الجمعية العامة للأمم المتحدة تعقد دورتها الـ81 تحت وطأة الحروب والانقسام الدولي

تعقد الجمعية العامة للأمم المتحدة، اليوم الثلاثاء، دورتها الـ81 رفيعة المستوى هذا العام تحت شعار “استعادة الثقة، وإدارة التحول: أمم متحدة في خدمة الجميع”. وسيعتلي قادة العالم المنصة، متحدثين في الغالب إلى نوعين من الجماهير، وموجهين إليهما رسائل مختلفة أو متقاطعة، بعضها داخلي لمواطنيهم وبعضها الآخر خارجي لبقية العالم.
ولعل الشعار الذي يجتمع حوله قادة العالم هو نفسه الذي يكشف الفجوة بين المواقف والتطلعات، أي “استعادة الثقة” و”أمم متحدة في خدمة الجميع”، إذ يشعر كثير من المراقبين بأن الاستقطاب في مواقف الدول، ولا سيما ذات النفوذ منها، وصل إلى مستويات تجعل تحقيق ذلك الهدف صعباً، فضلاً عن استعادة الثقة في زمن يتقاعس فيه مجلس الأمن الدولي عن وقف الفظائع التي تحدث حول العالم، بما فيها فلسطين والسودان وأوكرانيا. بل إن الأمر يصبح مصدراً للقلق عندما نرى أن دولاً كثيرة، ولا سيما دائمة العضوية في مجلس الأمن، مثل الولايات المتحدة وروسيا، تدعم الجرائم في تلك الحروب أو ترتكبها من دون محاسبة، في ظل عجز المجلس عن اتخاذ خطوات نتيجة استخدامهما المتبادل للفيتو دعماً لهذا الفريق أو ذاك أو ضده.
لكن الملفات العالقة كثيرة، ولم تعد مجرد نزاعات في أماكن بعيدة، مثل الحروب في غزة والسودان وإيران واليمن، بل إن أزمتي مضيق هرمز وباب المندب تؤثران في الداخل الأميركي اقتصادياً على نحو يصعب على الرئيس الأميركي دونالد ترامب وغيره تجاهله، إذ ارتفع سعر الديزل في الولايات المتحدة ووصل إلى أعلى مستوى له على الإطلاق. كما يزداد القلق بشأن الذكاء الاصطناعي، في ظل تعنت الرئاسة الأميركية وعدم رغبتها في كبح جماح هذه التكنولوجيا التي قد تخرج عن السيطرة، وهو ما حذر منه مختصون في الأمم المتحدة.
ولكن ما الذي سيحمله هؤلاء القادة إلى العالم في خطاباتهم؟ وهي خطابات لا ينظر إليها عموماً على أنها “مجرد خطابات”، بل مفاتيح لفهم رؤيتهم للمستقبل وموقعهم في الاستقطابات الدولية.
ويبدأ اليوم الأول لتلك الخطابات اليوم الثلاثاء، إذ سيشهد عدداً من الكلمات المهمة دولياً وعربياً. وعلى المستوى الدولي، لعل أبرزها خطابات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ورئيس البرازيل، والأمين العام للأمم المتحدة، إلى جانب قادة فرنسا وبريطانيا.
أما عربياً وإقليمياً، فسيتحدث قادة الأردن وقطر وتركيا. ومن المتوقع أن يركز قادة الدول الثلاث على الوضع في الشرق الأوسط، بما في ذلك الأوضاع في الأراضي الفلسطينية المحتلة والسودان وإيران واليمن، فضلاً عن هموم وتحديات أخرى تتعلق بالطاقة والمناخ والذكاء الاصطناعي.
وسيتحدث الرئيس الأميركي إلى العالم، الثلاثاء، في حدود الساعة العاشرة صباحاً بتوقيت نيويورك، الخامسة مساءً بتوقيت المنطقة. وتأتي كلمة ترامب في اليوم نفسه الذي سيُعقد فيه الاجتماع الدولي الرفيع المستوى، الذي تنظمه فرنسا والمملكة المتحدة وكندا، بشأن حل الدولتين وخطة السلام الشاملة لغزة. ومن المقرر أيضاً أن يلتقي ترامب قادة الدول الست الأعضاء في مجلس التعاون لدول الخليج العربي، وهي البحرين والكويت وعُمان وقطر والسعودية والإمارات، لمناقشة الجهود الدبلوماسية المرتبطة بالحرب مع إيران.
وسيلتقي ترامب عمدة نيويورك زهران ممداني، ومن المتوقع أن تتركز محادثاتهما على شؤون داخلية، كما أنه سيلتقي الرئيسين الأوكراني فولوديمير زيلينسكي والفرنسي إيمانويل ماكرون. وبحسب ما أعلنته الخارجية الفرنسية، فإن اللقاء مع ماكرون سيركز على أوكرانيا. لكن هناك كثيراً من التكهنات والقضايا التي ستستحوذ على المناقشات خلف الأبواب، ولا سيما الملف الإيراني وتداعياته.
منظمة “هيومن رايتس ووتش”، حذرت من الضغوط التي يتعرض لها النظام الدولي. ويقول مدير شؤون الأمم المتحدة في المنظمة لويس شاربونو، إن “الأمم المتحدة وغيرها من المنظمات الدولية التي أُنشئت لحماية حقوق الإنسان تتعرض لهجوم من دول كانت قد تعهدت بالدفاع عنها. وينبغي لجميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة أن تدين محاولات الولايات المتحدة وروسيا والصين ودول أخرى تفكيك منظومة حقوق الإنسان الدولية، وتدمير سبل المساءلة عن الانتهاكات”.
كما تدعو “هيومن رايتس ووتش” قادة العالم إلى المطالبة بالمساءلة عن الفظائع والانتهاكات المستمرة لحقوق الإنسان. وتدعو المنظمة الدول إلى العمل معاً لمواجهة ما وصفته بـ”التصعيد المستمر للهجوم على حقوق الإنسان في أنحاء العالم، بما في ذلك في ديمقراطيات راسخة مثل الولايات المتحدة ودول أوروبية، وكذلك مواجهة الضغوط على القوانين والمؤسسات الدولية التي أُنشئت لتعزيز هذه الحقوق وحمايتها”.
في المقابل، تضاعف الولايات المتحدة ضغوطها على المؤسسات الدولية، إذ أعلنت حملة تهدف إلى “تفكيك” المحكمة الجنائية الدولية، في وقت تسعى إدارة ترامب إلى حماية مسؤولين أميركيين وإسرائيليين من تدقيق المحكمة. وكانت المحكمة قد أصدرت، عام 2024، مذكرتي توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الأمن السابق يوآف غالانت، على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في غزة.
لكن نتنياهو سيأتي إلى نيويورك ويعتلي المنصة ويخاطب العالم في ظل حماية أميركية كاملة، في الوقت الذي تمنع فيه واشنطن رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس من الحضور، برفضها منحه تأشيرة دخول إلى الولايات المتحدة للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة، وذلك للعام الثاني على التوالي، رغم تعارض ذلك مع الاتفاقيات المبرمة بين الأمم المتحدة والولايات المتحدة، بوصفها الدولة المضيفة للمقر الرئيسي للمنظمة.
