في ذكرى إعدام سيد قطب: عندما يتطاول الأقزام على العظماء

الشيخ كمال خطيب
في زمن العتمة والظلمة، ما أحوجنا للحديث عن النور والضياء. في زمن كثرة من يعشقون الذلّ والعبودية، ما أحوجنا للحديث عمّن دفعوا حياتهم
ومع كثرة أدعياء الرجولة وأشباه الرجال وطوابير العبيد، ومع ارتفاع أكوام الزبد رغم أنه سرعان ما يذهب جفاء، فما أحوجنا للحديث وتذكير أبناء الجيل وتعريفهم بأن هذه مرحلة غير عادية في تاريخ الأمة وأنها مرحلة عابرة، حتى لا تنغرس فيهم مفاهيم خاطئة أن أمتهم طالما كانت مثلما عليه اليوم. ما أحوجنا للحديث لأبنائنا وشبابنا أن هذه المرحلة ما هي إلا مثل ظاهرة خسوف القمر، سرعان ما سيعود إليه ضياؤه، ومثل كسوف الشمس سرعان ما سيعود إليها توهّجها وإشراقها.
يوم غدٍ السبت 29/8 هو اليوم الذي فيه بكت السماء وحزنت الأرض وذرف الرجال والصالحون الدموع، في اليوم الذي فيه أعدم وعُلِّقَ على حبل المشنقة مفسّر القرآن الكريم والكاتب والمفكر والأديب الكبير الشهيد سيّد قطب يوم 29/8/1966.

سيّد قطب هذا العلم والاسم اللامع في تاريخ الصحوة الإسلامية المعاصرة، حيث إن من أعدموه فإنهم أرادوا بذلك https://www.mawteni48.com/archives/342362أن يغيّبوا ويطمسوا إشعاعات خير ورجولة وصلابة كانت تنطلق من قلمه ومن لسانه، وإذا بهم ولغبائهم يجعلون من كانوا يجهلونه ولم يعرفوه يسعون للتعرّف على كتبه ورسائله ومبادئه التي مات لأجلها، ليصدق فيه ما قاله هو رحمه الله: “إن كلماتنا تظلّ عرائس من الشمع حتى إذا متنا في سبيلها دُبت فيها الروح وكتبت لها الحياة”.
سيّد قطب رحمه الله، ولد في العام 1906 وأعدم في العام 1966 وكان ابن ستين سنة يومها، وكان رحمه الله أعزب ولم يتزوج، مثله كمثل كثير من الذين آثروا العلم وأفنوا أعمارهم في خدمة الدين ولم يتزوجوا. وقد جمع المرحوم الشيخ عبد الفتاح أبو غدة تراجم وسيرة عدد من هؤلاء في كتاب أسماه “العلماء العزاب الذين آثروا العلم على الزواج”، ذكر منهم: ابن جرير الطبري المفسّر والمؤرخ المشهور، وشيخ الإسلام ابن تيميه، والإمام النووي شارح صحيح مسلم، والإمام الزمخشري اللغوي ومفسّر القرآن، وابن النفيس العالم والطبيب مكتشف الدورة الدموية الصغرى، وبشر الحافي المحدّث والزاهد المعروف، وسعيد النورسي العالم والمجاهد التركي الشهير الذي حمل راية الدين مع سقوط دولة الخلافة العثمانية.
سيّد قطب بدأ حياته الفكرية والأدبية والسياسية بعيدًا عن المشروع الإسلامي وكان يعمل مدرسًا ثم مفتشًا ثم موظفًا كبيرًا في وزارة المعارف المصرية. ولنباهته وتميّزه، فقد أوفد ضمن بعثة حكومية لمدة سنتين إلى أمريكا للاطلاع على مناهج التعليم هناك وكان ذلك بين العامين 1948-1950.
وخلال وجوده في أمريكا حصل معه ذلك الموقف الذي هزّ كيانه وأحدث انعطافة في حياته وانتمائه للإسلام والتزامه بفكر الحركة الإسلامية المصرية التي كانت تُعرف باسم جماعة “الإخوان المسلمين”، وقد تحدّث هو كيف أنه لاحظ مظاهر الفرح عند من التقاهم من المسؤولين، وكيف خرجت الصحف الأمريكية بعناوين بارزة تنشر خبر اغتيال الشهيد حسن البنا يوم 12/2/1949.
وحين سأل عن أسباب مظاهر الفرح تلك كان الجواب: “إن أخطر أعداء أمريكا والغرب قد قُتل في مصر، إنه حسن البنا المرشد الأول لجماعة الإخوان المسلمين”. يحدّث سيّد قطب عن استغرابه من أهمية ومكانة حسن البنا والفرح والنشوة باغتياله وكراهية الأمريكان له مع أنه لم يكن يعرفه وهو ابن مصر ولم يلتق به. فعزم على العودة إلى مصر واتصل بالجماعة وانضم إليها، ليصبح سريعًا أكبر وأشهر منظّريها ودعاتها.
وهل أنا أعدم إلا من أجلها
سيد قطب المفكّر والأديب الحرّ والوطني الصادق، وبعد الثورة على الملك فاروق سنة 1952 وقد كانت القاعدة الشعبية لجماعة الإخوان المسلمين من ركائز نجاح الثورة عند الملك، وبعد أن تسلّم محمد نجيب الرئاسة سرعان ما انقلب عليه جمال عبد الناصر وتسلّط على الحكم، ومع بدايات حكمه أي سنة 1954 فقد أمر بسجن سيّد قطب مدّة شهرين ثم أطلق سراحه، ثم أعيد سجنه في نفس العام وحكم عليه بالسجن لمدة 15 عامًا بعد مسرحية ما تسمّى حادثة المنشيّة بزعم محاولة اغتيال جمال عبد الناصر، وبقي سيّد قطب في السجن عشر سنوات وأطلق سراحه بعفو صحّي بسبب مرض السكري وذلك بعد تدخل الرئيس العراقي عبد السلام عارف يومها .
بعد سنة واحدة من إطلاق سراحه أعيد اعتقاله يوم 9/8/1965، وبقي في السجن عامًا كاملًا حتى صدر بحقّه حكم الإعدام يوم 21/8/1966 وقد تم إعدامه يوم 29/8/1966 خلال زيارة جمال عبد الناصر إلى الاتحاد السوفييتي. ولم تنجح محاولات العديد من الزعماء العرب وفي مقدّمتهم الملك فيصل بن عبد العزيز رحمه الله وقد أرسل برقية مناشدة لعبد الناصر الذي أوعز بإعدامه فجرًا ثم ادعى أن البرقيّة وصلت عصرًا وأرسل اعتذارًا للملك فيصل متظاهرًا أن البرقية وصلت متأخرة بعد تنفيذ حكم الإعدام دون أن يشفع له بأنه ابن ستين سنة وأنه مريض بالسكري وأنه مفسر للقرآن الكريم في ست مجلدات وهو تفسير “في ظلال القرآن الكريم”.
قبل إعدامه كانت أخته أميمة قد أرسلت له رسالة تطلب منه أن يكتب رسالة استرحام وعفو من جمال عبد الناصر، وقد كتبتها بدافع الأخوّة والحنان من أختٍ على أخيها، لكنه رحمه الله ردّ عليها قائلاً: “إن إصبع السبابة التي تشهد لله بالوحدانية لتأبى أن تكتب كلمةً واحدةً يقرّ بها حكم طاغية، فإذا أنا سُجنت بحقٍ فأنا أرضى حكم الحقّ، وإن كنت سُجنت بباطل فأنا أكبر من أن أسترحم الباطل”.
وقبل إعدامه بقليل أدخلوا عليه أحد المتمشيخين يريد أن يلقّنه الشهادتين قبل أن يعلّقوه على حبل المشنقة وراح يقول له: “قل أشهد أن لا إله إلا الله”. فنظر إليه سيّد قطب مبتسمًا وقال له: وهل أنا أُسجن وهل أنا أعدم إلا من أجل لا إله إلا الله ؟!”
وقبل إعدامه وكان مع مجموعة من السجناء من أبناء الجماعة وقد نصحوه وطالبوه بطلب العفو من عبد الناصر كما فعلت أخته مبرّرين نصيحتهم بأن سيّد قطب كنز ثمين ورجل قلّ نظيره، وأن بإعدامه خسارة لا تعوّض على الدعوة والأمة، فكان جوابه رحمه الله: “إن جيلًا زرعته يد الله فلن تحصده يد البشر”.
إنها رسائل تربوية ورسائل لا تخرج إلا من الرجال والعظماء وفي اللحظات الصعبة لا ينسى صاحبها أن يرسلها لتكون إشعاعات نور ومددًا معنويًا للأجيال من بعده.
لم تمض سوى تسعة أشهر من يوم إعدامه في 29/8/1966 إلا ومصر والأمة كلّها تستيقظ على وقع هزيمة نكراء ونكسة 5/حزيران/1967 سميت بحرب الأيام الستة، فيها احتلت إسرائيل سيناء وغزة من مصر، والضفة الغربية والقدس من الأردن، وهضبة الجولان من سوريا، ليظهر للدنيا كلها أمام مرارة الهزيمة، أن شعارات ثورية جمال عبد الناصر في مصر وعنتريات حافظ الأسد وزير دفاع سوريا كانت كذبة كبيرة ليس لها على أرض الواقع رصيد، فكانت صادقة الكلمة التي قالها المفكّر والزعيم المغربي علال الناسي يوم قال: “ما كان الله لينصر حربًا يقودها قاتل سيّد قطب”.
كلمات تكتب بأحرف من نور
ألّف سيّد قطب عشرات الكتب، كلّها ترجمت لأكثر من 25 لغة من لغات العالم. ويكفي سيّد قطب شرفًا وأثرًا أنه فسّر القرآن العظيم تفسيرًا في ثماني مجلدات لا تخلو منها مكتبة كلّ من يعتز بالفكر الإسلامي ومن يبحث عن الحقيقة.
لكنها بضع عبارات نقتبسها من مآثر سيّد قطب رحمه الله، فقد قال في وصف إسلام الأنظمة العربية أنه إسلام أمريكاني:
“إن الإسلام الذي يريده الأمريكان وحلفاؤهم في الشرق الأوسط هو ليس الإسلام الذي يقاوم الاستعمار ويقاوم الطغيان، ولكنه الإسلام الذي يقاوم الشيوعية. إنهم لا يريدون الإسلام أن يحكم، إنهم يريدون إسلامًا أمريكيًا يُستفتى في الطلاق والوضوء والحيض والنفاس، أما الإسلام الذي له رأي في حياة الناس السياسية والاقتصادية والاجتماعية فإنه مرفوض أمريكيًا. إنها لمهزلة بل إنها لمأساة”. وها نحن نرى الإسلام الأمريكي هو الإسلام الذي تتعبد لله به أنظمة الخزيّ والعار والعمالة من أصحاب السمو والسيادة والجلالة.
كانت قراءة سيّد قطب للواقع والمستقبل قراءة ثاقبة نورانية، فكتب في كتابه الرائع -السلام العالمي والإسلام- تحدّث فيه وتوقّع انهيار الاتحاد السوفييتي وقال إن ذلك في غير صالح العرب والمسلمين لأنه لا بد من وجود قوّة توازن قوة أمريكا وصلفها، فقال: “على أنني أعيذ البشرية من أن يستبد بها الصلف الأمريكي السخيف الذي قد لا يقاس إليه الصلف البريطاني ذاته في أرض المستعمرات. إن عداوة الأمريكي للملونين عداوة بغيضة كريهة، وإن احتقاره للملونين لتهون إلى جانبه تعاليم النازية”، “وويل للبشرية يوم يوقعها سوء الطالع في ربقة هذا الصلف الأمريكاني بلا قوّة في الأرض تخشى ويعمل لها حساب”.
ولقد قرأ رحمه الله المستقبل جيدًا وهو يتحدث عن حروب أمريكا والاتحاد السوفييتي، فقال: “إن رحى الحرب بين أمريكا والاتحاد السوفييتي في غير أراضيهم في إيران والعراق وباكستان وأفغانستان ومنابع النفط، وسواء انتصرت هذه أم تلك، فسنخرج نحن طعامًا ونكون كالفئران حقول تجارب لأسلحتهم”. وهذا ما كان من الحرب العالمية الأولى والثانية، وهذا ما يحدث الآن في حرب الخليج الثالثة تقوم بها أمريكا وإسرائيل ليس على إيران فقط بل إنها الحرب التي ستخرج منها طعامًا كل دول الخليج وشعوبها.
وقال رحمه الله في وصف من يرضون لأنفسهم الاستعباد والذلّ من أجل متاع الدنيا الفاني، لأجله يبيعون كرامتهم وحريّتهم، فقال: “العبيد الذين يهربون من الحرية، فإذا طردهم سيّد بحثوا عن سيّد آخر لأن في نفوسهم حاجة ملحّة للعبودية، فإذا لم يستعبدهم أحد أحسّت نفوسهم بالظمأ إلى الاستعباد، وتراموا على الأعتاب يتمسّحون بها ولا ينتظرون حتى الإشارة من أصبع السيد ليخرّوا له ساجدين. إنهم لا يدركون بواعث الأحرار للتحرر فيحسبون التحرر تمردًا والاستعلاء شذوذًا والعزّة جريمة، ومن ثم يصبّون نقمتهم الجامحة على الأحرار الذين لا يسيرون في قافلة الرقيق” وإن هذا ليتنافى مع العظمة والكرامة وعيش الأحرار الذي يجب أن يعيشه المسلم كما قال الشاعر:
أنا للحياة خلقت للأفق البعيد
لبشاشة الصبح التي تجري على خدّ الورود
حرّ ولا أرضى لنفسي الذلّ أو عيش العبيد
حرّا خلقت فكيف يرضى الحرّ قيدًا من حديد
سيّد قطب الشاعر الثائر
صحيح أن سيّد قطب رحمه الله كان مفسّرًا للقرآن الكريم، وقد فسّره وهو خلف القضبان وفي زنازين الظالمين أدعياء القومية العربية المنسلخة عن الإسلام، لكن سيّد قطب كان كذلك أديبًا ناقدًا وشاعرًا، وسواء في كتبه أو شعره كان قلمه يكتب لجيل الصحوة الإسلامية الكلمات النورانية التي تحمل معاني الصدق والجرأة والعزم والحزم، وقد برز هذا جليًا في أشهر كتبه “معالم في الطريق”، وبرز في واحدة من قصائده الرائعة راح فيها يخاطب إخوانه أبناء دعوته الذين كانوا حينها والذين سيكونون مستقبلًا فقال:
أَخِي أنت حرٌّ وراء السدود أخي أنت حرٌّ بتلك القيود
إذا كنت بالله مستعصمًا فماذا يَضيرُك كيدُ العبيد؟!
أخي إن ذَرَفْتَ عليَّ الدموع وبلَّلْت قبري بها في خشوع
فأوقِد لَهم من رفاتي الشموع وَسيروا بها نحو مجدٍ تَليد
أخي إن نمت نلقَ أحبابنا فجنّات ربّي أعدّت لنا
وأطيارُها رفرفت حولنا فطوبى لنا في ديار الخلود
أَخِي ستُبيد جُيوشُ الظلام ويُشرق في الكون فجر جديد
فأطلق لروحِك إشراقها ترى الفجر يرمقنا من بعيد
سأثأر ولكن لربٍ ودين وأمضي على سنتي في يقين
فإما إلى النصر فوق الأنام وإما إلى الله في الخالدين
القوّة الثالثة
كانت نورانية وإيمان وذكاء وعبقرية سيّد قطب رحمه الله قد أوصلته لأن يكتب بأحرف من نور عن طريق الخلاص ليس للأمة الإسلامية وحدها وإنما للبشرية كلها. فطريق الخلاص بالنسبة لسيّد قطب لم يكن بالاتباع والولاء للاتحاد السوفييتي الشيوعي، ولا لأمريكا الرأسمالية رغم ما كان بينهما من عداوة ظاهرة، لكن الخلاص هو بوجود قوّة ثالثة تقول لهؤلاء وهؤلاء: لا وألف لا، فقال رحمه الله: “إن طريق الخلاص هو أن تبرز إلى الوجود من أرض المعركة المنتظرة قوّة ثالثة تقول لهؤلاء وهؤلاء إننا لن نسمح لكم بأن تديروا المعركة على أشلائنا وحطامنا. إننا لن ندع أجسادنا تطهّر حقول ألغامكم ولن نسلّمكم رقابنا كالخراف والجداء”.
ولقد كانت القوّة الثالثة يا سيّد قطب، وإنها ليست إلا دورة الإسلام الحضارية التي بدأت ملامحها تتشكّل ببزوغ هذه الصحوة المباركة وبصماتها الحاضرة في كل أرجاء العالم الإسلامي. هذه القوة الثالثة التي يعلم أعداء الأمة أنها هي المرشّحة لقيادة العالم لما تتجمع أجزاؤها المبعثرة في كل الأقطار، ولذلك فإنهم يحاربونها تارة بسجن قياداتها وتشريدهم، وتارة أخرى بحرب إعلامية سافرة لتشويه صورتهم بين الأجيال، وتارة ثالثة بالحرب المباشرة بإعلان حظرها ومنعها حتى من طرح فكرها ومشروعها كما فعلوا في مصر وسوريا الأسد، وكما فعلوا ويفعلون في تونس وفي بلاد الحرمين والإمارات والأردن وسلطة أبو مازن في رام الله، وكما فعلت هنا حكومة إسرائيل بحظر الحركة الإسلامية وإخراجها عن القانون يوم 17/11/2015.
لكن أنّى لهم بذلك، فإن أقصى ما يستطيع هؤلاء الصغار الأقزام فعله هو تأخير يوم سيادة هذه القوّة الثالثة بخلافة إسلامية تعم الأرض كما أخبر ﷺ وليس منعه، لأن ذلك ليس بأيديهم. وكيف يكون ذلك بأيديهم وهذه الطريق وهذا النهج الذي رفع رايته محمد ﷺ وحمل الراية بعده أجيال وأجيال وصولًا إلى سيّد قطب وامتدادًا لجيل إسلامي مبارك من شرق الأرض إلى غربها، يؤمن بالفكرة ويدعو إليها بل ويتفانى من أجلها.
وإن غدًا لناظره قريب.
نحن إلى الفرج أقرب فأبشروا.
رحم الله قارئًا دعا لي ولوالدي ولوالديه بالمغفرة.
والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
