أخبار وتقاريرمقالاتومضات

مشروع النهضة والبناء الذاتي للفلسطينيين في الداخل: الوقف كرافعة للنهضة والتمكين

المحامي خالد زبارقة

تُجمع الأدبيات السوسيولوجية والسياسية على أن المجتمعات التي تتعرض لمخططات تهميش هيكلي ومحاولات طمس مستمرة، ومخططات لتفكيك نسيجها الاجتماعي واستهداف وجودها، كما هو الحال بالنسبة إلى المجتمع العربي في الداخل، لا يمكنها البقاء، فضلًا عن النهوض، بالاعتماد الحصري على سياسات “رد الفعل” أو الارتهان لمؤسسات السلطة الرسمية التي تمارس هذا التهميش.

وفي السياق المعقد للمجتمع العربي في الداخل الفلسطيني، تكتسب هذه القاعدة أبعادًا وجودية؛ فهذا المجتمع يواجه اليوم تحديات تتجاوز التمييز السياسي لتصل إلى تفكيك بنيته الاجتماعية والاقتصادية والحقوقية، بهدف اقتلاعه واستهداف وجوده بوصفه مجتمعًا متماسكًا قادرًا على التأثير في صياغة مستقبله على هذه الأرض.

وهذا ما يحتّم الانتقال الفوري من عقلية “الاحتجاج والمطالبة” إلى استراتيجية “المبادرة والبناء الذاتي والسيادة المدنية”، التي تهدف إلى تعزيز صموده وثباته وتجذّره بوصفه مجتمعًا متكاملًا، وليس مجموعة من الأفراد المنفصلين.
تمثّل هذه الورقة قراءة ومقاربة متواضعة لهندسة النهضة المجتمعية، تدمج بين إحياء مؤسسة “الوقف” بوصفها رافعة اقتصادية، وتأسيس شبكات للتكامل المجتمعي، وصولًا إلى بناء مرجعية وطنية مستقلة من خلال مؤتمر إنقاذ وطني يضع النقاط على الحروف.

أولًا: الوقف كرافعة للتنمية

يمثّل الوقف الإسلامي ثورة أخلاقية واقتصادية تتجاوز مفهوم الإحسان العابر، لتؤسس لـ”حصن مجتمعي” متين. اقتصاديًا، يوفر الوقف منظومة هيكلية استباقية للأمن المجتمعي؛ فبدلًا من التركيز الحصري على المصالح الشخصية والفردانية والأنانية، يمكن الانتقال إلى منظومة قادرة على تعزيز الحقوق الجماعية وتوظيف الموارد لمصلحة المجتمع ككل، أو لمصلحة الفئات المستفيدة من الوقف وموارده.

فمثلًا، بمقدور الأوقاف تجفيف منابع الانحراف، المتمثلة في البطالة والتهميش، عبر توجيه العوائد الوقفية نحو مشاريع إنتاجية وتشغيلية للفئات المستهدفة.

ولا ينفصل هذا المسار الاقتصادي عن ساحة الاشتباك الحقوقي. فالمعركة لاسترداد الأوقاف المصادرة، وتحديدًا تلك الخاضعة لسيطرة “حارس أملاك الغائبين” ودائرة أراضي إسرائيل، تتطلب عملًا قانونيًا دؤوبًا على عدة مستويات، لتفكيك ادعاءات المصادرة. وترتكز هذه المواجهة على القاعدة الفقهية والقانونية الصلبة: “شرط الواقف كنص الشارع”.

كما أن صياغة حجج وقفية حديثة ومحكمة للعقارات والأراضي، وتأسيس أوقاف إسكانية توفر مساكن للأزواج الشابة، تمثّلان خطوتين لمنع تسرب الأملاك وحماية التركيبة الديموغرافية، وصون الحيّز المكاني من سياسات الخنق العمراني.

ثانيًا: تفكيك الاقتصاد الجنائي وتحصين الجبهة الداخلية

تواجه الجبهة الداخلية للعرب في الداخل استنزافًا حادًا يتمثل في تغوّل الجريمة المنظمة وتفشّي قروض السوق السوداء، التي أصبحت خنجرًا في خاصرة المصالح التجارية العربية. والمواجهة هنا يجب أن تكون مركبة، من خلال مسارين:

البديل التمويلي: تفعيل “صناديق وقفية وتعاونية” لتقديم قروض ميسّرة تنقذ المصالح المتعثرة من فخ الابتزاز المالي، الذي ينتهي غالبًا بتصفية الأعمال أو السيطرة عليها بالقوة.

التحكيم الأهلي المؤسسي: تحويل لجان الإصلاح من إطارها العشائري التقليدي إلى مؤسسات تحكيم مدنية، تدعمها طواقم تمتلك خبرة واسعة في التقاضي المدني والجنائي. وهذا من شأنه أن يضمن تسوية النزاعات المالية والعقارية المعقدة بحلول ملزمة، تسدّ الفراغ الذي يخلّفه تراخي سلطات إنفاذ القانون، وتوفر حماية قانونية واجتماعية للضحايا.

ثالثًا: صناعة النهضة خارج صندوق الاقتراع (تضييق الواسع)

من أبرز العوائق التي كبّلت العقل السياسي في الداخل ظاهرة “تضييق الواسع”، إذ جرى اختزال مشروع النهوض الشامل في المشاركة في الكنيست والتمثيل البرلماني. فالكنيست ساحة اشتباك لتعطيل القوانين العنصرية وانتزاع الميزانيات، لكنه ليس مصنعًا للنهضة.

إن النهضة الحقيقية تتطلب الانتقال إلى البناء المؤسسي الذاتي، من أسفل إلى أعلى. فتأسيس مراكز أبحاث استراتيجية، وبناء شبكة مدارس أهلية مستقلة تحصّن السردية التاريخية، وتشكيل طواقم لتخطيط المدن والقرى العربية وتطويرها، هي أفعال حضارية تفوق في فاعليتها مئات الخطابات السياسية.

وتمثّل هذه المؤسسات حالة نهضوية متكاملة تحرّر المجتمع من التبعية المطلقة لمنظومة التهميش وميزانياتها المشروطة.

رابعًا: هندسة التكامل المجتمعي وإدارة التنوع

إن المجتمع الممزق بفعل الاستقطاب السياسي والنزعات العائلية لن يقوى على النهوض. ويكمن التحدي في الانتقال من “المقاربة الصفرية” إلى استراتيجية “توزيع المهام وتكامل الأدوار” بين مكوّنات المجتمع الفلسطيني.

ويتطلب ذلك حوارًا جادًا وحقيقيًا، بعيدًا عن الارتهان للمنظومة الرسمية، بهدف الوصول إلى درجة عالية من الوحدة والتنسيق وتكامل الأدوار. وفي هذا الجانب، هناك الكثير مما يمكن فعله.

خامسًا: اللحظة التأسيسية.. مؤتمر الإنقاذ الوطني والمرجعية العليا

لتتويج هذه الرؤية وتحويلها إلى واقع مؤسسي، لا بد من عقد “مؤتمر إنقاذ وطني شامل” يجمع الكفاءات والأكاديميين والحقوقيين ورجال الأعمال ورؤساء السلطات المحلية، بعيدًا عن المحاصصة الحزبية الضيقة.
ويهدف هذا المؤتمر إلى:
إعلان حالة الطوارئ المدنية: وصياغة “عقد اجتماعي/ميثاق وطني” ملزم، يرفع الغطاء الاجتماعي عن المتورطين في الجريمة المنظمة والسوق السوداء.

إطلاق “الصندوق الوقفي الوطني”: ليكون الذراع المالي المستقل، من خلال فتح باب الاكتتاب الجماهيري الدائم، بحيث تصبح أموال هذا الصندوق المورد المحرّك لمشاريع التعليم والإسكان والمرافعة القانونية المحلية والدولية.

تشكيل “المرجعية العليا”: وهي قيادة مجتمعية تكنوقراطية، تنبثق عنها مجالس تنفيذية متخصصة في التخطيط العمراني والاقتصاد والتعليم وغيرها. وتمتلك هذه المرجعية الشرعية الشعبية والخبرة المهنية والاستقلال المالي، بما يمكّنها من توجيه بوصلة المجتمع بندّية كاملة أمام مؤسسات الدولة.
إن مسيرة النهضة في الداخل الفلسطيني هي قصة مجتمع يرفض الذوبان، ويرفض الارتهان لمعادلات الضعف. ومن خلال استعادة الأوقاف وحمايتها قانونيًا، وبناء المؤسسات المدنية، وإرساء التكامل المجتمعي تحت سقف مرجعية وطنية فاعلة، يُعاد بناء الحصن المجتمعي المتراص؛ مجتمع يصنع أمنه واستقراره وصموده بإرادته الحرة وموارده المستقلة على أرضه.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى