وهم الاندماج وواقع الإقصاء: المنطلقات الخاطئة للتأثير السياسي العربي في إسرائيل

المحامي خالد زبارقه
يواجه المجتمع العربي في الداخل مأزقًا فكريًا وسياسيًا متجددًا يمس صلب وجوده ومستقبله. فمع تزايد الأزمات الحياتية، من استفحال للجريمة وضيق للمسطحات السكنية إلى التهميش الاقتصادي، برز تيار سياسي ينادي بنهج “التأثير من الداخل”، متسلحًا بشعارات البراغماتية والواقعية السياسية. غير أن هذا التوجه، ورغم جاذبيته السطحية، يصطدم بجدار صلب من الواقع البنيوي للدولة. إن عملية التأثير السياسي بشكلها الحالي تقوم على مجموعة من المنطلقات الخاطئة التي تتجاهل طبيعة النظام الصهيوني، مما يحول أدوات النضال إلى وسائل تدجين وتخدير للرأي العام، في وقت يهرول فيه المجتمع الإسرائيلي نحو أقصى درجات التطرف الفاشي.
أولًا: كذبة “تكافؤ الفرص” في بيئة إقصائية
الخطيئة الأولى في فكر “التأثير الاندماجي” هي الانطلاق من فرضية أن اللعبة السياسية في إسرائيل تقوم على “تكافؤ الفرص” بين مواطنيها. هذا الافتراض يسقط تمامًا عند القراءة الدستورية والقانونية للدولة. إسرائيل ليست دولة لجميع مواطنيها؛ بل هي معرفة رسميًا، وخصوصًا بعد “قانون القومية” لعام 2018، باعتبارها “الدولة القومية للشعب اليهودي”، علما أنّ مسألة يهودية الدولة تحددت منذ اعلان بلفور الذي طالب بإقامة وطن قومي لليهود على ارض فلسطين. قانون القومية اعطى لهذا الإعلان الصبغة الدستورية والفعلية.
هذا التعريف الدستوري يمنح تفوقًا وأولوية مطلقة للمواطن اليهودي في الأرض، والهجرة، وتوزيع الموارد، ويجعل من المواطنة العربية مواطنة مشروطة ومنقوصة جوهريًا. بناءً على ذلك، فإن الدخول في مساومات سياسية لا يتم بين أطراف متكافئة، بل بين سلطة تملك كل عناصر السيادة، وأقلية أصلية مجردة من أدوات الضغط الحقيقية. إن الفتات والميزانيات التي يتم انتزاعها عبر اللعبة البرلمانية ليست دليلًا على تكافؤ الفرص، بل هي حقوق أساسية يتم تسييسها واستخدامها كأداة ابتزاز لإخضاع الإرادة السياسية للأقلية العربية وعندما نقول “حقوق أساسية” هي الحقوق تمنح لكل مواطن من منطق “حق المواطنة” وليست منة من الدولة، بغض النظر عن توجهاته السياسية او عنصره البشري.
ثانيًا: الدولة ليست منصة محايدة للجميع
المنطلق الخاطئ الثاني هو النظر إلى مؤسسات الدولة (البرلمان، القضاء، والوزارات) باعتبارها منصة محايدة يمكن للجميع استخدامها للوصول إلى مراكز صنع القرار بالتساوي. والحقيقة السياسية والتاريخية تثبت أن الدولة العميقة في إسرائيل (المؤسسة الأمنية، والجيش، والصندوق القومي اليهودي) صُممت لحماية الطابع الصهيوني وتأمين التفوق الديمغرافي والجغرافي اليهودي.
عندما تحاول النخب العربية استخدام هذه المنصة للتأثير، تجد نفسها محاصرة بسقوف وخطوط حمراء لا يمكن تجاوزها. يُسمح للسياسي العربي بالحديث عن تعبيد الشوارع، وجمع النفايات، وحتى مكافحة العنف (ضمن حدود معينة)، ولكن يُحظر عليه تمامًا المساس بالبنية التمييزية للدولة أو التشكيك في يهوديتها او سرديتها. وعندما تقترب المطالب العربية من تفكيك منظومة السيطرة على الأرض أو المطالبة بالمساواة القومية الجوهرية، تُغلق المنصة فورًا، ويتحول الشريك البراغماتي في نظر الإعلام والشارع اليهودي إلى “طابور خامس” تجب شيطنته وعزله.
ثالثًا: التأثير أحادي الاتجاه وينتج عنه تدجين السلوك العربي
يزعم دعاة البراغماتية أن التأثير عملية تبادلية؛ أي أن العرب يؤثرون في السياسات الإسرائيلية كما تؤثر السياسات فيهم. لكن التجربة العملية تثبت أن التأثير يسير في اتجاه واحد فقط: تأثير المنظومة الحاكمة على السلوك السياسي والاجتماعي العربي وتطويعه.
بدلًا من أن تنجح المشاركة العربية في تغيير للسياسات الإسرائيلية، نجحت الدولة في “أسرلة وتطويع” الخطاب السياسي العربي نفسه. لقد تم خفض سقف الطموح السياسي الجمعي، واختفت القضايا الوطنية الكبرى والربط الهوياتي مع القضية الفلسطينية الأم من الأدبيات الحزبية، واستُبدلت بخطاب “المطالب المعيشية واليومية”. هذا التحول يحول القيادات العربية إلى “مقاولين” لدى السلطة، مهمتهم ضبط سلوك الشارع العربي وتهدئته، مقابل وعود بميزانيات تظل رهينة بمدى “حسن سير وسلوك” الأقلية العربية في نظر الأغلبية الحاكمة.
رابعًا: تخدير الجماهير وثقافة القطيع وتغييب الواقع
الخطورة الكبرى لهذه المنطلقات الخاطئة تكمن في آثارها النفسية والاجتماعية على الرأي العام العربي. إن تسويق أوهام “التأثير من داخل الائتلافات” يؤدي إلى حالة من تخدير الجماهير عبر صناعة وعي زائف يعتقد أن العدالة والمساواة يمكن نيلها عبر استرضاء السلطة ومجاراتها في لعبتها السياسية.
هذا التخدير الممنهج يولد “ثقافة القطيع”، حيث تندفع الجماهير خلف وعود وشعارات براقة تَعِد بالانفراج الاقتصادي والأمني دون فحص للمآلات السياسية بعيدة المدى. يُغيب الواقع تمامًا، وتُطمس الحقيقة المتمثلة في أن سياسات هدم البيوت ومصادرة الأراضي وتضييق الخناق على البلدات العربية مستمرة وبقوة. يتم إشغال المواطن بانتصارات وهمية وميزانيات على الورق، مما يؤدي إلى ضرب المناعة الوطنية وتفكيك الهوية والقدرة على النضال الشعبي والمدني الحقيقي خارج أسوار البرلمان.
خامسًا: التطرف اليهودي المتصاعد وسعار المطالب
بينما ينشغل المجتمع العربي في نقاشات “التأثير” وتخفيض سقف المطالب لكسب رضا الإجماع اليهودي، يتحرك المجتمع والشارع الإسرائيلي في مسار معاكس تمامًا نحو اليمين الفاشي الديني والقومي.
هذا التطرف المتصاعد لا يرى في البراغماتية العربية فرصة للعيش المشترك، بل يراها علامة ضعف وتراجع. بناءً على ذلك، لا تتراجع السياسات العنصرية، بل تزداد المطالب والاشتراطات اليمينية تجاه العرب. لم يعد مطلوبًا من المواطن العربي مجرد القبول بقوانين الدولة، بل أصبح يُطالب بالولاء الأعمى، والقبول بالدونية كشرط أساسي للبقاء والاعتراف به كـ “مواطن جيد”. إن كل تنازل يقدمه الخطاب العربي البراغماتي يُقابله اليمين الإسرائيلي برفع سقف مطالب الإخضاع وتكثيف الاستيطان وتعميق الفوقية اليهودية.
سادسًا: تفعيل الإرادة الشعبية كبديل لمنظومة الارتهان
إن الخروج من مأزق الأوهام البرلمانية يتطلب بالضرورة الانتقال من حالة الانتظار السلبي أو مهادنة وارضاء السلطة إلى تفعيل الإرادة الشعبية واستنهاض العمل الجماهيري المنظم. إن التأثير الحقيقي لا يُصنع في أروقة الكنيست المحاصرة بالخطوط الحمراء، انما يولد في الشارع، وفي الميادين، ومن خلال بناء المؤسسات الوطنية الجامعة (كلجنة المتابعة العليا واللجنة القطرية للمجالس المحلية) وتطوير أدائها وميزانياتها المستقلة.
يعني تفعيل الإرادة الشعبية تحويل طاقات المجتمع من “ثقافة القطيع” المنساقة وراء الوعود السلطوية إلى قوة ضغط شعبية واعية، تمارس العصيان المدني السلمي، والنضال القضائي والدولي، وبناء الاقتصاد الذاتي المقاوم للتهميش. عندما يدرك الرأي العام أن قوته الكامنة تكمن في صموده ووحدته الميدانية، وليس في مدى رضا الأحزاب الصهيونية عنه، تتحول الأقلية العربية من مجرد مفعول به على هامش السياسة الإسرائيلية إلى رقم صعب يفرض شروطه وينتزع حقوقه انتزاعًا كرصيد قومي ومدني لا يقبل المساومة.
المطلوب استرداد الوعي الجمعي
إن عملية التأثير السياسي، إن لم تنطلق من فهم حقيقي وجذري لطبيعة الدولة باعتبارها منظومة إقصاء بنيوي، ستظل تدور في حلقة مفرغة من الأوهام والتبعية. إن المنطلقات الخاطئة التي توهم الرأي العام بتكافؤ الفرص وبحيادية الدولة لا تنتج إلا مجتمعًا مخدرًا وفاقدًا لبوصلته الوطنية.
إن التأثير الحقيقي للأقلية العربية لا ينبع من مجاراة شروط اللعبة التي صاغها نظام الفصل والتمييز، بل من إعادة بناء القوة الذاتية للمجتمع، وتنظيم مؤسساته الشعبية، والتمسك بالحقوق المدنية والقومية معًا ككتلة واحدة غير قابلة للتجزئة أو المساومة. إن الوعي بالواقع هو الخطوة الأولى نحو تغييره، والعدالة لا تُستجدى من منظومة الإقصاء، بل تُنتزع بصمود المجتمع ووحدته وعمق وعيه.
