أخبار عاجلةمقالاتومضات

ركلات (4)

حامد اغبارية

1- تحت عنوان “المقاطعة، ماهيتها وأهدافها”، المنشور في صفحته على “فيسبوك” – قبل أيام – أثار عبد الكريم عزام مجموعة من النقاط، التي حاول من خلالها تبرير مشاركة أحزاب عربية في الداخل، بما فيها القائمة الموحدة، التي ينتمي إليها وإلى التنظيم الذي يرعاها، في الكنيست الصهيوني، وتسخيف موقف المقاطعين، وإظهاره بمظهر التناقض.

وبعيدا عن التسطيح الذي تميز به المقال، والذي يصل درجة السذاجة، أو والتساذج، فسوف أجتهد في تفكيك أربع نقاط، وإظهار عَوارها والتغرير الوارد فيها:

أ‌- يتحدث عزام عما يسميه حدود “المقاطعة المبدئية”، في محاولة منه الطعن في مبدئية المقاطعة غير المصلحية، والتي تضم تيارات إسلامية وغير إسلامية، ولكلٍّ مبرراته المبدئية الوجيهة. ثم يزوّر الحقائق جهارا نهار، حين يقول إن هذه المقاطعة المبدئية ليست مبدئية على الحقيقة لأنها تحركت (أي تغيرت) مع الزمن!! كيف ذلك؟ وما الدليل؟ لا دليل، بل هو كلام في الهواء يخاطب به قصيري الذاكرة! إذ إن المقاطعين المبدئيين لم يغيّروا ولم يبدّلوا من أول لحظة إلى اليوم. أما المتساقطون فلا شأن لنا بهم. فهؤلاء منهم من يأكل من كل الموائد، وفي التاريخ منهم كُثر. وإن كان هناك دليل على كلامه فليأت به ويعرضه على الناس!! منذ اللحظة الأولى كان المبدأ (وليس مجرد الاعتراض) على أصل دخول الكنيست، كونه من أكبر رموز الظلم الذي أُوقع علينا، وما يزال، إلى هذه اللحظة. ولم يقل أحد من المقاطعين المبدئيين، (الإسلاميين على الأقل) إن التصويت ودخول الكنيست والعمل في لجانه والتفاوض داخل مقبول (عند الكثيرين). و (عند الكثيرين هذه) تفتح الباب حول مصداقية الطرح: فالرجل تحدث عن المقاطعين المبدئيين في العموم، دون تجزئة، فمن هم هؤلاء (الكثيرون)؟ كم عددهم؟ وماذا يمثلون، ومن يمثلون؟
وأين سمعت من مُقاطع مبدئي (وليس متلونا، مصلحيا، حتى لو كان عالما بدرجة بروفسور أو شيخا بدرجة دكتوراه!!): ادخلوا الكنيست، ولكن لا تدخلوا ائتلافا!! لا بد أن أحدا ما قد قاله؛ فمن هو؟! ولو فرضنا أن هناك من قال (أو قالوا) ذلك، فهل هو يمثل تيار المقاطعة، أم يمثل رأيه الشخصي؟!

ب‌- إطلاقا! المسألة ليس “اجتهادا سياسيا” قد يتغير من الزمن أو بحسب الظروف. المقاطعة مبدأٌ دونَه الرقاب، وهذا الموقف يمثل تيارا يملأ السمع والبصر، ومن مختلف الشرائح في مجتمع الداخل الفلسطيني، وفي التالي هو ليس مجرد “اجتهاد سياسي في حدود المشاركة وأدواتها”! بل هو ثابت له علاقة تاريخية أصيلة بجذور قضية شعبنا. فنحن لم نوجد ولم نتشكّل كمجتمع منذ 1948 فقط، ولسنا مقطوعين من شجرة شعبنا وعروبتنا وديننا. هذا الكلام ربما يصلح أن يقال عن المقاطعين غير المبدئيين. ومِن ثَمّ هو بالنسبة للمبدئيين معيار للهوية والانتماء والثبات على المبدأ. بل هو في علاقته بالكنيست ما وراءها، المعيار (بأل التعريف). نعم هو كذلك.

ت‌- يحاول عزام تدعيم موقفه بفقه المصالح والمفاسد والمآلات. ويقتطع من الشيخ العز بن عبد السلام قوله: “فإن أمكن تحصيل المصالح ودرء المفاسد فعلنا ذلك”، ثم من ابن تيمية قوله: إن الشريعة جاءت بـ “تحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها”.

وهذا مبدأ فقهي أصيل، ولكن السؤال: هل هذا المبدأ الفقهي ينسحب على حالتنا نحن في الداخل الفلسطيني؟! تعالوا لنرى.
– راجعتُ الفصل الذي يتحدث فيه الإمام بن عبد السلام (في كتابه: ‫قواعد الأحكام في مصالح الأنام)، فوجدته يتحدث عن مصالح ومفاسد تتعلق بالمسلم في الدولة الإسلامية، ولم أجد فيه شيئا عن جلب المصالح ودرء المفاسد في الدولة غير المسلمة. ونحن لا نتحدث عن مجرد دولة غير مسلمة، بل دولة قامت على أنقاضنا. لكنني وجدت له كلاما عن “إتيان المفاسد ظنًّا أنها من المصالح”، وكلاما “فيمن فعل ما يظنه قُربَةً أو واجبا وهو مفسدة”. وهذا كله في حديثه عن سلوك المسلم في دولة الإسلام. فأنصح الرجل بمراجعة الكتاب قبل أن يقتطع منه ما يدعم موقفه، ويدلس به على الناس. وأذكّر الأخ عزام أن العز بن عبد السلام، الذي يقتطع من قوله مقطعا لدعم موقفه، هو نفسه الذي تصدى لتحالف الصالح إسماعيل الأيوبي حاكم دمشق، مع الصليبيين وإعطائهم مدينة صيدا وقلعة الشقيف ومدنا أخرى، والسماح لهم بشراء السلاح في دمشق، ليقاتل بهم أخاه نجم الدين الأيوبي حاكم مصر. فسبحان الله!‬

– أما الاقتباس المقتطع من ابن تيمية فهو وارد في (مجموع الفتاوى)، ويبدأ الحديث فيه أن الله تعالى بعث الرسل بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها. فأين هذا من ذاك؟ إن الشيخ يتحدث عن حالة داخلةٍ في الإمة الإسلامية، وكلامه ليست قاعدة مطلقة في كل الأحوال، وفي التالي ليس لها مكان في حالتنا في الداخل الفلسطيني. ولعله من الضروري أن نذكّر الأخ عزام، أن ابن تيمية نفسه، الذي يقتطع من كرمه لتدعيم موقفه، هو نفسه الذي تصدى بفقهه وسيفه للتتار، وأوجب رد خطرهم عن بلاد المسلمين. وهذا قيل بينما كان التتار يعرّفون أنفسهم بأنهم مسلمون، غير أنهم لا يحتكمون إلى الشريعة، بل على (شريعة جنكيز خان).

– ثم السؤال: من الذي يحدد ما هي المصلحة وما هي المفسدة وما هي المآلات؟ ومن الذي يقرر أن دخول الكنيست يدفع مفسدة أو يجلب مصلحة؟ كيف يتقرر ذلك؟ ومن هي الجهة المؤهلة لذلك؟! كيف ونحن منذ ثمانية عقود “ماكلين هوا” من وراء الكنيست”؟! أفلا تسمعون؟ أفلا تعلمون؟ أفلا تبصرون؟! ثمّ من الذي يعقد الرأي على أن دخول الكنيست (والائتلاف والحكومة) يجلب المصلحة مطلقا ويدفع المفسدة؟! وما أدراه أن المقاطعة هي المصلحة الحقيقية، وأن دخول الكنيست ولجانها، والائتلاف وحكومته هي أمّ المفاسد؟! وما يدريه أن مآلات المشاركة لا تجلب مصلحة، مهما كانت صغيرة، بل هي أسوأ مفسدة؟! أما مآلات المشاركة فنحن نتذوق علقمها منذ ثمانين سنة. فليأتنا مَن شاء بمصلحة ذات شأن تحققت على الحقيقة، وكفّت عنا الظلم!!

ث‌- يقول عزام إن من يطرح المقاطعة باعتبارها حكما شرعيا، فعليه اليوم أن يؤصّل موقفه بوضوح (فخٌ خبيث، ولكن ما علينا)، وأن يأتي للناس بموقف علماء ثقات وهيئات إفتاء معتبرة درست الواقع وفقهت المآلات، لا بشذرات متناثرة أو بخطاب سياسي أُلبس لاحقا لباس الشرع؟
لست أدري إن كان الرجل يقول هذا الكلام عن سابق معرفة، أم عن زيغ نفس. فربما أنه لا يعلم أن أول من طلب الفتوى (عام 1995) حول الموقف من الكنيست هو الشيخ عبد الله نمر درويش رحمه الله، الذي لم يلتزم بها، وجعلها وراء ظهره، وجرّ من جرّهم إلى هاوية الكنيست. ولم تكن تلك الفتوى شذرات متناثرة، بل كانت من مصدر موثوق يدعى “علامة العصر؛ الدكتور يوسف القرضاوي)، الذي أصدر فتوى مفصلة في المسألة، ثم تبِعه في الموقف أكثر من مائة عالم معتبَرين من مختلف بلاد المسلمين. أهؤلاء شذرات؟!

ج‌- أما حديث الأخ عزام عن (السؤال الأكبر) وقوله: ماذا لو استمر هذا الواقع عقودا طويلة؟ السياسة لا تدار بالعرافة والكهانة. وأنا أعدّ هذه المقولة سقوطا مريعا تحتاج إلى استغفار وتوبة. فهو يعتبر ما جاء في السنة النبوية والأحاديث الشريفة عِرافة وكهانة. علما أنني أعلم أنه يقصد ما يردده بعض المجتهدين حول موعد زوال الدولة الإسرائيلية. وهذا ليس في سياقه الصحيح مطلقا. بل هو حشر لمسائل لا علاقة لها بواقعنا، فهذه المسألة تحديدا لا تعنينا هنا. ثم يتحدث عن أنه لا يجوز بناء مستقبل أجيال كاملة بناء على نبوءات متخيلة. نبوءات متخيلة؟! فليستمر واقعنا إلى ما شاء الله، فهل يُخلف الله وعده؟! أتذكر ما كان في الخندق؟ أتذكر ما كان من موقف خبّاب بن الأرتّ مع النبي صلى الله عليه وسلم؟ أتذكر موقف “لو وضعوا الشمس في يميني…”؟ أتذكر: “… حتَّى يَسيرَ الرَّاكِبُ مِن صَنعاءَ إلى حَضرَمَوتَ…”؟ أهذه نبوءات متخيلة يا رجل؟! يا رجل!!!

ح‌- وأخيرا: من قال لك إن المقاطعة لها علاقة بهذه المسألة؟ هل الإيمان بوقوع ذلك هو سبب المقاطعة؟ وهل إذا كانت مسألة الزوال والزمان والمكان غير موجودة أساسا، تشكل سببا لعدم المقاطعة؟! أتستكثرون على الناس أن يكونوا على مبدأ يخالف مبدأكم ونهجكم؟ يا رجل!!!

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى