مقال في الغارديان: قوى متوسطة تعيد تشكيل تحالفاتها في مواجهة تراجع الدور الأمريكي

نشرت صحيفة “الغارديان” مقالًا لمحرر الشؤون الدبلوماسية باتريك وينتور، تناول فيه التحولات المتسارعة في النظام الدولي، مع توجه قوى متوسطة إلى بناء تحالفات دبلوماسية وعسكرية وتجارية جديدة، في ظل ما وصفه بتزايد المخاوف من سياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وعدم القدرة على التنبؤ بتحركاته.
ورأى وينتور أن ترامب، في حال تعرضه لانتكاسة كبيرة في انتخابات التجديد النصفي، قد يواجه كونغرس يسيطر عليه الديمقراطيون، ما قد يحد من قدرته على تنفيذ أجندته الداخلية، لكنه سيقاوم بشدة أي تراجع في نفوذه السياسي.
وأشار إلى أن رؤساء أمريكيين سابقين اتخذوا قرارات خارجية بارزة في المراحل الأخيرة من ولاياتهم، مستشهدًا بجورج دبليو بوش واستراتيجيته في العراق، وبيل كلينتون وإدخال الصين إلى منظمة التجارة العالمية، ورونالد ريغان ودوره في إنهاء الحرب الباردة.
وبحسب وينتور، يتوقع مراقبون، بينهم وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة هيلاري كلينتون ووزير الخارجية البريطاني السابق ديفيد لامي، أن يركز ترامب بصورة أكبر على سياسته الخارجية بعد انتخابات التجديد النصفي في تشرين الثاني/نوفمبر، خصوصًا إذا أدى الجمود التشريعي في الكونغرس إلى عرقلة مبادراته الداخلية.
وأضاف أن شخصيات مثل الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، الذي يشارك هذا الأسبوع في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة للمرة الأخيرة في منصبه، سعت إلى إقناع ترامب بأن واشنطن يمكن أن تحقق مكاسب أكبر من خلال العمل مع حلفائها بدلًا من التحرك منفردة، إلا أن هذه الدعوات لا تبدو مرشحة لتغيير نهجه.
المظلة الأمريكية
وقال وينتور إن خيبة الأمل من عودة عالم مستقر يقوم على قواعد وقيم مشتركة تدفع دولًا عدة إلى بناء شبكات من التحالفات بهدف التحوط من المخاطر وتقليل الاعتماد على الولايات المتحدة.
ونقل عن جون بيو، الذي عمل مستشارًا للسياسة الخارجية لأربعة رؤساء وزراء بريطانيين سابقين، وصفه هذه العملية بأنها تشكل “نظامًا دوليًا دون عتبة المواجهة المباشرة”.
وأشار إلى تنامي التحالفات التي لا تشارك فيها واشنطن، من مجموعة “بريكس” إلى منظمة شنغهاي للتعاون، في وقت تركز فيه التكتلات التي تقودها الولايات المتحدة، مثل مجموعة السبع وحلف الناتو، على كيفية التعامل مع احتمال تراجع الالتزام الأمريكي.
وقال مارك ليونارد، مدير المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، إن العالم ينتقل من مرحلة كانت الدول تسعى فيها إلى الاندماج ضمن نظام التحالفات وضمان التوافق مع الاستراتيجية الأمريكية، إلى مرحلة أصبح هدفها الرئيسي التحوط من المخاطر وضمان القدرة على الدفاع عن النفس في حال غياب الولايات المتحدة.
ترتيبات أمنية جديدة
وأشار وينتور إلى أن أبرز مظاهر هذا التحول ظهر في الشرق الأوسط في 7 آب/أغسطس، عندما وقعت تركيا وباكستان والسعودية “ميثاق مكة”، وهو اتفاق دفاعي عسكري يرى بعض المراقبين أنه قد يقلل اعتماد دول المنطقة على المظلة الأمريكية، بينما يعتبره آخرون وسيلة لمواجهة إيران.
ونقل عن تريتا بارسي، من معهد “كوينسي لفن الحكم المسؤول”، قوله إن دول الخليج قد تشعر بدرجة كبيرة من الهشاشة الأمنية بعدما اعتمدت طويلًا على الولايات المتحدة، معتبرًا أن الحرب أظهرت أن وجود القواعد الأمريكية لم يكن بالضرورة عامل ردع، بل ربما جعلها أهدافًا للمخاطر.
وأضاف بارسي أن دول الخليج رأت أيضًا أن الولايات المتحدة كانت مستعدة للسماح لإسرائيل باستهداف الدوحة في محاولة لاغتيال قيادات في حركة حماس، ما غيّر حساباتها بشأن طبيعة التهديدات التي تواجه المنطقة.
وفي المقابل، تؤكد واشنطن أنها ستعيد الاستثمار في قواعد عسكرية أكثر تحصينًا، وأنها ستقدم رؤية لمرحلة ما بعد الحرب تظل فيها الولايات المتحدة عنصرًا أساسيًا في أمن الخليج.
لكن المتحدث باسم الخارجية القطرية ماجد الأنصاري قال إن دول الخليج لا تستطيع الاعتماد بصورة كاملة على الولايات المتحدة والتحالفات الدولية الأخرى لضمان أمنها، مضيفًا أن “الاعتماد على الذات في المجال الأمني هو السبيل الوحيد للمضي قدمًا”.
ويرى بارسي أن مستقبل الاتفاق لا يزال غير واضح، متسائلًا عما إذا كان سيؤدي إلى تشكيل كتلة جديدة تزيد الانقسام والمواجهة، أم سيكون تكتلًا مفتوحًا يقوم على الأمن الجماعي ولا يستهدف طرفًا بعينه.
ويربط المقال هذه التحولات بالحسابات الاقتصادية للسعودية، مشيرًا إلى أن “رؤية السعودية 2030” تتطلب جذب الاستثمارات وتنشيط السياحة والحفاظ على أمن طرق الطاقة، فيما تمثل الحروب المستمرة عبئًا على هذه الأهداف.
وتنعكس التطورات أيضًا على الهند، التي تعتمد على الشرق الأوسط لتأمين نسبة كبيرة من احتياجاتها من الطاقة، ما قد يدفعها إلى بناء ترتيبات أمنية خاصة بها في المنطقة.
معادلة جديدة
وأشار وينتور إلى تصاعد الدعوات في أوروبا إلى “أوروبة” حلف الناتو وتعزيز الدور الأوروبي داخله، في ظل المخاوف من خطوات ترامب المقبلة، بما في ذلك تهديداته المتعلقة بغرينلاند.
وفي كندا، تبدو المعضلة أكثر وضوحًا في ظل الحرب التجارية مع الولايات المتحدة، بينما طرح رئيس الوزراء مارك كارني فكرة توسيع العلاقات مع الاتحاد الأوروبي بما يتجاوز التعاون الاقتصادي إلى تقارب أوسع في القيم والمصالح.
ولا تقتصر التحولات على أوروبا والشرق الأوسط، إذ يرى وينتور أن كوريا الجنوبية تجد نفسها أمام معضلة مشابهة، بعد تقليص واشنطن نطاق مناورات “درع حرية أولتشي” قبيل موعدها في آب/أغسطس، ما أسهم في تصاعد النقاش في كوريا الجنوبية واليابان بشأن إمكانية تطوير قدرات نووية مستقلة، في ظل استمرار البرنامج النووي لكوريا الشمالية.
ويرى المقال أن هذه التطورات منحت الصين فرصة لتعزيز صورتها كشريك أكثر موثوقية في آسيا، فيما يتمسك متفائلون، مثل كيرت كامبل، بإمكانية إصلاح التحالفات الأمريكية.
لكن وينتور أشار إلى وجهة نظر مغايرة ترى أن تغيرًا جوهريًا وقع بالفعل، وأن التجارب الأخيرة جعلت استعادة النظام القديم للعلاقات عبر الأطلسي أكثر صعوبة، مع بدء تشكل واقع دولي أقل قابلية للتنبؤ وأكثر تشرذمًا.
