هل نخلط بين المبدأ والموقف؟ النقد البناء كآلية إنقاذ مجتمعي

أحمد سليمان
الآراء والمواقف محل نقاش ونقد، وليس المبادئ؛ فالنقد البناء لا يهدد الهوية، بل ينقيها من التكلس، ويصون ثوابتها، ويعزز وجودها.
النقاش السياسي والفكري هو حوار تبادلي ومنظم يهدف إلى بحث قضايا الحكم والسلطة والمجتمع والسياسات العامة، بناءً على رؤى نظرية وأيديولوجيات مختلفة. ويعتمد هذا النقاش على الأفكار والقيم والنظريات الفلسفية، مثل الحرية والعدالة والمساواة، التي توجه الممارسات السياسية وتفسرها. كما يهدف إلى توجيه المجتمع ونخبه نحو القضايا الملحة والأساسية، بما يمكّن الفرد من بناء آراء مستقلة حول قضايا العدالة والحقوق، والتي بدورها تساعد في التأثير في السياسات العامة وتحسين طرق إدارة المجتمع.
يتجلى النضج الفكري للمجتمع في كيفية التعاطي مع تباين الخيارات السياسية؛ فعندما يُدار النقاش حول جدوى العمل البرلماني، في مقابل التركيز على بناء المؤسسات الأهلية والدولية، يظهر النضج حين يُنظر إلى هذا التباين بوصفه “تكامل أدوار” يثري الأدوات الوطنية، بدلًا من التعامل معه كصراع يُستغل للتخوين والإقصاء. وبناءً على ما سبق، لا بد من الإشارة إلى أن النقد والنقاش يجب أن يكونا آلية إنقاذ وسمو بالمجتمع، لا آلية تشرذم وانحطاط.
يتطلب النقاش السياسي الفعّال والموضوعي تفريقًا دقيقًا بين ثلاثة مصطلحات أساسية: المبادئ، والآراء، والمواقف. فالخلط بين هذه المفاهيم يؤدي غالبًا إلى انسداد أفق الحوار أو إطلاق اتهامات بالتخوين والتنازل.
أما المبادئ، فهي القيم الأساسية والثوابت الأخلاقية والوطنية التي تشكل البوصلة. وهي راسخة وطويلة الأمد، ولا تتغير بتغير الظروف السياسية أو المكاسب التكتيكية. وفي الداخل الفلسطيني، على سبيل المثال لا الحصر، تتجلى هذه الثوابت في الحق الكامل للمسلمين في المسجد الأقصى، والتمسك بالهوية الوطنية الفلسطينية، والمطالبة بالمساواة المدنية والقومية الكاملة، ورفض سياسات التمييز والتهميش. وهذه ثوابت ومبادئ تجمع عليها الغالبية العظمى من الحركات والأحزاب السياسية الفاعلة في الداخل، سواء كانت إسلامية أو قومية أو يسارية.
وأما الآراء، فهي وجهات النظر أو الاجتهادات حول كيفية تحقيق تلك المبادئ وتطبيقها. والآراء قابلة للنقاش والاختلاف، وتتأثر بالتحليلات وقراءة الواقع المتغير، والاختلاف فيها طبيعي وصحي. ومن الأمثلة على ذلك النقاش التاريخي والمستمر حول جدوى المشاركة في انتخابات الكنيست؛ فهناك رأي يرى أن المشاركة البرلمانية ضرورية لتحصيل الحقوق والتأثير من الداخل، ورأي آخر يرى أن مقاطعة الانتخابات هي الخيار الأصح، لعدم إعطاء شرعية لمؤسسات تهمشهم وتصادر حقوقهم. وكلاهما ينطلق من المبدأ ذاته، وهو حماية الوجود وتثبيت الحقوق، لكنهما يختلفان في الرأي حول الوسيلة الأفضل.
وأخيرًا، المواقف، وهي القرارات العملية والخطوات الفعلية التي يتخذها الحزب أو السياسي في لحظة معينة تجاه قضية محددة. والموقف هو ترجمة عملية للرأي في ظل ظروف سياسية ضاغطة، وقد يتغير بناءً على التكتيك والمصالح الآنية، فهو يتغير بحسب المكان والزمان والمصلحة. فمثلًا، كان قرار القائمة العربية الموحدة عام 2021 بالدخول في الائتلاف الحكومي الإسرائيلي “موقفًا” سياسيًا عمليًا بُني على “رأي” براغماتي يفضل التأثير المباشر لجلب الميزانيات وتحسين المعيشة. في المقابل، اتخذت أحزاب القائمة المشتركة “موقفًا” معارضًا بشدة، رافضةً دعم الائتلاف بناءً على “رأي” يرى في هذه الخطوة تنازلًا عن “المبادئ” الوطنية الثابتة. إذ يرى أصحاب هذا الرأي أن المشاركة في حكومة تتخذ قرارات حرب ضد أهلنا في غزة أو لبنان تضع المشاركين فيها، سياسيًا وأخلاقيًا، في موضع الشراكة في تلك السياسات المدمرة، وهي نقطة شائكة ومفصلية يجب ألا تغيب عن وعي أبناء مجتمعنا التواقين إلى التغيير عند تقييمهم لأي موقف سياسي.
في الختام، إن الوعي السياسي الناضج لا يُقاس بمدى تطابق الآراء، بل بالقدرة على إدارة الاختلاف وتمييز الثابت من المتغير. وإن حماية وجودنا وتثبيت حقوقنا في الداخل يتطلبان صون المبادئ الجامعة بوصفها بوصلة لا تُمس، وفي الوقت ذاته إتاحة المساحة الكاملة لنقد المواقف والاجتهادات دون إقصاء أو تخوين. إن تحويل التباين في الأدوات إلى استراتيجية لتكامل الأدوار هو السبيل للحفاظ على حيوية مجتمعنا، وضمان أن يظل خطابنا السياسي قادرًا على مواجهة التحديات دون التضحية بالهوية أو بالثوابت الوطنية.
ونستشهد في الختام بمقولة محمد إقبال: “اتحاد الهند في هذه الأحوال عسير، ولا سبيل إلى جمع الكلمة إلا باعتراف كل جماعة بالهند بالجماعات الأخرى، والتعاون بينها”.
