منافسة في البر.. لا مناوبة في الخدمة
ليلى غليون
ثمّة أبواب إذا فتحت لم يكن من الحكمة تأجيل الدخول منها، وثمة نِعَم إذا عرف الإنسان قدرها بعد رحيلها لن ينفعه الندم كله.
ومن أعظم النعم التي تحيطنا ولا نشعر بعظمتها وحجم قيمتها إلا حين نفقدها: نعمة الوالدين، وما أدراك ما الوالدان، فهما اللذان كانا يتسابقان إلى حاجاتنا قبل أن نعرف كيف نطلبها، بل من غير أن نطلبها، ويقلقان علينا قبل أن نعرف معنى القلق، ويحملان همومنا قبل أن نحمل هموم أنفسنا، لم تكن الأم تقول لابنها، اليوم دوري في الاعتناء بك وغدًا الدور على أبيك، ولم يكن الأب يحسب كم مرة حمل ابنه أو كم مرة أنفق عليه أو كم مرة استيقظ من أجله، كان عطاؤهما حبًا وحنانًا وتضحية بلا حدود ولا مقابل ولا مناوبة يتناوبانها.
ثم يكبر الابن.. فتكبر معه مسؤولياته ويتسع عالمه وتضيق أوقاته، ويصبح له عمل وبيت وأبناء ومشاغل والتزامات، ويصل الوالدان إلى مرحلة يحتاجان فيها إلى الأبناء، ليبدأ البعض يقول: “أنا مشغول”، “عندي مسؤوليات”. ليبدأ الأبناء في التعامل مع الوالدين بنظام (المناوبة) و (الدور): اليوم دوري، وغدًا دور أخي، وبعد غد دور أختي، وهذه المهمة عليّ، وتلك على أخي أو أختي وهكذا… ليتحول أعظم باب من أبواب البر إلى جدول مناوبات، وكأن الوالدين مسؤولية ثقيلة ينبغي أن نتقاسمها لا نعمة نتنافس على اغتنامها.
صحيح أن الأبناء يجب أن يتعاونوا على خدمة والديهم، ولكن المؤلم في الأمر أن يتحول هذا التعاون إلى حسابات دقيقة: أنا فعلت، أنت لم تفعل، هذا دورك وأنا انتهى دوري. وليس المقصود في هذه المقالة أن يقوم ابن واحد أو بنت واحدة على خدمة الوالدين ولا أن يتحمل أحد الأبناء المسؤولية كاملة، بل المقصود هو التنافس على البر، والشعور بأن الوالدين ليسا عبئًا يتقاسمه الأبناء، بل نعمة يخشون فقدها.
إنَّ بر الوالدين ليس ساعات عمل ولا خدمة يتبادلها الأبناء، ولا هي مهام موزعة على بعضهم البعض، هو قبل كل شيء عبادة يتقرب بها الأبناء إلى الله تعالى بل هي من أسمى العبادات وباب موصل إلى الجنة، هي قلب عرف قيمة والديه، ويرى في خدمتهما شرفًا، وقربهما غنيمة، ورضاهما من رضا الله تعالى.
فعندما يقول الابن: “أنا مشغول”… نعم الحياة مليئة بالمسؤوليات والمشاغل، والكل مشغول وله عمله وأسرته والتزاماته، ولكن أين والداك من قائمة أولوياتك؟
قد لا تستطيع أن تجلس مع أمك ساعة، لكن هل تعجز عن اتصال يسعد قلبها؟ قد لا تستطيع أن تقضي اليوم مع أبيك، لكن هل تعجز عن دقائق تمر عليه وتطمئن عليه؟ قد لا تستطيع أن تحمل عنهما كل أعبائهما، لكن هل تعجز عن أن تقول لهما: أنا موجود، أنا في خدمتكما؟
لماذا تجد وقتًا للهاتف، للأصدقاء، للرحلات، للمناسبات الاجتماعية على أنواعها، ولأشياء كثيرة يمكن تأجيلها، ولكن حين يتعلق الأمر بالوالدين تقول: ليس لدي وقت.
جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستأذنه في الجهاد، فسأله: “أحي والداك؟” قال نعم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “ ففيهما فجاهد”.
يا لها من كلمة عظيمة، كان الرجل يبحث عن ميدان يبذل فيه نفسه، فأرشده النبي صلى الله عليه وسلم إلى ميدان آخر هو والداه، فربما يكون جهادك اليوم أن تخدم أمك وهي متعبة، أو ترافق أباك وهو مريض، أو تصبر على ضعفهما، أو تسمع حديثهما المتكرر دون ملل أو ضجر، أو تترك بعض راحتك من أجل راحتهما، فليس كل جهاد في ميادين بعيدة، أو في ميادين المعارك، ربما يكون أعظم ما تقربه لله تعالى وأقربه منك: أب وأم ينتظران منك البر.
ومن أجمل ما قرأت في باب بر الوالدين قصة أخوين اختلفا، ولكن ليس على مال ولا على ميراث ولا على بيت ولا على أرض… اختلفا على من يحظى بشرف خدمة أبيهما! كان كل واحد منهما يريد أن يسكن الأب عنده ليقوم على خدمته ورعايته ويكون قريبًا منه، اشتد الخلاف بينهما لدرجة أنهما ذهبا إلى المحكمة، وهناك وقف الأخوان فكل واحد منهما يريد أن يكون هو الذي يحظى بخدمة أبيه، وبعد النظر في الأمر صدر الحكم لأحدهما، لأنه كان أقدر ماديًا وأوسع إمكانات، وأقدر على رعاية الأب، لم يخرج الأخ الآخر غاضبًا لأنه خسر مالًا، ولا حزينًا لأنه خسر حقًا دنيويًا، بل خرج باكيًا لأنه خسر فرصة أن يخدم أباه، وكان بكاؤه مؤثرًا لدرجة أنه أبكى من حضر المشهد.
فأي خسارة هذه التي تجعل الإنسان يبكي لأنه حُرم من خدمة أبيه؟ وأي منافسة هذه التي يتمنى فيها كل أخ أن يحمل عن الآخر مسؤولية والده؟
هناك من يتخاصم مع إخوته على نصيبه من متاع الدنيا، وهذان اختلفا على نصيبهما من البر، فهكذا يكون البر، أن تنافس أن تكون في المقدمة حين يحتاج والداك.
أيها الأبناء: إن بين أيديكم (آباء وأمهات) نعمة لا تقدر بثمن، وبابًا من أبواب الجنة لن يبقى مفتوحًا إلى الأبد، إذا احتاجوكم فلا تنتظروا دوركم، وإذا مرضوا فتسابقوا، وإذا اشتاقوا إليكم فكونوا الأسرع وصولًا، لا تجعلوا خدمتهم عملًا تتقاسمونه، بل شرفًا تتسابقون إليه، لا تجعلوا والديكم ينتظرون دور كل واحد منكم، بل اجعلوهم يرون أبناءهم جميعًا حولهم كل واحد فيهم يقول: دعني أخدمك يا أبي، دعيني أخدمك يا أمي، فقد يأتي يوم لا يكون فيه دور لأحد لأنهما قد غابا، واليوم وقد فتح الله لكم باب البر، احمدوا الله أن الباب لا يزال مفتوحًا، وأنهم لا يزالون معكم، اخدموهم قبل أن تتمنوا خدمتهم، واقتربوا منهم قبل أن تتمنوا قربهم، وقبلوا أيديهم قبل أن يصبحوا ذكرى وصورة تحتفظون فيها في هواتفكم، ادخلوا الباب قبل أن يغلق .
إن كان أحدكم أكثر قدرة ووقتًا من أخيه فليبادر وليسارع ولا يقل: ليس دوري.
وإن كان أحدكم يسكن بعيدًا عنهم فليبر بالاتصال والسؤال والدعاء.
وإن كان قريبًا فليغتنم القرب بالخدمة والجلوس والمآنسة.
نافسوا قبل أن تفقدوا ميدان المنافسة. نافسوا على ابتسامتهما. على راحتهما. على إدخال السرور إلى قلبيهما. على قضاء حوائجهما. على الجلوس معهما. على أن تكونوا أول من يصل إليهما وآخر من يغادرهما.
نافسوا على دعوات صادقة من قلبيهما وهما يدعوان : الله يرضى عليك يا ولدي.
فالبر تنافس في الخير، من يبادر قبل أن يُطلب منه، من يسبق إلى خدمتهم قبل أن يطلبا، من يسمع صوتهما المتعب قبل أن يشكوا، من يلاحظ حاجتهما قبل أن يضطرا إلى السؤال، من وجوده راحة لهما وطمأنينة لقلبيهما.
فالوالدان بحاجة إلى قلوب تستشعر فضلهما، وأبناء يرون خدمتهما شرفًا لا عبئًا، وقربهما نعمة لا مسؤولية ثقيلة، ففرق كبير بين أن يكون بر الوالدين واجبًا يتقاسمه الأبناء وبين أن يكون شرفًا يتنافسون عليه.
فما أجمل أن يتنافس الأبناء لا على المال ولا على الميراث ولا على متاع الدنيا، وإنما على بر الأب والأم، فهذه المنافسة التي يحبها الله تعالى (وفي ذلك فليتنافس المتنافسون) وما أقسى أن يكبر الوالدان وهم ينتظران من يتذكرهما.
أيها الأبناء: سيأتي يوم وستنتهي كل مسؤولياتكم ويصبح لديكم أوقات، ولكن قد لا يكونون هم معكم ، سيأتي يوم يتمنى الواحد منكم لو يسمع صوت أمه أو دعاءها له بالرضا والتوفيق، لو يرى أباه جالسًا يحمل سبحته ويرضى عليه، سيتمنى جلسة كان أجّلها معهما ، زيارة أجّلها لهما، قبلة على يد أمه أو أبيه ليقول حينها:
ليتني جلست أكثر، ليتني اتصلت أكثر، ليتني خدمت أكثر، ليتني لم أقل أنا مشغول، ليتني لم أقل هذا دور أخي… ولكن الباب إذا أغلق لم يمكن للأمنيات أن تفتحه. فلا تجعلوا بر والديكم وظيفة موزعة بينكم حتى إذا انتهت “نوبة” أحدكم ظن أنه قد أدى ما عليه، اجعلوا البر منافسة لا تنتهي.
