الكتابة بين الهمّة والعجز

تمثّل الكتابة عند غالبية الناس مشقّة مضنية، وأمرًا عسيرًا، وطريقًا أكود، لا يخوض غمارها ويواجه أمواجها إلا ذو حظ عظيم؛ ولا يُقبل عليها إلا أصحاب الهمم العالية، الذين سبروا أغوارها، وتذوّقوا صعابها، واستلذّوا مرّها، واستطابوا نقدها؛ فهان عليهم المدح والنقد، فهما عندهم سيّان، وما تحسّروا على الجهد والوقت بعد أن تحصّلوا مبلغ حكمها وسجاياها، وكسبوا إبداعها، وتجاوزوا صعابها، فزادتهم ثقة بالنفس وقوة في الدرس.
يقول ابن قتيبة: “رأيتُ كثيرًا من كتاب أهل زماننا، كسائر أهله، قد استطابوا الدَّعَة، واستوطؤوا مركب العجز، وأعفوا أنفسهم من كدّ النظر، وقلوبهم من تعب التفكّر، حين نالوا الدرك بغير سبب، وبلغوا البُغية بغير آلة… فأين همّة النفس؟”.
والكتابة أهم أساليب التخاطب البشري؛ فهي ليست أسلوبًا آنيًا تنتهي صلاحيته في مدى زمني معيّن، لأنها قالب وإطار حافظ للفكر والنفس، ومدلول خطابي صامت مستمر. وهي بذلك شكل من أشكال التعبير الصامت الموجّه للآخر، وهي من ناحية أخرى تعبير عن انطباع عقلي ونفسي داخلي يقاسمه الكاتب مع العالم الخارجي، وهي أداة للتعبير وتفصيل لما يُراد، وتسجيل للأفكار وما تجود به القرائح.
وهي، كما يقول ابن خلدون: “رسوم وأشكال حرفية تدل على الكلمات المسموعة الدالة على ما في النفس… والخط والكتابة من عداد الصنائع الإنسانية؛ فهو ثاني رتبة من الدلالة اللغوية، وهو صناعة شريفة؛ إذ الكتابة من خواص الإنسان التي يتميّز بها عن الحيوان، وهي تطّلع على ما في الضمائر”. وهي وسيلة التعبير عن الكلام، أو كما يقول فولتير: “الكتابة هي صورة الصوت، فكلما قربت منه في سيماها كانت خيرًا”.
ويعرّف البعض الكتابة بأنها عملية إبداعية معقّدة، تتداخل فيها مجموعة من العوامل لإنتاج لغة محكومة بشروط وقوانين، وهي قسمان: كتابة رسمية، وهي كتابة العقود والقوانين والمعاهدات وغيرها، وكتابة إبداعية فنية، وهي التأليف في الشعر والنثر.
ونطالع في التراث العربي الإسلامي ما يحظى به الكاتب والمؤلف من مكانة؛ إذ نظر العرب والمسلمون إلى الكتابة على أنها من أشرف الرسالات، لا يمارسها إلا أصحاب الهمم. يقول القلقشندي: “الكتابة من أشرف الصنائع وأشرفها، وأربح البضائع وأربحها، وأفضل المآثر وأعلاها، وآثر الفضائل وأغلاها… وهي راقم حقائق المعاني بأقلام الإلهام على صفحات الأفكار، جامع اللسان والقلم على ترجمة ما في الضمائر، ذاك للأسماع وهذا للإبصار، الذي حفظ رسوم الخطوط ما تكلّ الأذهان السليمة عن حفظه، وتبلغ بوسائطها على البعد ما يعسر على المتحمّل تأديته بصورة معناه ولفظه”.
ويحتوي التراث العربي على كثير من المدوّنات، حتى إن بعض المشتغلين بالتدوين لا يجدون أوقات فراغ لممارسة أبسط أمور معايشهم؛ فعبيد بن يعيش يمكث ثلاثين سنة تُطعمه أخته بيديها، بينما هو منهمك في الكتابة. وإن كانت هذه الرواية تحمل الكثير من المثالية والخيال، فإنها تبقى تعبيرًا عمّا كان، وتحفيزًا لأصحاب الأقلام. والكتابة، كما يقول القلقشندي، “هي الصناعة التي لا يليق بطالب العلم من المكاسب سواها، ولا يجوز له العدول عنها إلى ما عداها”.
وتمثّل الكتابة قدرة على تذوّق الكلام الجميل وإنشائه، وهي فرصة تتاح لصاحبها ليعلن عن وجوده والتعبير عن رأيه؛ فهي الحياة، وهي أداة تعبير تحدّد طبيعة مدارك صاحبها من حيث العمق والسطحية والبساطة والتعقيد، وممارستها تنشّط الذاكرة وتنمّي الفكر، والكتابة المستمرة شكل من أشكال الرياضة النفسية تمرّن العقل على الإبداع والتطوير.
وهي على مستوى الشعور دموع القلب لانكسار النفس، ومداده عند اليسر، وهي أداة تصوير صادق لمداخل النفس، وصورة لعقولنا، وقالب حاوٍ لأحاسيسنا ومشاعرنا، وقريحة ما لم يمنعها حاجز أو مانع، وهي أداة للتعبير عن الإحساس العميق والذوق الجميل. وهي تعبير عن كل الأحوال، وفي أي ميدان لنقل الأفكار والمعلومات عبر الزمن والمكان، وهي أداة لتغذية النفس البشرية؛ فكلما تطوّرت شحذت همة صاحبها، وشجّعته على الإبداع، ودفعته إلى المزيد من الإمتاع. وهي ثوب الفهّامة، لا يستأذن صاحبها أحدًا، وهي متاحة للغني والفقير، ووسيلة المقهورين والمسحوقين. فمن له القدرة على أن يكتب وهو لا يكتب فقد سُلبت حريته وغابت إرادته. إن فقدان المتعلم أو المثقف نزعة الكتابة لديه يجعله يفقد اتصاله بمحيطه ومجتمعه، إما لأنه فاقد لحسّه وحماسه، أو خائف من نقّاده.
ولهذا فإن من اكتملت لديه أدوات الكتابة عليه أن يكتب ولا يتقاعس، فما ذلك إلا من خمول النفس، وإهمالها تضييع لفرص مشاركة تجاربنا وأفكارنا مع الآخرين. والواجب على الكاتب الماهر أن يُنزّل الألفاظ فيما يكتب منازلها، فيحترم بذلك قلمه والمكتوب إليه. وجمالية الكتابة تعبير منطقي عن مدى تطوّر الكاتب في تسويق نفسه وإبراز مهارته.
لا يتمكّن من الكتابة إلا من له قدرة العقل والفهم والبيان والإدراك؛ فالكتابة المعبّرة في الأصل تعبير عن قدرة التفكير، ودليل ذلك أنه في كثير من حالات الكآبة أو السرور تعبّر عن ذلك الإحساس أو الشعور، فتصبّ مشاعرنا في قالب الحروف والألفاظ.
وتبقى الكتابة وسيلة مهمة إذا ما غابت الوسائل الأخرى للتخاطب. قال الجاحظ: “يكون إظهار المعنى كلما كانت الدلالة أوضح وأفصح، وكانت الإشارة أبين وأنور… والبيان اسم جامع لكل شيء كشف لك قناع المعنى، وهتك الحجب دون الضمير حتى يفضي السامع إلى حقيقته… وقالوا: القلم أحد اللسانين، كما قالوا: القلم أبقى أثرًا، واللسان أكثر هذرًا. وقال عبد الرحمن بن كيسان: استعمال القلم أجدر أن يحضّ الذهن على تصحيح الكتاب من استعمال اللسان على تصحيح الكلام. وقالوا: اللسان مقصور على القريب الحاضر، والقلم مطلق في الشاهد والغائب، وهو للغابر الكائن مثله للقائم الراهن. والكتاب يُقرأ بكل مكان، ويُدرس في كل زمان، واللسان لا يعدو سامعه ولا يتجاوزه إلى غيره”.
وهكذا تُجنّبنا الكتابة مفاسد النطق وتُجمّلنا؛ لذلك كانت من خير الوسائل لتجنّب أخطاء النطق أن نرجع إلى صورة الكلمة البصرية التي تصحب دائمًا صورتها السمعية في ذهننا، وكذلك صورة الكلمة البصرية يصحبها عند القراءة إحساس سمعي؛ فترانا نغنّي لأنفسنا جمل الكتاب الذي نقرؤه، وعندما نكتب نرى قلمنا يتبع الإشارات التي يمليها عليه الصوت الداخلي. فيمكننا أن نقول إنه أثناء النشاط اللغوي لدى الشخص المتحضّر العادي تشترك صور اللغة جميعها في العمل، فبذلك تُحفَر صورة الكلمات في الذاكرة بطابع أعمق. وقد قال عالم رياضيات جزائري: “أنا لا أحسن كثير الكلام والتعبير، ولا أحسن سوى الكتابة والتفكير”.
يميل البعض إلى اعتبار اللغة المكتوبة خادمًا مطيعًا للغة الكلام. وهذا الكلام المكتوب لا يسلم من الجرح والنقد، مهما بلغ صاحبه من مهارة تفصيلية ومعارف معجمية؛ لأن الكلمة والحرف لن يعبّرا بالمطلق عن الدواخل والمشاعر، وتبقى تعبيرًا نسبيًا عمّا يخالج الباطن.
وقد قيل: “والكتاب كالمكلّف لا يسلم من المؤاخذة ولا يرتفع عنه القلم”. وتبقى الكتابة حاضنة لفكر صاحبها، تحدّد عنوانه، وتعرّف بمستوى إبداعه، ودرجة إخلاصه، وارتباطه بمجتمعه؛ فمن يكتب لأجل مجتمعه قبل نفسه قد رهن له حياته (وقته وجهده)، فمن كتب لغيره اتسع أفقه، ومن كتب لنفسه ضاق حاله. فالكتابة والتأليف لم تعودا مجرد حرية واختيار أو رفاه ثقافي ونفسي، بل هما مسؤولية والتزام أمام ما تواجهه الأمة العربية والإسلامية من أزمات وتحديات. إن الدعوة إلى الكتابة تستلزم الطرح العميق والدقة في التشخيص. قال الجاحظ: “من صنّف فقد استهدف؛ فإن أحسن فقد استعطف، وإن أساء فقد استقذف”.
ويُعلي أحد الكتّاب من شأن القلم والكتابة فيقول: “القلم لسان البصر يناجيه بما استتر عن الأسماع، إذا نسج حلله وأودعها حكمه”. وقال ابن المقفّع: “القلم بريد القلب”. وقال سهل بن هارون: “القلم أنف الضمير؛ إذا رعف أعلن أسراره، وأبان آثاره”. وقال عمرو بن مسعدة: “الأقلام مطايا الفطن”. وقيل: “عقول الرجال تحت أقلامها”. وقال العتابي: “الأقلام مطايا الأذهان”. وقال عبد الحميد الكاتب: “القلم شجرة ثمرتها الألفاظ، والفكر بحر لؤلؤه الحكمة”.
إن أمة لا تكتب أمة كسيحة اللسان، مكسورة الأقلام، قد غابت شواهد أنامل أبنائها، وأكل النسيان وجودها؛ إذ تبقى هذه الأداة أهم وسيلة للحفاظ على أمجاد وتاريخ العرب والمسلمين، ونبراسًا للقادم من الأجيال. فلا يعقل أن يضعف فينا القلم ويغيب عنا الكتاب؛ فمهما أحاطت الكتابةَ والكتّابَ وسائلُ وتقنيات، فلن تعوّض هذه المستحدثات، مهما بلغت درجتها واستطار أمرها، قلمَ الإنسان عربيَّ اللسان؛ لأنها أصل وجوده ومفتاح حضارته وفصيح لسانه. وتبقى الكتابة سياجًا حافظًا لكينونته، وعصارة تراثه، فهي دائمًا وأبدًا أداة تأثير وتغيير نحو الإيجابي إذا ما أحسنا توظيف جمالياتها ورسمناها بقناعاتنا.
وأخيرًا، لنكتب؛ فجيلنا في خطر ما لم نواجه سيل الحداثة والذكاء الاصطناعي، ونقطع الطريق على المؤقت، لعلنا نبقي على الفكر المبدع في وجه السريع المستهلك. فأقلامنا في خطر، وأولادنا غابت أناملهم بين آلات تحمل ما يفكّك ويهدم، وهذا الجيل، في بعضه، لا يقرأ ولا يكتب.