقاط الحماية المدنية عنه، وأن الانتماءات وعلاقات العمل والآراء لا تعادل المشاركة المباشرة في الأعمال العدائية.
وتذهب المقررة إلى أن القتل المنهجي للشهود المنتمين إلى الجماعة المستهدفة، وإغلاق قنوات اتصالها بالعالم، قد يشكلان دليلا على نية تدميرها، وهذا استنتاج قانوني تطرحه ألبانيزي في تقريرها استنادا إلى سوابق قضائية، وليس حكما قضائيا صادرا بحق الجهات التي تتناولها.
حين تتحكم الرقابة فيما يراه الجمهور
لا يفصل التقرير استهداف الصحافة الفلسطينية عن القيود المفروضة على تداول المعلومات داخل إسرائيل، ويذكر أن الرقابة العسكرية منعت، في عام 2024، نشر 1635 مادة، وحذفت أجزاء من 6265 مادة أخرى، بما يعادل نحو 21 تدخلا يوميا.
ويضع إلى جانب ذلك منع الصحفيين الأجانب من الوصول المستقل إلى غزة، وحظر قناة الجزيرة، وإغلاق منصات فلسطينية، باعتبارها إجراءات تضيق مساحة التوثيق المستقل وتزيد الاعتماد على الرواية العسكرية.
كما يرصد خطابات تحريض وتجريد للفلسطينيين من إنسانيتهم بثتها وسائل إعلام إسرائيلية، بينها القناة 14، ويحمل السلطات مسؤولية منع التحريض ومعاقبة مرتكبيه.
وفي المقابل، يبرز دور وسائل إعلام إسرائيلية مستقلة، مثل “هآرتس” ومجلة “+972″، في كشف وقائع أغفلتها مؤسسات أخرى، مميزا بين أدوار مختلفة داخل المشهد الإعلامي نفسه.
انحياز تصنعه اللغة والعناوين
في تناوله الإعلام الغربي، ينتقل التقرير من سؤال إتاحة المعلومات إلى كيفية صياغتها وعرضها وإسناد المسؤولية عن الوقائع التي تتناولها. ويعرض إرشادات تحريرية يرى أنها تهمش السياق التاريخي والقانوني، بينها توجيهات مسربة من “نيويورك تايمز ” تدعو إلى الحذر في استخدام تعبيرات مثل “الإبادة الجماعية” و”الأرض المحتلة “، وتقيد استخدام اسم “فلسطين”.
ويستشهد بتحليل يفيد بأن الإشارة إلى المسؤولية الإسرائيلية غابت أو جرى التقليل منها في 83% من العناوين ذات الصلة لدى “بي بي سي”، و65% لدى “نيويورك تايمز”، ضمن المواد التي شملها التحليل.
كما يورد أن عبارة “الدروع البشرية” تكررت 176 مرة في الصحيفة الأمريكية و81 مرة لدى الهيئة البريطانية، بين أكتوبر/تشرين الأول 2023 وأغسطس/آب 2025. ويرى أن تكرار هذه الرواية، دون تمحيص كاف، يمنح المبررات الإسرائيلية للهجمات حضورا يفوق ما تحظى به الأدلة المناقضة لها.
ولا تقتصر المسألة على المفردات؛ إذ يناقش التقرير التفاوت في إضفاء الطابع الإنساني على الضحايا، من خلال الأسماء والقصص الشخصية والمساحة المخصصة لمعاناتهم؛ ويعتبر أن تقديم ضحايا طرف بوصفهم أفرادا لهم حياة وعائلات، واختزال ضحايا الطرف الآخر في أرقام، يؤثر في توزيع التعاطف وفهم المسؤولية.
حذف الشهادة وتسويق الإنكار
على المنصات الرقمية، يرصد التقرير امتداد المشكلة إلى قدرة الرواية الفلسطينية على الوصول إلى الجمهور، ويشير استنادا إلى بيانات مسربة إلى حذف أو تقييد نحو 38.8 مليون منشور على “فيسبوك” و”إنستغرام” منذ أواخر عام 2023، وإلى تراجع التفاعل مع مؤسسات إخبارية فلسطينية بارزة بنسبة 77%، وفق المصدر الذي يستشهد به.
ويورد معدلات امتثال لطلبات الحذف الإسرائيلية بلغت 99.2% لدى “تيك توك” و94% لدى “ميتا”، مقابل استمرار إتاحة محتوى يتضمن تحريضا أو إهانة للمعتقلين الفلسطينيين.
ويضع التقرير هذه الممارسات إلى جانب عقود إعلانية إسرائيلية تقارب قيمتها 50 مليون دولار، شملت جهات بينها “غوغل” و”إكس”، لنشر رسائل تنفي المجاعة؛ وترى ألبانيزي أن مسؤولية المنصات تتجاوز إدارة المحتوى إلى فحص الضرر الناتج عن نشر الدعاية المدفوعة وقمع التوثيق.
التصحيح بقدر بروز الخطأ
ينتهي التقرير إلى توصيات تجعل حماية الصحافة مرتبطة بحفظ الأدلة وإمكان تحقيق العدالة، ويدعو إلى إنشاء آلية دولية مستقلة لجمع الأدلة على الجرائم المرتكبة بحق الصحفيين والبيئة الإعلامية وحفظها، وفتح غزة أمام الإعلام الدولي، والإفراج عن الصحفيين المحتجزين تعسفا.
كما يوصي بأن يحقق المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية في التحريض المباشر والعلني على الإبادة الجماعية من جانب مسؤولين وشخصيات إعلامية.
أما المؤسسات الإعلامية والمنصات، فيضع أمامها معيارا مهنيا واضحا، التحقق من ادعاءات أطراف الحرب قبل النشر، ومنح التصحيحات البروز نفسه الذي حظيت به المعلومات الخاطئة، ووقف الحذف التعسفي للمحتوى الذي يوثق الجرائم المحتملة.
فالسؤال الذي يطرحه التقرير على غرف الأخبار يتجاوز حجم تغطيتها للحرب إلى طبيعة دورها فيها؛ هل تمحص روايات السلطة وتحفظ شهادة الضحايا، أم تمنح الادعاءات غير المثبتة قوة الخبر وصدقيته؟
