كم كذبنا حين قلنا: نحن استثناء!!

أحمد سليمان
تُعد المقاطعة السياسية، وفي مقدمتها مقاطعة انتخابات المجالس النيابية، إحدى أبرز الأدوات السلمية والقانونية في علم السياسة، والتي تلجأ إليها الشعوب والأقليات الأصلانية لمواجهة منظومات الاستعمار والاحتلال. ومن المهم التأكيد في هذا السياق أن المقاطعة ليست موقفًا سلبيًا أو انسحابًا من المشهد، بل هي فعل سياسي إيجابي يهدف إلى سحب الشرعية عن المؤسسات التي صممها المستعمر لإدارة احتلاله.
وفي سياق الأقليات القومية الأصلانية، تبرز الحاجة إلى تفكيك “وهم الاستثناء”؛ وكما قال محمود درويش: “كم كذبنا حين قلنا: نحن استثناء!”.
وهو الوهم الذي يوحي بأن قواعد التاريخ لا تنطبق على السكان الأصليين، وأن الخلاص يكمن في الاندماج ضمن قواعد اللعبة التي يضعها المستعمر.
تختلف أدوات النضال السياسي جذريًا باختلاف طبيعة المكون الديموغرافي. فالجاليات المهاجرة تسعى عادةً إلى تحسين شروط اندماجها وحصولها على حقوق مدنية واقتصادية داخل الدولة المضيفة، مما يجعل المشاركة في الانتخابات أداة منطقية.
أما الأقلية الأصلانية، التي سبقت وجود المستعمر على أرضها، فلا تسعى فقط إلى تحسين شروط العيش، بل إلى الحفاظ على هويتها وحقوقها الجماعية.
في هذه الحالة، يرى أنصار المقاطعة أن المشاركة في مؤسسات المستعمر قد تتحول إلى أداة تُستخدم لتجميل صورة النظام الاستعماري، بينما تهدف المقاطعة إلى نزع الشرعية عن هذه المؤسسات وتقليص فعاليتها الرمزية أمام الرأي العام المحلي والدولي.
وليس الحديث عن توظيف المشاركة السياسية لتجميل صورة الأنظمة الاستعمارية افتراضًا نظريًا مجردًا، بل يمكن ملاحظة ذلك بوضوح في الخطاب الرسمي الإسرائيلي خلال العقود الأخيرة:
– آب 2001 (مؤتمر ديربان لمناهضة العنصرية): أصدرت وزارة الخارجية الإسرائيلية وثيقة رسمية أكدت فيها أن المواطنين العرب يشاركون في الانتخابات ويمثلهم أعضاء في الكنيست، وقدمت ذلك كدليل على المساواة السياسية والطابع الديمقراطي للدولة.
– حزيران 2015 (مؤتمر هرتسليا): اعتبر الرئيس رؤوفين ريفلين في “خطاب القبائل الأربع” أن التمثيل العربي في الكنيست جزء أساسي من النسيج الديمقراطي الإسرائيلي، ليعكس حيوية النظام.
– حزيران 2021: قدم نفتالي بينيت ويائير لابيد انضمام حزب عربي إلى الائتلاف الحكومي كحدث تاريخي يبرهن على قوة الديمقراطية الإسرائيلية، واستخدم لابيد هذا المثال لاحقًا في محافل دولية للدفاع عن صورة إسرائيل.
– نيسان 2021 (الرد على هيومن رايتس ووتش): استندت وزارة الخارجية الإسرائيلية في رفضها لتقرير المنظمة إلى أن المواطنين العرب يشاركون في الانتخابات ويتمتعون بتمثيل برلماني.
– شباط 2022 (الأمم المتحدة): ردًا على تقرير منظمة العفو الدولية الذي وصف إسرائيل بدولة فصل عنصري، استشهد السفير الإسرائيلي بوجود أعضاء كنيست ووزراء وقضاة عرب لنفي اتهامات الأبارتهايد.
في المقابل، يرى أنصار المشاركة السياسية أن العمل البرلماني مكّن المجتمع العربي من تحصيل بعض الحقوق والميزانيات.
غير أن أنصار المقاطعة يردون بأن السؤال لا يتعلق بحجم المكاسب الجزئية، بل بالكلفة السياسية والرمزية المترتبة على المشاركة في مؤسسات يرونها جزءًا من منظومة استعمارية أوسع.
فعلى مدار عقود، روّجت الأنظمة الاستعمارية لفكرة أن مقاطعة النظام السياسي تقود إلى التهميش، وأن الحالة المحلية استثنائية.
وساهم هذا الخطاب في ترسيخ قناعة بأن الحضور السياسي لا يتحقق إلا عبر المشاركة. لذا، فإن كسر هذا الوهم يبدأ من إدراك أن قوانين التاريخ والاجتماع السياسي واحدة، وأن أدوات المقاومة السلمية قادرة على النجاح إذا ما تم تبنيها كاستراتيجية وطنية شاملة.
ومن أشد تجليات الغباء السياسي والقصور في الرؤية أن نستنتج من مشاهد حرب الإبادة المسعورة والعنجهية المتغطرسة التي تمارسها المؤسسة الإسرائيلية، أنها كيان لا يكترث للرأي العام العالمي أو لصورته الديمقراطية. بل على العكس تمامًا؛ فإن هذا الصلف الدموي يخفي وراءه حاجةً مرضية وشرهة لاكتساب “شرعية ديمقراطية” مزيفة، تُغسل بها الخطايا أمام المجتمع الدولي.
إنهم يستميتون للحفاظ على ورقة التوت هذه لتسويق أنفسهم كـ “واحة للديمقراطية”، ومشاركة الأقلية الأصلانية في هذه اللعبة هي بالضبط ما يمنحهم صك البراءة المجاني لمواصلة سياساتهم دون حسيب أو رقيب.
ومع اختلاف السياقات التاريخية والسياسية، فإن التجارب تكشف أن المقاطعة السياسية كانت أداة فعالة لنزع الشرعية عن مؤسسات الهيمنة:
– الهند: في عام 1920، أطلق المهاتما غاندي وحزب المؤتمر الوطني الهندي حركة مقاطعة شاملة لانتخابات المجالس التشريعية التي أسسها الاستعمار البريطاني. رفض الهنود إضفاء الشرعية على مؤسسات صُممت لإبقائهم تحت السيطرة، مما أدى إلى شلل النظام الاستعماري، وكان حجر الأساس في مسيرة الاستقلال.
– جنوب أفريقيا: في الثمانينيات، حاول نظام الأبارتايد تجميل صورته باستحداث “برلمان ثلاثي الغرف” يمنح تمثيلًا شكليًا للأقليات مع استثناء الأغلبية السوداء. قاطعت الحركات المناهضة للفصل العنصري هذه الانتخابات، مما أفشل مساعي النظام لشق صفوف المضطهدين، وعجّل بسقوطه.
– أيرلندا: اعتمدت حركة “شين فين” في أوائل القرن العشرين استراتيجية فريدة؛ حيث كانوا يترشحون، وحين يفوزون يرفضون أخذ مقاعدهم في البرلمان البريطاني. كانت هذه المقاطعة رسالة واضحة برفض السيادة، وأدت إلى تأسيس برلمانهم الخاص وتعبيد الطريق نحو الاستقلال.
خلاصة القول، إن المقاطعة تتطلب نفسًا طويلًا وإيمانًا بأن الحقوق لا تُستجدى من منابر المستعمر. إننا لسنا استثناءً من مسار التاريخ، فكلما أدركت الأقلية الأصلانية قوتها الجماعية، ورفضت أداء دور الشريك الرمزي في إضفاء الشرعية على المنظومة القائمة، اقتربت خطوة إضافية نحو فرض إرادتها السياسية الحقيقية.
