ماذا بنى نبي الله سليمان؟

الشيخ رائد صلاح
عندما يتحدث سفر الملوك الأول أحد ملحقات توراة اليوم عن نبي الله سليمان عليه السلام فهو يجرده من صفة النبوة ويتعامل معه كملك ليس إلا، وعلى سبيل المثال يقول سفر الملوك الأول: (وفي السنة الأربع مائة والثمانين لخروج بني إسرائيل من أرض مصر، وفي السنة الرابعة من ملك سليمان على إسرائيل وفي شهر زيو وهو الشهر الثاني بنى سليمان البيت للرب) 6/1-2 فهو نص يتحدث عن نبي الله سليمان كملك ليس إلا، ثم يقول سفر الملوك الأول في بعض نصوصه: (حينئذ بنى سليمان مشرفًا لكاموش) وهو نص آخر يتعامل مع نبي الله سليمان كملك ليس إلا ثم يتابع سفر الملوك الأول حديثه عن نبي الله سليمان ويقول: (وكان في زمن شيخوخة سليمان أن أزواجه استملن قلبه) ثم يقول نص آخر من سفر الملوك الأول: (وتبع سليمان عشتاروت آلهة الصيدونيين) وهو نص ثالث من ضمن نصوص كثيرة وردت في سفر الملوك الأول تعاملت مع نبي الله سليمان كملك ليس إلا، وإلى جانب ذلك فإن نصوص سفر الملوك الأول ادعت عليه باطلًا وقالت إنه صنع آلهة وثنية لأزواجه، وإنه تبع عشتاروت آلهة الصيدونيين وزاغ عن اتباع الرب، وفي ذلك يقول سفر الملوك الأول: (حينئذ بنى سليمان مشرفًا لكاموش قبيحة موآب في الجبل الذي لشرقي أرشليم ولمولك قبيحة بني عمون، وكذلك صنع لجميع نسائه الغريبات اللواتي كن يحرقن البخور ويذبحن لآلهتهم) 11 8 7، ثم يقول سفر الملوك الأول عن نبي الله سليمان: (فأزاغت نساؤه قلبه وكان في زمن شيخوخة سليمان أن أزواجه استملن قلبه إلى اتباع آلهة أخرى، فلم يكن قلبه مخلصًا للرب إلهه كما كان قلب داود أبيه، واتبع سليمان عشتاروت آلهة الصيدونيين وملكوم قبيحة بني عمون وصنع الشر في عيني الرب، ولم يتبع الرب اتباعًا تامًا مثل داود أبيه) 7- 1- 11 وهذا يعني وفق هذه الادعاءات الباطلة التي روج لها سفر الملوك الأول، أن نبي الله سليمان مات كافرًا، وهو قول باطل لا يجوز على الأنبياء.
ثمَّ في الوقت الذي يجعل فيه سفر الملوك الأول من نبي الله سليمان في المحصلة- كافرًا، فهو يثبت له في أحد نصوصه أن الله اختاره لبناء بيت له، فكان أن بنى بيتًا لله، وحاشا لله أن يختار كافرًا لبناء بيته، وهي محصلة أقوال سفر الملوك الأول، وهل يعقل لكافر أن يبني بيتًا لله، وهي محصلة أخرى لأقوال سفر الملوك الأول، وهذا ما يجعلنا نرفض ادعاءات سفر الملوك الأول الباطلة، عن نبي الله سليمان دفاعًا عن نبي الله سليمان، سيما وأن هذا السفر عندما أثبت لنبي الله سليمان بناء بيت لله، فقد ادعى عليه أنه أقام في هذا البيت تماثيل على هيئة أسود وثيران وهو ما يخالف وصايا نبي الله موسى لبني إسرائيل وحاشا لنبي الله سليمان أن يخالف نبي الله موسى، فمن هو نبي الله سليمان؟! وما حقيقة ما بناه؟
إجابة على هذين السؤالين المصيريين أقول، إن نبي الله سليمان هو أحد أنبياء بني إسرائيل وجمع الله له كما لأبيه داود الملك والنبوة، وكان نبيًا مسلمًا جاء برسالة الإسلام من عند الله تعالى، ودعا بني إسرائيل إلى اتباع رسالة الإسلام. حيث إن جميع الأنبياء كانوا مسلمين ودعوا أقوامهم لاتباع رسالة الإسلام منذ نبي الله آدم وصولًا إلى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وفي ذلك يقول القرآن الكريم: (أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلهًا واحدا ونحن له مسلمون) البقرة 133 فهذه الآية تؤكد أن كل الأنبياء جاءوا بعقيدة واحدة هي عقيدة التوحيد (إلهًا واحدًا)، هو إله إبراهيم وإسماعيل وإسحاق وأبنائهم بما فيهم نبي الله يعقوب وأبناؤه وموسى وهارون وداود وسليمان وعيسى وصولًا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذه الآية تؤكد لنا أن كل هؤلاء الأنبياء كانوا مسلمين (ونحن له مسلمون) واتبعوا دين الله الواحد الإسلام (إن الدين عند الله الإسلام) ودعوا أقوامهم لاتباع رسالة الإسلام، وكان كل نبي يأتي قومه برسالة الإسلام المؤقتة حتى جاء رسول الله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم برسالة الإسلام الخاتمة، وأصبحت كل البشرية مدعوة -بما في ذلك أهل الكتاب- لاتباع هذه الرسالة الخاتمة حيث إن هذه الرسالة الخاتمة قد نسخت كل الرسائل الإسلامية التي جاء بها الأنبياء من قبل عند الله تعالى، لأن كل تلك الرسائل الإسلامية كانت مؤقتة ومحدودة الزمان والمكان، فلما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه الرسالة الإسلامية الخاتمة من عند الله تعالى، فقد نسخت كل تلك الرسائل الإسلامية المؤقتة وأصبحت هي الرسالة الخاتمة الخالدة ما دامت الدنيا، والممتدة عالميًا في كل زمان ومكان والداعية كل أمم الأرض على اختلاف أنسابها ولغاتها وألوانها إلى اتباعها بمن فيهم أهل الكتاب كلهم، وأصبح أَتباع هذه الرسالة الإسلامية الخاتمة هم الأمة الإسلامية الدائمة بعد أن كان كل نبي قد بنى من قبل أمة إسلامية مؤقتة، لأن رسالة الإسلام التي جاء بها من عند الله تعالى كانت مؤقتة وأصبحت هذه الأمة الإسلامية الخاتمة الدائمة هي الأمة العالمية التي تضم في داخلها كل أمم الأرض على اختلاف أنسابها ولغاتها وألوانها وعلى اختلاف الزمان والمكان، وأصبحت هذه الأمة الإسلامية الخاتمة الدائمة هي الامتداد الحق لتاريخ كل الأنبياء منذ نبي الله آدم حتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي الوارث الحق لجهود كل هؤلاء الأنبياء ولميراث نبوة كل هؤلاء الأنبياء، وأصبح الجامع الذي يجمع بين هذه الأمة الإسلامية الخاتمة الدائمة وبين كل هؤلاء الأنبياء، والذي يجمع بين أبناء هذه الأمة الإسلامية الخاتمة الدائمة هي عقيدة التوحيد وعبادة الله تعالى والاحتكام إلى شرع الله تعالى كما جاءت بها رسالة الإسلام الخاتمة التي جاء بها رسول الله صلى الله عليه وسلم من عند الله تعالى وهذا ما نجد في قول الله تعالى: (ومن يبتغ غير الإسلام دينًا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين).
ويوم أن نقرأ عن نبي الله سليمان في القرآن الكريم، نجد أنه كان يفتخر بانتمائه الإسلامي وكان يدعو الآخرين لاتباع الإسلام وعلى سبيل المثال نقرأ في القرآن الكريم على لسان نبي الله سليمان: (ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين) النمل 31، ونقرأ قول الله تعالى على لسان نبي الله سليمان: (قال يا أيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين) النمل 38، ونقرأ قول الله تعالى على لسان نبي الله سليمان: (وأوتينا العلم من قبلها وكنا مسلمين) النمل 42، ونقرأ قول الله تعالى على لسان الملكة بلقيس: (قالت رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين) النمل 44، فهو التاريخ الإسلامي الواحد الذي سطرته سيرة كل الأنبياء بداية من نبي الله آدم حتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا زال هذا التاريخ الإسلامي يمتد حتى الآن، والذي لا يزال يسجل امتداده هي سيرة الأمة الإسلامية الخاتمة الدائمة التي أرسى بناءها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يزال ميراث نبوة هؤلاء الأنبياء قائمًا ومحفوظًا، وصاحب السيادة الشرعية الوحيدة الخاتمة له هي هذه الأمة الإسلامية الخاتمة الدائمة.
ومن ضمن هذا الميراث النبوي هو المسجد الحرام بمكة المكرمة الذي عكف فيه الأنبياء وعبدوا الله تعالى فيه وصانوا بناءه منذ نبي الله آدم حتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم من ضمن هذا الميراث النبوي هو المسجد الأقصى المبارك، بالقدس المباركة والذي كان أول من عكف فيه هو نبي الله آدم عليه السلام وكان آخر مشهد لصلاة الأنبياء كلهم فيه يوم أن صلى بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إمامًا خلال رحلة الإسراء والمعراج، فهو المسجد الأقصى بمساحته التي كان عليها منذ نبي الله آدم عليه السلام، كما هي مساحته اليوم، وهو المسجد الذي اعتكف فيه كثير من الأنبياء، وعبدوا الله تعالى فيه، وتوارثوا صيانته نبيًا بعد نبي كميراث نبوي جمع بينهم حتى انتهى هذا الميراث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى هذه الأمة الإسلامية الخاتمة الدائمة، فهي التي أصبحت صاحبة السيادة الشرعية والوحيدة عليه، وهي التي أصبحت مستأمنة على صيانته باسم الأنبياء كلهم، وهي التي أصبحت ذات الحق الوحيد للاعتكاف فيه وصيانته وعبادة الله تعالى فيه وشد الرحال إليه، وعلى عجالة أقول، هو المسجد الأقصى ثاني مسجد على الأرض، ونجد ذلك في حديث أبي ذر رضي الله عنه الذي قال فيه: (قلت يا رسول الله أي مسجد وضع في الأرض أولًا؟ قال: (المسجد الحرام) قلت ثم أي؟ قال (المسجد الأقصى) قلت كم بينهما؟ قال: أربعون سنة وأينما أدركت الصلاة فصل فإنه مسجد) أخرجه البخاري ومسلم وجمع ثقات.
فإذا عرفنا أن المسجد الحرام كان على عهد نبي الله آدم، وإذا عرفنا أن المسجد الأقصى وضع بعد أربعين عامًا على وضع المسجد الحرام، فهذا يعني أن المسجد الأقصى كان على عهد نبي الله آدم، ومما يؤكد ذلك الأثر الحسن الذي رواه الإمام أحمد والذي يبين أن أول من اعتكف في المسجد الأقصى هو نبي الله آدم ثم توارث الأنبياء مهمة رعاية المسجد الأقصى والاعتكاف فيه وعبادة الله تعالى فيه، ولم يكن في يوم من الأيام ملكًا شخصيًا لأي نبي، ولا لأمة أي نبي، بل كان ميراثًا نبويًا ينتقل من نبي إلى نبي حتى انتهى الميراث النبوي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم إلى الأمة الإسلامية الخاتمة الدائمة، لأنه لا نبي بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا يعني أن أمته الأمة الإسلامية الخاتمة الدائمة هي التي ستواصل مهمة دور الأنبياء، وهي التي سترث ميراثه ومن ضمنه المسجد الأقصى.
وعلى هذا الاعتبار فلا شك أن بعض أنبياء بني إسرائيل كانوا قد حملوا ميراث النبوة وكان من ضمن هذا الميراث رعاية المسجد الأقصى والاعتكاف فيه وعبادة الله تعالى فيه، وكان من ضمن هؤلاء الأنبياء أنبياء الله داود وسليمان وزكريا ويحيى وعيسى عليهم السلام. وحول دور نبي الله سليمان في رعاية المسجد الأقصى روى عبد الله بن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن سليمان بن داود صلى الله عليه وسلم لما بنى بيت المقدس سأل الله عز وجل ثلاثة، سأل الله عز وجل حكمًا يصادف حكمه فأوتيه، وسأل الله عز وجل ملكًا لا ينبغي لأحد من بعده فأوتيه، وسأل الله عز وجل حين فرغ من بناء المسجد أن لا يأتيه أحد لا ينهزه إلا الصلاة فيه أن يخرجه من خطيئته كيوم ولدته أمه) رواه النسائي، ففي هذا الحديث النبوي يلفت الانتباه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم (لما بنى بيت المقدس) وبيت المقدس تعني في إحدى دلالاتها المسجد الأقصى، أي بمعنى أن نبي الله سليمان لما بنى بيت المقدس- أي أعاد إعمار المسجد الأقصى ميراث النبوة والأنبياء منذ عهد نبي الله آدم عليه السلام، ثم يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث النبوي (وسأل الله عز وجل حين فرغ من بناء المسجد أن لا يأتيه أحد لا ينهزه إلا الصلاة فيه) وفي ذلك تأكيد أن الذي بناه نبي الله سليمان، بمعنى أعاد إعماره، هو المسجد الأقصى بدافع الصلاة في المسجد الأقصى، وهذه هي مقومات الأمانة التي كان يحافظ عليها أنبياء الله تعالى منذ نبي الله آدم تجاه المسجد الأقصى وهي صيانته والاعتكاف فيه وعبادة الله تعالى فيه.
وهكذا حافظ نبي الله سليمان على أمانة المسجد الأقصى كميراث نبوة الأنبياء، حيث ورث هذه الأمانة من أبيه النبي داود عليه السلام ثم انتقلت هذه الأمانة إلى الأنبياء الذين جاءوا من بعد نبي الله سليمان حتى انتهت هذه الأمانة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء والمرسلين، ولأنه لا نبي بعده فقد انتقلت هذه الأمانة إلى الأمة الإسلامية الخاتمة الدائمة التي بناها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا يعني أن ما بناه نبي الله سليمان وفق ما بينت في السطور السابقة، هو المسجد الأقصى، ولم يبن أي بناء اسمه هيكل، وهذا يعني أنه لم يكن هناك شيء اسمه هيكل أول ولا هيكل ثانٍ وهذا يعني أن الخراب الذي أوقعه نبوخذ نصر إن صحت هذه الرواية التاريخية، ثم الخراب الذي أوقعه طيطس إن صحت هذه الرواية التاريخية، هو خراب وقع على بناء المسجد الأقصى وليس على بناء اسمه هيكل، وقد بينت في مقالتي التي كانت بعنوان (سردية الهيكل) تناقضات بين النصوص التي تتحدث عن الهيكل في توراة اليوم وملحقاتها مما يجعل منها روايات غير مناسبة علميًا لبناء الاستدلال عليها والادعاء بوجود هيكل أول أو ثانٍ، وهذا الفهم الذي بينته في هذه المقالة ومقالة (سردية الهيكل) هو ما سأعيش عليه وألقى الله تعالى عليه.