تصعيد أوكراني ضد شركات إسرائيلية: استوردت قمحا منهوبا من مناطق تحتلها روسيا

في خطوة غير مسبوقة، تقدّمت السفارة الأوكرانية بشكوى رسمية إلى الشرطة الإسرائيلية ضد شركتين إسرائيليتين، بدعوى تورطهما في استيراد قمح تقول كييف إنه سُرق من مناطق شرقي أوكرانيا الخاضعة للاحتلال الروسي. وفق ما جاء في تقرير لصحيفة “هآرتس” الإسرائيلية.
وبحسب التقرير، فإن الشركتين هما “تسنزيفر”، التي كُشف اسمها سابقًا وقررت الامتناع عن استلام شحنة القمح المشبوهة، إضافة إلى شركة “ديزنغوف للتجارة”. وتشير الشكوى إلى أن “ديزنغوف” تسلمت نحو 43.8 ألف طن من الحبوب، من بينها قرابة 16.5 ألف طن من القمح يُشتبه بأنه مسروق، حيث تم تفريغ الشحنة من السفينة “أفنسك” التي رست في ميناء حيفا بتاريخ 12 نيسان/أبريل.
ووفق المعطيات الواردة، جرى تحميل القمح بدايةً على سفينتين أصغر في موانئ تقع ضمن مناطق أوكرانية محتلة؛ إذ حمّلت السفينة “ليونيد باستريكوڤ” نحو 7.6 آلاف طن في ميناء برديانسك، بينما نقلت السفينة “فيدور” نحو 8.9 آلاف طن من ميناء سيفاستوبول. وبعد ذلك، تم تحويل الشحنات إلى السفينة “أفنسك” في منطقة شمال البحر الأسود المعروفة بـ”مرسى القوقاز”، قبل أن تواصل طريقها إلى إسرائيل.
وتشير الادعاءات إلى أن الشركة الموردة للحبوب هي “ستراتيجيك غرين مانجمنت” الروسية، ومقرها في دبي. كما أظهرت صور أقمار صناعية، حصلت عليها الصحيفة، وجود السفن الصغيرة في الموانئ المذكورة خلال الفترات التي تتطابق مع الرواية الأوكرانية.
ولفت تقرير هآرتس، إلى أن السفينة “أفنسك” اعتادت إطفاء أجهزة التتبع الخاصة بها لفترات طويلة، في محاولة لتفادي أنظمة المراقبة الدولية، وهي ممارسة يقول خبراء في قطاع الشحن إنها تُستخدم لإخفاء مصدر البضائع. إلا أنها أعادت تشغيل أجهزة التتبع في 17 آذار/مارس، بعد تحميل القمح، وأبحرت نحو إسرائيل.
وفي 12 نيسان/أبريل، بدأت عملية تفريغ الشحنة في صوامع “داغون” في حيفا، قبل أن تصل الحبوب إلى شركة “ديزنغوف للتجارة”.
من جهتها، قالت الشركة في ردّها إنه “لا توجد لديها طلبات مستقبلية لاستيراد قمح روسي”، مضيفة أنها، شأنها شأن باقي المستوردين، فوجئت بالمعلومات المتداولة، وتنتظر توجيهات السلطات الإسرائيلية المختصة، مؤكدة التزامها بالمعايير المعتمدة في التجارة الدولية وامتلاكها جميع الوثائق المطلوبة.
قبل تقديم الشكوى الرسمية، كانت السفارة الأوكرانية قد تقدّمت عبر محامية بشكاوى إلى وحدة التحقيقات الخاصة (لاهاف 433) وسلطة مكافحة غسل الأموال، متهمةً الجهات المعنية بارتكاب مخالفات تشمل الإدلاء بتصريحات كاذبة بشأن مصدر القمح، وتزوير مستندات، والحصول على أموال بطرق احتيالية، إضافة إلى شبهات غسل أموال.
وطلبت الشكاوى تمكين الجهات المختصة من أخذ عينات من الشحنة لإجراء فحوص مخبرية تحدد مصدر القمح، إلى جانب مصادرة وثائق السفينة والمراسلات بين الأطراف المتورطة، بهدف كشف ما وصفته بـ”سلسلة الاحتيال”.
ويُعد تقديم الشكوى بشكل مباشر من السفارة، وليس عبر محامين، تصعيدًا ملحوظًا في مساعي كييف لدفع التحقيق قدمًا. كما تعمل أوكرانيا، بالتوازي مع خطواتها داخل إسرائيل، على تحريك الملف في الاتحاد الأوروبي، سعيًا لفرض عقوبات على شركات إسرائيلية استنادًا إلى قوانين دولية تحظر التجارة بمنتجات مصدرها أراضٍ محتلة.
وفي تعليق على القضية، قال مصدر في قطاع استيراد الحبوب للصحيفة، إن الشركات الإسرائيلية ربما وقعت ضحية ما وصفه بـ”خدعة روسية”، موضحًا أن نسبة محدودة من الشحنات قد تكون من مصادر مشبوهة. غير أن المعطيات المتعلقة بسفينة “أفنسك” تشير إلى أن نحو 33% من حمولتها جاءت من مناطق محتلة، وهي نسبة أعلى من المعتاد.
وأشار المصدر إلى أن عمليات الاستيراد تتطلب تقديم وثائق متعددة لجهات رسمية، من بينها الجمارك ووزارة الزراعة وحتى جهات دينية مختصة، ما يجعل أي تلاعب بمصدر القمح مسألة ذات تبعات خطيرة، ليس فقط اقتصاديًا بل أيضًا على صعيد العلاقات بين إسرائيل وأوكرانيا.
في المقابل، أعربت أوكرانيا عن خيبة أملها من رد الفعل الإسرائيلي، إذ قالت وزارة الخارجية إن الشكوى “تفتقر إلى الأدلة الكافية”، رغم أن اتفاقيات التعاون القضائي بين الدول لا تشترط دائمًا إرفاق أدلة أولية، تفاديًا للإضرار بسير التحقيق.
وتواجه كييف صعوبات في تتبع مصدر القمح بشكل قاطع، إذ تعتمد بشكل أساسي على صور الأقمار الصناعية، فيما تحتاج إلى فحوص مخبرية للعينات لإثبات ما إذا كانت الحبوب تحمل خصائص تربة شرق أوكرانيا.
يُذكر أن نحو 90% من استهلاك القمح في إسرائيل يعتمد على الاستيراد -وفق الصحيفة الإسرائيلية- وتُعد روسيا المورد الأكبر حاليًا، خاصة منذ اندلاع الحرب عام 2022، في وقت تراجع فيه الاستيراد من أوكرانيا التي كانت حتى عام 2021 المصدّر الرئيسي للقمح إلى إسرائيل. وتشير هذه القضية إلى تعقيدات متزايدة في تتبع مصادر الحبوب عالميًا، وسط صراع اقتصادي وقانوني متصاعد تقوده أوكرانيا لمواجهة ما تصفه بعمليات تهريب “قمح مسروق”.
