بحر جنوب الصين.. من الاحتكاكات إلى إعادة تشكيل الاصطفافات

لا تكاد تخلو الصحافة الصينية من تقارير وتعليقات يومية تتناول قضايا بحر جنوب الصين، ليس باعتبارها ملفاً حدوديا عابرا، بل بوصفها إحدى الساحات الأكثر حساسية في إعادة تشكيل البيئة الأمنية الآسيوية.
وتبني هذه التغطيات خطابا ثابتا يقوم على تثبيت فكرة السيادة الصينية على المناطق محل النزاع، وانتقاد ما تعدّه بكين استفزازات بحرية وتدخلاً من قوى خارج الإقليم.
ولا ينفصل الأمن في هذا الخطاب عن التنمية؛ فالصين تقدم نفسها شريكا براغماتيا يدعو إلى المنفعة المتبادلة واحترام السيادة، فيما تصوّر التحالفات العسكرية والمناورات الخارجية عوامل استقطاب.
غير أن التأكيدات السيادية والقانونية المتعارضة تكشف أن النزاع تجاوز الجزر والشعاب والحقوق البحرية، ليصبح اختبارا للنظام الأمني الآسيوي، وما إذا كانت تحكمه التوازنات والتحالفات، أم قواعد تفاوضية ومدونة سلوك إقليمية؟
مانيلا بين الأمن والسياسة
ويعرض مدير معهد دراسات بحر جنوب الصين، دينغ دوو، في صحيفة هوان تشيو، الانقسامات داخل الفلبين باعتبارها صراعا بين مسارين، أحدهما مسار دبلوماسي تمثله وزارة الخارجية ويميل إلى احتواء الاحتكاكات عبر الحوار والترتيبات العملية، والآخر مسار أكثر تشددا تقوده مؤسسات الدفاع وخفر السواحل ويراهن على الضغط الميداني والتعبئة الإعلامية.
ويستدل الكاتب بالخلاف العلني بين المؤسسات الفلبينية بشأن اتفاقية إمداد مؤقتة مع الصين في شعاب “رين آي” المرجانية، بينما ادعت وزارة الدفاع الفلبينية عدم علمها بوجود مثل هذه الاتفاقية، معتبرا أن التباين في “الخلافات الإستراتيجية” يدور حول الوسيلة والإيقاع لا حول الهدف السيادي العام.
وتذهب الصحيفة إلى أن استمرار التوتر يخدم -من وجهة نظرها- مصالح دوائر عسكرية وأمنية تستفيد من زيادة الإنفاق الدفاعي، وتحديث منظومة الأسلحة، وتوسيع المساعدات والتدريبات الخارجية.
كما تربط بين تصاعد الخطاب الوطني حول المنطقة البحرية وبين حسابات السياسة الداخلية للرئيس فرديناند ماركوس الابن، وحاجته إلى تحصين الموقف السياسي داخليا وتوسيع شبكات الدعم الأمني الخارجي.
لكن هذه القراءة تحمل طابعا جدليا واضحا، ولا تكفي وحدها لتفسير السياسة الفلبينية، فمانيلا تنظر إلى تطوير قدراتها البحرية وتحالفاتها الأمنية بوصفه استجابة لما تعتبره تحديات تمسّ حقوقها ومصالحها في مناطق بحرية متنازع عليها.
ومن ثم، فإن الانقسام الفلبيني لا يقتصر على تنافس بيروقراطي أو توظيف انتخابي للملف، بل يعكس مفاضلة معقدة بين حاجات الردع، وكلفة التصعيد، ومتطلبات التنمية، وأهمية الحفاظ على علاقات اقتصادية قابلة للتطوير مع الصين.
اليابان بين الدعم والردع
بالمقابل، تقدم افتتاحية صحيفة غلوبال تايمز الدعم الياباني للفلبين بوصفه دليلا على نية إستراتيجية لاحتواء الصين. وتتهم الصحيفة طوكيو باستخدام المساعدات العسكرية والمعدات البحرية والاتفاقات الدفاعية لتشجيع مانيلا على التشدد، وربط بحر جنوب الصين بالإستراتيجية الأمريكية في منطقة الهندي-الهادي.
كما ترى الصحيفة -الناطقة بالإنجليزية والموجهة للرأي العام الدولي- أن هذا المسار يحوّل الإقليم إلى مجال لتوسيع الدور العسكري الياباني، ويقوّض مركزية رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) في إدارة التوترات الإقليمية.
وهنا لا بد من تقييم الدور الياباني من خلال تمييز دقيق بين مستويين، الأول هو الدعم الدبلوماسي وبناء القدرات، مثل تعزيز الوعي بالمجال البحري، والتدريب، والمساعدة في الإنقاذ، وتحسين قدرات خفر السواحل، وهذه أدوات يمكن أن تُقدَّم باعتبارها دفاعية ومتصلة بأمن الملاحة.
أما المستوى الثاني فيبدأ عندما تتسع الشراكات إلى تموضع عملياتي مستمر، أو ترتيبات وصول عسكري، أو تدريبات مصممة لسيناريوهات مواجهة مع الصين، أو ربط ملف بحر جنوب الصين بتايوان وشرق آسيا.
عند هذه النقطة، يتحول الدعم من تعزيز قدرات شريك إلى عنصر في بناء ردع إقليمي أوسع، وتكمن المشكلة في أن الردع -وإن كان يهدف نظريا إلى منع الإكراه أو استخدام القوة- قد يُفهم لدى الطرف المقابل بوصفه تطويقا إستراتيجيا.
لذلك يصبح ضبط النطاق والشفافية والرسائل السياسية المصاحبة للتعاون الياباني الفلبيني ضروريا لمنع تحوّل المساعدة الدفاعية إلى وقود لتنافس مفتوح.
توتر مُسيطر عليه
وفي مقال آخر نشرته صحيفة هوان تشيو، تصف الدكتورة هونغ نونغ، المديرة التنفيذية لمركز الدراسات الأمريكية، الوضع الراهن في بحر جنوب الصين بأنه حالة من “التوتر المُسيطر عليه”، فرغم عدم انهيار الاستقرار بشكل العام، فإن الاحتكاكات الميدانية المتكررة ترفع كلفة إدارة الأزمات وتزيد احتمال سوء التقدير.
وتشير الباحثة إلى حادثة اصطدام سفينة فلبينية بسفينة لخفر السواحل الصيني يوم 18 سبتمبر/أيلول قرب شعاب “شيان بين” (سابينا) المرجانية في أرخبيل سبراتلي، محذرة من أن اصطداما، أو عملية صعود إلى سفينة، أو إصابة أفراد، أو عطلا تقنيا، يمكن أن يمنح حادثا محدودا معنى إستراتيجياً أكبر من حجمه الفعلي.
وهذه الفكرة تستحق التعامل معها بجدية، لأن الخطر لا ينبع من قرار معلن بالحرب، بل من التفاعل السريع بين سفن خفر السواحل، والإعلام المباشر، والرأي العام، والالتزامات التحالفية.
ولكي يبقى التوتر تحت السيطرة، تحتاج الأطراف إلى ترتيبات عملية لا تتوقف عند البيانات العامة، ويشمل ذلك إنشاء خطوط اتصال بحرية مباشرة بين خفر السواحل، وتحديد مسافات أمان ومناورات محظورة، وتبادل الإخطار المسبق بالعمليات الحساسة، ووضع قواعد مشتركة للإجلاء الطبي والبحث والإنقاذ، بحسب الصحيفة.
كما يتطلب الأمر آلية تحقيق فني مشتركة أو مستقلة في حوادث الاصطدام، بشكل يحدّ من احتكار كل طرف للرواية الإعلامية، ويمنع من تحويل اللقطات المصورة إلى أدوات تصعيد سياسي.
آسيان ومساحة الاستقلال
وفي سياق منفصل، سلّط موقع شبكة الصين الضوء على كلمة الأمين العام لرابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) كاو كيم هورن، أمام منتدى “شيانغ شان” في بكين، والتي دعا فيها إلى نظام دولي تستطيع فيه جميع الدول -بصرف النظر عن حجمها وقوتها- إسماع صوتها على قدم المساواة، وتحترم فيه السيادة، وتُقدَّم فيه الشراكة والتعاون على المنافسة.
وشدد كاو على أن الاستقرار لا يقوم على توازن القوة العسكرية وحده، بل يحتاج إلى الثقة الإستراتيجية، واحترام القانون الدولي، والحوار المتواصل، وتسوية النزاعات بالوسائل السلمية.
ويمثل هذا الطرح جوهر المقاربة الآسيوية التي تفضّل عدم الارتهان الكامل لأي من القوى الكبرى، فدول الرابطة تريد الحفاظ على فضاء يسمح لها بالتعاون الاقتصادي مع الصين، وبالشراكة الأمنية مع الولايات المتحدة واليابان ودول أخرى، من دون أن تتحول دولها إلى خطوط تماس في صراع القوى الكبرى.
غير أن هذه المركزية تواجه اختبارا صعبا بسبب اختلاف مصالح الدول الأعضاء، وتفاوت إدراكهم لحجم المخاطر، وعمق الارتباطات الاقتصادية والأمنية الخارجية لكل دولة، بحسب ما أورده التقرير.
لذلك، فإن قدرة (آسيان) على الصمود لا تقاس ببيانات الوحدة وحدها، بل بمدى نجاحها في دفع مفاوضات مدونة قواعد السلوك في بحر جنوب الصين نحو نص واضح وفعّال وقابل للتنفيذ.
ووفقا لهونغ نونغ، فإن المدونة يجب أن تتناول -إلى جانب المبادئ العامة- الإخطار المسبق، ومنع المناورات الخطرة، واستخدام قنوات الاتصال الطارئ، والتحقيق في الحوادث، وآليات تسوية الخلافات. فكلما تحولت هذه المبادئ إلى إجراءات ميدانية، تقلصت قدرة الاستقطاب الخارجي على ملء الفراغ.
إدارة بحرية مستقرة
وتعكس التغطية الصينية لقضايا بحر جنوب الصين رؤية تعتبر أن التوتر ناجم أساسا عن تحركات الفلبين المدعومة من الولايات المتحدة واليابان، وأن الحل يكمن في احترام السيادة الصينية والعودة إلى الحوار والتعاون الاقتصادي والإقليمي.
غير أن التوازن يقتضي الفصل بين هذه الرؤية وبين الحقائق والمواقف المتنازع عليها؛ فحدود السيادة، ووصف الوقائع البحرية، ودلالة حكم التحكيم الصادر عام 2016، ومشروعية العمليات البحرية، وغايات التحالفات الدفاعية، تظل مسائل خلافية بين بكين ومانيلا وشركائهما.
لكن المؤكد؛ أن أخطر ما يواجه المنطقة ليس استمرار النزاع في حد ذاته، بل تحوّله إلى اختبار دائم لمصداقية التحالفات والتوازنات العسكرية بين الصين والولايات المتحدة وحلفائهما. فكل حادث قرب شعاب مرجانية أو سفينة إمداد قد يحمل تداعيات تتجاوز أطرافه المباشرين، وتضغط على (آسيان) للاختيار بين منطق القوة ومنطق القواعد.
فإدارة المنطقة البحرية على نحو مستدام تتطلب من مانيلا موازنة مقتضيات الأمن مع مصالح التنمية والعلاقات الاقتصادية، ومن اليابان حصر تعاونها ضمن أطر دفاعية شفافة لا تؤجج الاستقطاب، ومن الصين اقتران تأكيدها السيادي بضمانات عملية لتقليل المخاطر، ومن (آسيان) تحويل الحوار والمساواة القانونية إلى مدونة قواعد سلوك قابلة للتنفيذ.
عندها فقط يمكن أن ينتقل بحر جنوب الصين من ساحة “توتر مُسيطر عليه” إلى نموذج عملي لاختبار قدرة آسيا على بناء أمنها عبر القواعد، وليس عبر المواجهة.
