أخبار وتقاريرمقالاتومضات

أدب النقد في مجتمعنا.. علامة صحة لا علامة مرض

الشيخ رائد صلاح

طريقنا طويلة والأحداث فيها كثيرة ومستديمة ومستجدة، والمطلوب فيها الاجتهاد الراشد الذي يدور مع ثوابتنا الإسلامية العروبية الفلسطينية في كل مسألة وموقف وقضية، وخاصة من كل مسؤول منا، بغض النظر عن اسمه وعن نوعية مسئوليته ووزنها ومساحة تأثيرها. وقد يصيب هذا المسؤول إذا اجتهد، وقد يخطئ، وقد يصيب في اجتهاد ويخطئ في عشرة اجتهادات، ويبقى معذورًا إذا ظل في كل اجتهاداته يدور مع ثوابتنا الإسلامية العروبية الفلسطينية سواء أصاب أو أخطأ. ولكن إذا اجتهد بعيدًا عن هذه الثوابت مخالفًا لها فهو لم يجتهد، بل انحرف، والفرق كبير بين الاجتهاد والانحراف، ولكن سواء صدر عن هذا المسؤول أو ذاك اجتهاد خاطئ أو انحراف، فمن حق جماهيرنا في الداخل أن تقول له أخطأت بأدب لا تكفير فيه ولا تخوين ولا تجريح، وفي المقابل هو مطالب أن يصغي لهذه الجماهير في كل مرة قالت له فيها أخطأت حتى لو قالت له ألف مرة، ولذلك هو مسؤول، وما سمي المسؤول بهذا الاسم (مسؤول)، إلا لأنه يُساءل على كل قول منه وعمل وموقف وتصريح، وإذا رفض أن يُساءل، فقد فقدَ صفة المسؤولية وبات واحدًا كأي واحد من جماهيرنا.

وهذه الجدلية في العلاقة بين جماهيرنا وكل مسؤول فينا يجب أن تبقى قائمة ودائمة ما شاء الله تعالى على اعتبار أنها مصدر قوة لا مصدر ضعف لهذه الجماهير ولهذا المسؤول، وعلى اعتبار أن غايتها النقد لا الحقد، والتصحيح لا التجريح، والتوجيه لا التسفيه. وإلا لو ألغيت هذه الجدلية في العلاقة بين جماهيرنا وكل مسؤول فينا، لتحكمت في مسيرة مجتمعنا المسؤولية الفرعونية كما قال القرآن الكريم: “ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد” (29 سورة غافر)، وهي المسؤولية الكارثية على جماهيرنا، لأنها تجعل منها جماهير سطحية تميل مع ريح المسؤول حيث مالت، وتقوم معه إذا قام، وتقعد معه إذا قعد، وتعطس معه إذا عطس، وتقبح ما قبّح، وتحسن ما حسّن، وتكذب ما كذّب، وتخون ما خوّن، وتصفق له في كل موقف حتى لو ناقض موقفه الثاني موقفه الأول، وحتى لو خرج عن أصول المسؤولية التي حددها لنفسه، وحتى لو ضرب بعرض الحائط ما هو معلوم من الثوابت الإسلامية العروبية الفلسطينية بالضرورة.

فيا ويل هذه الجماهير إذا رضيت لنفسها أن تواصل هتافها للمسؤول صارخة من قحف قلبها يعيش، يعيش، يعيش، سواء أصاب أو أخطأ، وسواء استقام أو انحرف، وسواء بنى أو هدم. لأن هذه الجماهير يوم أن ترضى لنفسها ذلك فقد ألغت وجودها، وتنازلت عن عقولها، وتبرعت بدورها مجانًا، وأصبحت عددًا بلا عدة، ومظهرًا بلا جوهر، وجعجعة ولا طحنًا، وهو ما أربأ بنفسي وبكل مجتمعنا مع تعددياته الدينية والسياسية أن نرضى به.

وقديمًا أفرزت المسؤولية الفرعونية شعبًا كان حاله مع فرعون كما قال القرآن الكريم: “فاستخف قومه فأطاعوه” (54 سورة الزخرف). ألا يكفي مجتمعنا أن يستخف به المتآمرون ليلًا ونهارًا على تفكيكه وتصفيره وتسطيحه حتى يصبح لا مجتمع في حاضره، وصفرًا في قيمته، وتافهًا في سلوكه، ألا يكفي ذلك مصابًا لا قبل لمجتمعنا به إلا أن يعض بنواجذه على ثوابتا الإسلامية العروبية الفلسطينية، لذلك هي الكارثة أن ينبت فينا من هو من بني جلدتنا ومن مواليد مجتمعنا ومن ضمن من رضع من هذا المجتمع وعاش فيه ثم نما فيه طفلًا ثم شب فيه شابًا، ثم بلغ سن الرشد فيه، وإذ به يقلب لمجتمعه ظهر المجن، ويكاد أن يدّعي الشعور بالخجل لانتمائه لهذا المجتمع؟! والله هو العقوق، وهو نكران الجميل، وهو إضاعة الوفاء، وهو ما لا يعرفه حر ولا يصدر عن حر، ولا يرضى به حر، وهو الوصول بمجتمعنا وبمسؤوله، وبجدل العلاقة بين الجماهير والمسؤول إلى القاع، وهو ما لا يرضاه أحد منا لنفسه ولا لغيره، سواء كان من الجماهير أو من المسؤولين.

وهناك سؤال بدهي الإجابة، ومع ذلك بتنا مضطرين أن نسأله، ومفاد هذا السؤال كالتالي: هل فينا مسؤول معصوم لا يخطئ؟ الجواب: كل مسؤول فينا خطّاء وغير معصوم. وتبعًا لهذا السؤال يُسأل سؤال آخر: هل فينا مسؤول ملائكي لا يذنب؟ الجواب: كل مسؤول فينا أذنب وسيذنب. وتبعًا لهذا السؤال يُسأل سؤال ثالث: ما هو دواء الخطأ؟ وما هو دواء الذنب؟ الجواب: دواء خطأ المسؤول فينا أن يصغي لجماهيرنا حين تقول له أخطأت، ودواء ذنب المسؤول فينا أن يتوب إلى الله تعالى. وتبعًا لهذا السؤال يُسأل سؤال رابع: هل هناك مسؤول فينا علت منزلة مسؤوليته فوق منزلة مسؤولية أبي بكر الصديق رضي الله عنه؟ الجواب: من المستحيل وجود هذا المسؤول حتى قيام الساعة. ومع ذلك، ومع أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قد تولى الخلافة الراشدة كخليفة أول بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا أنه قال في بيانه الخلافي الأول: “أطيعوني ما أطعت الله، فإن عصيت الله فلا طاعة لي عليكم” ثم هذا الفاروق عمر رضي الله عنه حين تولى الخلافة الراشدة بعد موت أبي بكر الصديق رضي الله عنه، كان يرحب بالنقد والناقدين لدرجة أنه كان يقول: “رحم الله امرئ أهدى إلي عيوبي”. فهو في هذا القول دعا بالرحمة لكل ناقد له، وهو في هذا القول اعتبر أن من انتقده كأنه أهدى إليه هدية، وهو في هذا القول نزّه نفسه عن العصمة عن الخطأ وعن العصمة عن الذنب، فأين المسؤول فينا من الفاروق عمر رضي الله عنه؟

لا أظن أن هناك مسؤولًا فينا يظن نفسه أن منزلة مسؤوليته فوق منزلة مسؤولية الفاروق عمر رضي الله عنه، ولذلك أدعو دائمًا بالمغفرة والرحمة للمرحوم الشيخ عبد الله نمر درويش الذي شغل منصب رئيس الحركة الإسلامية في الداخل الفلسطيني على مدار عقود، ولكن لا يضيره ولا يعيبه إذا قيل عنه رحمه الله تعالى لم يكن معصومًا في مسؤوليته، وهذا يعني أنه قد أصاب وأخطأ، وأنا عبد فقير إلى الله، شغلت منصب رئيس الحركة الإسلامية في الداخل الفلسطيني (الجناح الشمالي) أقل من عقدين قبل حظرها إسرائيليًا، ولتقل عني جماهيرنا ما تقول، إلا أنه لا يضيرني ولا يعيبني أن يقال عني: ما كنت معصومًا في مسؤوليتي، وقد أصبت وأخطأت، وقد أذنبت، وأسأل الله تعالى أن أكون قد تبت.

وهذا الشيخ كمال خطيب شغل منصب نائب رئيس الحركة الإسلامية، “الجناح الشمالي” قبل حظرها إسرائيليًا، وهذا الشيخ إبراهيم عبد الله شغل منصب رئيس الحركة الإسلامية “الجناح الجنوبي”، وهذا الشيخ حماد أبو دعابس شغل منصب رئيس الحركة الإسلامية “الجناح الجنوبي”، وهذا الشيخ صفوت فريج يشغل الآن منصب رئيس الحركة الإسلامية “الجناح الجنوبي”.

ومهما مدح المادحون كل هذه الشخصيات، ومهما أثنوا عليها، ومهما عددوا مناقبها، إلا أنه لا يضيرها ولا يعيبها أن يقال عنها لم تكن معصومة في مسؤوليتها، وأن يقال عنها قد أصابت في مسؤوليتها وقد أخطأت، بل على العكس تمامًا، إنما يشرّف المشروع الإسلامي أن يبقى المسؤول فيه تحت مجهر النقد بأدب لا تكفير فيه ولا تخوين ولا تجريح، وأن يبقى المسؤول فيه عرضة للمحاسبة والمساءلة لدرجة أنه قد يقال له: لا سمعًا ولا طاعة حتى تصح حال مسؤوليته. ولماذا لا يقال له ذلك؟ وقد قيل ذلك يومًا من الأيام للفاروق عمر رضي الله عنه عندما كان هو الخليفة الراشد الثاني، حيث قال له الصحابي سلمان الفارسي رضي الله عنه: لا سمعًا ولا طاعة، عندما كان الفاروق عمر رضي الله عنه قد صعد المنبر ليخطب الجمعة، وكان قد قال: أيها الناس… والقصة معروفة للجميع، وفي ختامها بعد أن بيّن الفاروق عمر رضي الله عنه استقامة سلوكه، لا كما ظن الصحابي سلمان رضي الله عنه، عندها قال الصحابي سلمان رضي الله عنه: الآن سمعًا وطاعة. فيا للشرف الذي أضفاه كل من الخليفة عمر رضي الله عنه والصحابي سلمان رضي الله عنه على منزلة المسؤولية في المشروع الإسلامي.

ولعل مما أبهر الشعوب الأخرى بالإسلام في مرحلة امتداد المشروع الإسلامي في الشام والعراق وفارس وأفريقيا، حرية الكلمة التي كان يتمتع بها الفرد سواء كان رجلًا أو امرأة، مما كان يتيح لهذا الفرد أن ينتقد كل مسؤول في مسيرة المشروع الإسلامي سواء كان خليفة أو واليًا أو أميرًا أو راعيًا في أضيق حدود دائرة الرعاية تحت مبدأ “كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته”.

وأنا أدرك أننا في واقع شائك استفحلت فيه رياح الفتن والعنصرية والمطاردة، ومع ذلك لا غنى لنا عن ضرورة الحفاظ على جدلية العلاقة بين جماهيرنا والمسؤول فينا القائمة على حق الجماهير في مساءلة المسؤول، وعن واجبه أن يسمع لها حتى النهاية بلغة أدب متبادلة خالية من التكفير والتخوين والتجريح.

ثم أنا أدرك أننا الآن في خضم ترقب جماهيرنا لانتخابات الكنيست القادمة بتاريخ 27-10-2026، وهناك أكثر من رأي وموقف لمجتمعنا من هذه الانتخابات، وهناك أكثر من قائمة انتخابية ستخوض هذه الانتخابات، ومع ذلك، لا غنى لنا عن ضرورة الحفاظ على جدلية العلاقة هذه بين جماهيرنا والمسؤولين فينا، وذات يوم انتقد المرحوم عبد الحكيم مفيد في مقالة له أبا السعيد محمد بركة على خلفية مشاركة أبي السعيد في وفد إلى أوشفيتس، رغم قوة الصداقة التي تجمع بينهما، ويومها لم تقع السماء على الأرض، ولم تتحول الجبال إلى شظايا، ولم تغطّ البحار كل اليابسة، بل قرأ تلك المقالة من قرأها، وظلت قوة الصداقة تجمع بينهما حتى وفاة المرحوم عبد الحكيم مفيد.

ثم قبل أشهر كتبت مقالة بعنوان “معجم عزمي بشارة” فلقيني أحد الإخوة المسؤولين في حزب التجمع وقال لي مداعبًا: “مالك ولعزمي بشارة” فقلت له مداعبًا: “هل عزمي بشارة فوق النقد أو تحت النقد” فأجابني مداعبًا وقال لي: “بل تحت النقد”. ثم أكمل وقال: “سنبقى نحب بعضنا”، وهو أدب الحوار المطلوب في هذه الأيام.

ثمَّ قبل أسابيع كتبت مقالة بعنوان “ماذا وراء إعادة إصدار كتاب الخطاب السياسي المبتور لعزمي بشارة” اجتهدت أن أبرز في تلك المقالة بعض العثرات التي وقع فيها بشارة في ذاك الكتاب، ثم بعد نشر تلك المقالة رد عليّ الصديق عوض عبد الفتاح والصديق مهند مصطفى، فهو حقي أن أنتقد وهو حقهم أن يردوا على نقدي، ومن الواجب أن تبقى علاقة الصداقة بيننا قائمة لا تشوبها شائبة!!

ثم ها أنذا اليوم بعد أن قرأت دراسات منهجية رصينة حول كتاب عزمي بشارة “الطائفة الطائفية، الطوائف المتخيلة”، وكتابه “الدين والعلمانية في سياق تاريخي”، وجدت أنه قد تجرأ على ذات الله تعالى وعلى مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى الوحي والمصحف وعلى الخلفاء الراشدين والصحابة رضي الله عنهم وعلى الأمة الإسلامية.

فهل يقول حر عاقل: إنه ممنوع عليّ أن أرفض كل هذه الجرأة المتهورة التي قام بها بشارة، وإنه حرام عليّ أن أنتقدها وأن أرد عليها، حتى لو احتاج الأمر إلى سلسلة مقالات، فإذا شطح البعض مستخفا بنًا وقال: مارس بشارة حقه في النقد!! فلماذا يمنع علينا ويحرم علينا نقد نقده والطعن فيه والرد عليه؟! سيما وكلنا متفقون

أنا مطالبون أن نحترم المسؤول، ولكن هذا لا يلغي أن ننتقده بغض النظر عن اسمه ورسمه ونسبه ولونه ومكان إقامته، وبغض النظر عن قوته المالية والإعلامية والسياسية، وإن كان مسؤولًا فهو ليس معصومًا، فهو يخطئ ويذنب وقد ينحرف.

والويل لنا إن سولت لنا نفوسنا في يوم من الأيام أن نتعامل مع أي مسؤول فينا بقداسة ترفعه فوق البشر سواء قصدنا ذلك أو لم نقصد، ثم بناء على ما كتبت في الأسطر السابقة، فإن من حق جماهيرنا سواء كانوا من أبناء المشروع الإسلامي أو من غيره، أن يقولوا للدكتور منصور عباس، رئيس القائمة الموحدة في انتخابات الكنيست، أنت لست معصومًا وقد تصيب وقد تخطئ وهذا لا يعيبه، ومن حق هذه الجماهير أن تقول للدكتور منصور عباس أصبت إذا أصاب في حساباتها، أو أحسنت إذا أحسن في حساباتها، أو أخطأت إذا أخطأ في حساباتها، أو تعثرت إذا تعثر في حساباتها، وهي جماهير لها عقلها الناضج، ولها فهمها السليم، ولها قدرتها على فهم المقروء وإدراك معناه.

ولذلك فقد فهمت الدكتور منصور عباس لما صرح به. ويوم أن انتقد البعض الدكتور منصور عباس في تصريحه حول الخدمة المدنية، فقد انتقده لأنه فهم أن تصريحه في ظاهره يدعو إلى الخدمة المدنية التي رفضتها لجنة المتابعة العليا بالإجماع، وهو رفض أبدي بالإجماع. ويوم أن قال الدكتور منصور عباس قبل أيام في القناة 12: “أتراجع عما قلته سابقًا، وما عدت أعتقد ولا أقول إن العصابات الصهيونية احتلت أراضي الفلسطينيين في العام 1948 وطردتهم منها”، فهو قول مرفوض لدى الغالبية العظمى من جماهيرنا لأنها فهمت هذا التصريح على ظاهره، ولا يجوز أن يقال إن الدكتور منصور عباس قد وجه هذا التصريح إلى المجتمع الإسرائيلي فقط، فهو تصريح محسوب بكل كلمة فيه، وبدلالة معناه كما هو في ظاهره على الدكتور منصور عباس، وهو ليس مجرد تصريح، بل هو موقف، لأن الموقف قد يكون عملًا وقد يكون قولًا وقد يكون سلوكًا، والويل لمجتمعنا لو سكت كل مجتمعنا عن هذا التصريح، وهو أمر غير مربوط إطلاقًا بحالة الترقب التي ينتظرها مجتمعنا في مواقفه الشتى من انتخابات الكنيست بتاريخ 27-10-2027 لذلك، فإن من انتقد هذا التصريح الأخير في القناة 12 ورأى فيه صدامًا للثوابت، فمن حقه أن ينتقد بأدب لا تكفير فيه ولا تخوين ولا تجريح.

ثم، من حق د. منصور عباس أن يشرح هذا التصريح الأخير، سواء وافقه الجمهور على هذا الشرح أم لم يوافقه!! وهو د. منصور عباس، جزء من مسيرة مجتمعنا الطويلة التي عاش فيها مئات المسؤولين فينا، مع تعددياتهم السياسية والدينية. وكلهم لم يكونوا معصومين، وكلهم أصابوا وأخطأوا، وكلهم كانوا تحت النقد لا فوقه، وكلهم نالوا من جماهيرنا من النقد ما نالوه، وهي علامة صحة في مجتمعنا لا علامة مرض، ما دامت تقوم على أدب النقد بلا تكفير ولا تخوين ولا تجريح.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى