مزاعم إسرائيلية: أموال قطرية شكلت جزءا كبيرا من ميزانية حماس العسكرية

زعمت وثائق استخباراتية وشهادات مسؤولين أمنيين إسرائيليين عن أن تحويلات مالية قطرية إلى قطاع غزة كانت موضع تحذيرات متكررة منذ عام 2018، بعدما خلصت تقديرات أمنية إلى أن جزءًا من هذه الأموال وجد طريقه إلى الجناح العسكري لحركة حماس، فيما زعمت تقديرات استخباراتية إلى أن التمويل القطري شكل في فترات معينة نحو 40 إلى 50 بالمئة من ميزانية الجناح العسكري للحركة.
ووفق ما نشرته صحيفة “يديعوت أحرونوت”، استنادًا إلى وثائق داخلية وشهادات لمسؤولين كبار، فقد أشارت تقديرات استخباراتية إلى أن التمويل القطري ربما شكل خلال فترات معينة نحو 40 إلى 50 بالمئة من ميزانية الجناح العسكري لحماس.
وقالت “يديعوت أحرونوت” إن التحذيرات، وفق الوثائق والشهادات التي استندت إليها، لم تصدر عن أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية وحدها، وإنما وصلت أيضًا من الجانب المصري، بينما زعمت مصادر استخباراتية أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تلقى معلومات بشأن وصول جزء من الأموال إلى أغراض عسكرية، لكنه واصل دعم آلية التمويل القطرية، التي قُدمت رسميًا باعتبارها وسيلة لتقديم مساعدات إنسانية إلى سكان قطاع غزة والحفاظ على الهدوء.
وبحسب الرواية التي أوردتها الصحيفة، تعود القضية إلى السنوات التي بدأت فيها قطر ضخ ملايين الدولارات إلى قطاع غزة، بعد توقف السلطة الفلسطينية عن تمويل أجزاء من احتياجات القطاع. وكانت الأموال، وفق الآلية المعلنة في ذلك الوقت، مخصصة للمساعدات الإنسانية ورواتب الموظفين وتمويل الوقود، إلا أن الصحيفة زعمت أن تقديرات استخباراتية إسرائيلية تحدثت عن مسار آخر استخدمت من خلاله حماس جزءًا من الأموال لتعزيز قدراتها العسكرية.
ونقلت “يديعوت أحرونوت” عن أحد كبار ضباط شعبة الاستخبارات العسكرية، الذي قالت إنه أدلى بشهادته أمام مراقب الدولة، أن تحويلات شهرية بلغت في فترات معينة نحو 4 ملايين دولار من الأموال القطرية ربما وصلت إلى الجناح العسكري لحماس.
وبحسب الشهادة التي نقلتها الصحيفة، تراوحت ميزانية الجناح العسكري لحماس في تلك الفترة بين 70 و100 مليون ريال قطري سنويًا، وهو ما قالت الصحيفة إنه يعني أن الأموال التي يُزعم تحويلها من المنحة القطرية شكلت نسبة كبيرة من إجمالي الميزانية.
ووفق وثائق قالت “يديعوت أحرونوت” إنها اطلعت عليها، قدرت إحدى التقييمات الاستخباراتية أن الأموال القطرية شكلت نحو 40 بالمئة من ميزانية الجناح العسكري، بينما أشارت تقديرات أخرى إلى احتمال وصول النسبة إلى نحو 50 بالمئة، وذلك بحسب حجم الميزانية خلال الفترة التي جرى احتسابها.
وزعمت الصحيفة أن التمويل لم يكن مقتصرًا على الأموال التي كانت تدخل القطاع عبر الآلية المعروفة باسم المنحة القطرية، مشيرة إلى شهادات تحدثت عن وجود قناة أخرى سرية لتحويل أموال إضافية إلى الجناح العسكري لحماس.
وقالت الصحيفة إن الاستخبارات الإسرائيلية أطلقت على هذه القناة اسمًا رمزيًا، استخدمته في المادة الصحفية تحت مسمى “عين النمر”، وزعمت أنها كانت تتيح تحويل أموال إضافية بصورة مباشرة إلى الجناح العسكري.
وبحسب الشهادة التي نقلتها “يديعوت أحرونوت”، كانت أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، وفق الرواية الواردة في التحقيق، على علم بهذه القناة، وقدرت أن الأموال التي وصلت عبرها، إلى جانب تحويلات أخرى، ربما تجاوزت 100 مليون دولار وفق أحد التقديرات، بينما تحدث تقدير آخر عن احتمال وصول إجمالي الأموال إلى عدة مئات من ملايين الدولارات.
وأشارت الصحيفة إلى أن جهاز الأمن العام الإسرائيلي “الشاباك” كان، وفق شهادات نقلتها، يعارض منذ البداية استمرار تحويل الأموال القطرية إلى قطاع غزة، وزعمت أن رئيس الجهاز السابق نداف أرغمان حذر من تداعيات هذه السياسة.
كما نقلت “يديعوت أحرونوت” عن رئيس “الشاباك” السابق رونين بار قوله إن الجهاز أبلغ المستوى السياسي والأمني، على مدار سنوات، بأن الأموال القطرية التي كان يفترض تخصيصها للاحتياجات المدنية وإعادة الإعمار كانت، بحسب تقدير الجهاز، تعزز قوة حماس وتجد طريقها إلى تمويل أنشطتها العسكرية.
وفي رد مكتوب نقلته الصحيفة، قال بار إن “الشاباك” عارض على مدار السنوات تحويل الأموال من قطر إلى قطاع غزة، وإن الجهاز، بعد موافقة المستوى السياسي على استمرار التحويلات، اقترح آليات للحد من المخاطر وقدم بدائل بشأن طريقة نقل الأموال.
وبحسب ما أوردته “يديعوت أحرونوت”، أكد بار أن “الشاباك” قدم لصناع القرار ما اعتبره أدلة على وصول الأموال بصورة غير مباشرة إلى الجناح العسكري، مشيرًا إلى أن التحذيرات، وفق روايته، لم تكن مرتبطة فقط باحتمال استخدام الأموال في المجال العسكري، وإنما شملت أيضًا مخاطر سياسية واستراتيجية، من بينها تعزيز نفوذ قطر وإيران على حساب الدور المصري في قطاع غزة.
وقالت الصحيفة إن تحذيرات مماثلة وصلت، بحسب مصادر استخباراتية نقلت عنها، من القاهرة. ونقلت عن مصدر استخباراتي قوله إن وثيقة مصرية قُدمت إلى نتنياهو عام 2018 حذرت، وفق ما ورد فيها، من أن أموالًا قادمة من قطر وتركيا وإيران كانت تُحوّل مباشرة إلى الجناح العسكري لحماس، وليس استخدامها للأغراض المدنية فقط كما كان معلنًا.
وبحسب التحقيق الذي نشرته “يديعوت أحرونوت”، لم تكن قضية تحويل الأموال مجهولة بالنسبة إلى المؤسسة الاستخباراتية الإسرائيلية، إذ نقلت الصحيفة عن أحد كبار ضباط قسم الأبحاث قوله إن التقدير داخل أجهزة الاستخبارات كان يقوم على أن حماس، في حال تعرض جناحها العسكري لأزمة مالية، قد تعمل على نقل الأموال من خزائن الحكومة التي تديرها الحركة إلى خزائن جناحها العسكري.
وزعمت الصحيفة أن وثائق استخباراتية بدأت، منذ فبراير/شباط 2019، تتحدث بصورة متكررة عن تحويل حماس أموالًا من الحكومة إلى الجناح العسكري، مشيرة إلى أن التقييم الاستخباراتي في ذلك الوقت ربط مصدر هذه الأموال بالمنحة القطرية.
وأوضحت “يديعوت أحرونوت” أن بعض الوثائق التي استندت إليها تشير إلى أن عملية تحويل الأموال ربما بدأت في وقت مبكر من عام 2018، واستمرت خلال الفترة بين 2019 و2021، قبل أن تتوقف مؤقتًا في أعقاب عملية “حارس الأسوار”.
وقالت الصحيفة إن تقارير استخباراتية استخدمت اسمًا رمزيًا لهذه التحويلات، وفقًا للشهادة التي قدمها الضابط أمام مراقب الدولة.
وتطرقت المادة إلى طبيعة المنحة القطرية نفسها، مشيرة إلى أن قيمتها بلغت عام 2018 نحو 30 مليون دولار شهريًا، وكانت موزعة، وفق الآلية المعلنة، بين مساعدات للأسر المحتاجة وأموال للموظفين وتمويل للوقود.
وبحسب ما أوردته الصحيفة، كانت نحو 10 ملايين دولار من المنحة مخصصة للأسر المحتاجة، بواقع 100 دولار للعائلة شهريًا، عبر آلية مرتبطة بالأمم المتحدة، فيما خصصت مبالغ أخرى للموظفين والوقود.
لكن “يديعوت أحرونوت” زعمت أن هذه البنود المدنية لم تكن تمثل كامل مسار الأموال، مشيرة إلى شهادة قالت إن هناك مسارًا منفصلًا وسريًا لتحويل أموال إلى الجناح العسكري لحماس.
ونقلت الصحيفة عن الضابط نفسه قوله إن هذه القناة كانت مختلفة عن عملية نقل الأموال التي كان يديرها يحيى السنوار من داخل حكومة حماس، زاعمًا أن المسار الآخر كان يذهب مباشرة إلى الجناح العسكري.
وقالت “يديعوت أحرونوت” إن السؤال الذي تطرحه الوثائق والشهادات التي نشرتها لا يتعلق فقط بما كانت تعرفه أجهزة الاستخبارات، وإنما أيضًا بما إذا كانت المعلومات المتعلقة بتحويل الأموال وصلت إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي وما الذي فعله حيالها.
وبحسب مصادر استخباراتية رفيعة نقلت عنها الصحيفة، كان نتنياهو، وفق هذه الرواية، على علم بجزء كبير من المعلومات المتعلقة بتحويل الأموال.
ونقلت الصحيفة عن أحد المسؤولين قوله إن المعلومات المتعلقة بتحويل الأموال كانت موثقة وإنها أُبلغت إلى رئيس الوزراء، لكنه، بحسب المصدر، لم يغير سياسته واستمر في دعم آلية التمويل القطرية.
وأشارت “يديعوت أحرونوت” إلى وجود إجراء يعرف داخل المؤسسة الأمنية باسم “استفسار رئيس الوزراء”، وقالت إنه يُستخدم عندما يطلب رئيس الوزراء توضيحات استخباراتية إضافية بشأن قضية معينة.
ووفق الوثائق التي قالت الصحيفة إنها اطلعت عليها، جرى في آب / أغسطس 2020 إعداد مراجعة استخباراتية خاصة تناولت مسألة تحويل الأموال، وذلك ردًا على استفسار صادر عن مكتب نتنياهو.
وقالت الصحيفة إن وجود مثل هذا الاستفسار يشير، بحسب تفسيرها للوثائق، إلى أن قضية تحويل الأموال كانت قد وصلت إلى مستوى سياسي رفيع، وإن رئيس الوزراء طلب معلومات إضافية بشأنها قبل أن يتلقى ردًا من الجهات الاستخباراتية المختصة.
ونقلت “يديعوت أحرونوت” عن مسؤول استخباراتي رفيع قالت إنه مطلع على القضية، أن نتنياهو تلقى تحذيرات من “الشاباك” بشأن تحويل الأموال إلى الجناح العسكري، كما أُبلغ لاحقًا، وفق المصدر، من قبل شعبة الاستخبارات العسكرية.
كما نقلت الصحيفة عن مصدر آخر أن رئيس “الشاباك” السابق نداف أرغمان عارض بصورة صريحة سياسة تحويل الأموال القطرية، واعتبرها، بحسب المصدر، خطأً استراتيجيًا لأنها تضعف السلطة الفلسطينية وتضر بمكانة مصر في إدارة الترتيبات الأمنية في قطاع غزة.
وفي المقابل، عرض نتنياهو، وفق ما أوردته الصحيفة، تفسيرًا مختلفًا للسياسة المتبعة، إذ قدم تحويل الأموال باعتباره وسيلة للحيلولة دون حدوث أزمة إنسانية والحفاظ على الهدوء في جنوب إسرائيل.
وأشارت “يديعوت أحرونوت” إلى أن نتنياهو قال في نوفمبر/تشرين الثاني 2018، مع بدء تدفق الأموال القطرية، إن الخطوة تهدف إلى منع أزمة إنسانية وإعادة الهدوء إلى المنطقة، مؤكدًا في ذلك الوقت أن الإجراءات تمت بموافقة المسؤولين الأمنيين وأعضاء الحكومة.
وفي مرحلة لاحقة، ربط نتنياهو السياسة القطرية، بحسب ما نقلته الصحيفة، باستراتيجية تهدف إلى الفصل بين قطاع غزة والضفة الغربية وإضعاف السلطة الفلسطينية.
لكن الصحيفة قالت إن رواية نتنياهو بشأن أهمية الأموال القطرية تغيرت بعد هجوم السابع من تشرين الأول / أكتوبر.
ففي مؤتمر صحفي عام 2025، قال نتنياهو، بحسب ما أوردته “يديعوت أحرونوت”، إن الأموال التي وصلت من قطر لم تكن عاملًا مهمًا في هجوم حماس، وإن الجزء الأكبر من تمويل الحركة جاء من مصادر أخرى، مضيفًا أن الأموال القطرية استخدمت، وفق روايته، لشراء احتياجات أساسية مثل الغذاء والكهرباء والصرف الصحي.
وفي تصريحات لاحقة، قلل نتنياهو من حجم الأموال القطرية مقارنة بإجمالي الأموال التي وصلت إلى قطاع غزة، وقال في مقابلة حديثة، وفق ما نقلته الصحيفة، إن نسبتها لا تتجاوز 1بالمئة.
وأشارت “يديعوت أحرونوت” إلى أن نتنياهو كرر في وثيقة أعدها، مكونة من 55 صفحة، أن المنحة القطرية لم توجه “مباشرة” إلى الإرهاب، لافتة إلى أن استخدام كلمة “مباشرة” أصبح محورًا أساسيًا في تفسير روايته الجديدة بشأن الأموال.
وبحسب الصحيفة، يقر نتنياهو في الوثيقة بوجود تحويلات من ميزانية حكومة حماس إلى الجناح العسكري، لكنه يصفها بأنها محدودة ولا تتجاوز، وفق تقديره، 1 بالمئة من إجمالي الأموال التي دخلت إلى قطاع غزة.
وفي المقابل، قالت “يديعوت أحرونوت” إن الوثائق والشهادات التي استندت إليها تقدم رواية مختلفة، إذ تزعم أن الأجهزة الأمنية كانت تقدر أن التحويلات لم تكن هامشية، وأنها شكلت خلال فترات معينة جزءًا كبيرًا من ميزانية الجناح العسكري لحماس.
كما أشارت الصحيفة إلى أن وزير الأمن الإسرائيلي السابق أفيغدور ليبرمان عارض تحويل الأموال القطرية واستقال من منصبه في سياق الخلاف بشأن هذه السياسة، وقالت إن هذه الجزئية لم ترد، بحسبها، في الوثيقة التي أعدها نتنياهو لعرض روايته للأحداث.
وفي رده بشأن القضية، قال رونين بار، وفق ما نقلته الصحيفة، إن “الشاباك” قدم على مدار سنوات تحذيرات إلى المستويات السياسية والأمنية من أن الأموال القطرية تقوي حماس، وإنها، بحسب تقدير الجهاز، لم تكن مقتصرة على الاحتياجات المدنية.
وبحسب ما أوردته “يديعوت أحرونوت”، كانت الأجهزة الأمنية الإسرائيلية تتعامل مع القضية ضمن إطار أوسع لمواجهة مصادر تمويل حماس، وهي الجهود التي قالت الصحيفة إنها عُرفت داخل الاستخبارات باسم “صندوق الأموال”.
وأضافت الصحيفة أن الأولوية العملياتية في تلك الفترة ظلت تتركز على منع الحركة من بناء قدراتها العسكرية المباشرة، بينما جاءت مواجهة مصادر التمويل في مرتبة أدنى، وفق الرواية التي قدمتها.
وقالت “يديعوت أحرونوت” إن هذا النهج تغير بصورة كبيرة بعد هجوم السابع من أكتوبر، عندما تحولت الحملة الاقتصادية ضد حماس، بحسبها، من محاولة تعطيل مصادر التمويل إلى استهدافها بصورة مباشرة، بما شمل ضرب صرافين وخزائن تابعة للحركة، والعمل على تجفيف قنوات الاستثمار والأموال الرقمية.
وفي هذا السياق، نقلت الصحيفة عن مسؤول استخباراتي رفيع قوله إن الأجهزة الأمنية كانت تملك، بحسب روايته، أدلة على تحويل الأموال إلى الجناح العسكري، وإن هذه المعلومات وصلت إلى رئيس الوزراء، لكنه لم يوقف السياسة المتبعة.
في المقابل، رفض مكتب نتنياهو ما ورد في التحقيق الصحفي، ووصفه بأنه “مجموعة من الأكاذيب المعاد تدويرها”، وقال إن هذه الادعاءات سبق دحضها، وإن طرحها في هذا التوقيت يهدف، بحسب المكتب، إلى إخفاء الحقيقة عن الرأي العام قبل الانتخابات.
وأكد مكتب رئيس الوزراء، وفق ما أوردته “يديعوت أحرونوت”، أن جميع قادة المؤسسة الأمنية أيدوا المنحة القطرية، وأنها كانت مخصصة للاحتياجات المدنية والإنسانية، معتبرًا أن استلامها ساهم في الحفاظ على الهدوء في قطاع غزة.
وأضاف المكتب أن نتنياهو أمر بوقف المنحة القطرية خلال عملية “حارس الأسوار”، وأن حكومة نفتالي بينيت ويائير لابيد أعادت العمل بها لاحقًا.
وشدد مكتب نتنياهو، في رده الذي نقلته الصحيفة، على أن رئيس الوزراء دعم العمليات الهجومية في غزة بصورة منتظمة، وأنه لم يقيد عمل المؤسسة الأمنية.
