أخبار رئيسيةأخبار وتقاريرمحلياتومضات

جيل عربي مُهمَّش في الداخل الفلسطيني.. “العائد الديمغرافي” يتحوّل إلى أزمة بطالة وتهميش تحت سياسات التمييز

كشفت صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية عن معطيات مقلقة تعكس واقع التهميش الذي يعيشه الشباب العرب في الداخل الفلسطيني، في ظل سياسات إسرائيلية تُعمّق الفجوات وتُقوّض فرص اندماجهم في التعليم وسوق العمل، رغم ما يشكّلونه من طاقة بشرية هائلة كان يمكن أن تتحول إلى رافعة اقتصادية.

فمقارنة بالمجتمع الإسرائيلي عمومًا، الذي يُعد شابًا نسبيًا قياسًا بالدول الغربية، يتميّز المجتمع العربي بتركيبة عمرية أكثر شبابًا بشكل لافت. وتشير بيانات دائرة الإحصاء المركزية الإسرائيلية إلى أن نحو 60% من العرب في الداخل عام 2025 هم دون سن الثلاثين، فيما تبلغ نسبة من تتراوح أعمارهم بين 18 و29 عامًا نحو 22%.

في هذه المرحلة العمرية المفصلية، يُفترض بالشباب أن ينتقلوا من التعليم المدرسي إلى التعليم العالي، ومن التأهيل إلى سوق العمل، ومن الاعتماد على الأسرة إلى الاستقلال الاقتصادي. ويصف الباحثون هذه التركيبة بـ”العائد الديمغرافي”، أي فرصة اقتصادية ناتجة عن دخول جيل شاب إلى سوق العمل. إلا أن هذه الفرصة، وفق التقرير، لا تتحقق في المجتمع العربي، بل تتحول إلى عبء نتيجة الإقصاء الممنهج.

وبحسب معطيات منظمة “الفنار” لتعزيز تشغيل العرب، فقد ارتفعت نسبة الشباب العرب (18–24 عامًا) الذين لا يعملون ولا يدرسون إلى 34.5% منذ السابع من أكتوبر، مقارنة بـ26.2% في عام 2024 و25.2% في 2023. ويُظهر هذا الارتفاع تدهورًا متواصلًا بدأ منذ عام 2015، حيث كانت النسبة حينها 19.5%، وبلغت ذروتها خلال جائحة كورونا عند 36.6%، قبل أن تعود للارتفاع مجددًا في ظل الحرب.

ولا يقتصر الأمر على أزمة تشغيل، بل يعكس ظاهرة اجتماعية أعمق، تتمثل في جيل شاب عالق في مكانه، محروم من فرص التطور، ليس بسبب غياب الإرادة، بل نتيجة غياب المسارات الواضحة والداعمة.

ويقول سليمان العمور، المدير التنفيذي المشارك في معهد “أجيك – النقب”، للصحيفة، إن المجتمع العربي يمتلك طاقة شبابية كبيرة، لكن نسبة واسعة من هؤلاء الشباب لا تجد طريقها إلى العمل أو التعليم. ويضيف: “بدل أن يتحول هذا المعطى إلى نمو اقتصادي، يبقى جزء كبير من الشباب خارج المنظومة، بلا إطار أو أفق واضح”.

ويبرز التقرير أن أحد أبرز أسباب الأزمة يتمثل في غياب “سلسلة انتقالية” منظمة. ففي حين يشكّل التجنيد العسكري أو الخدمة المدنية لدى الشباب اليهود جسرًا بين المراهقة وسوق العمل، يُترك الشاب العربي بعد إنهاء الثانوية لمواجهة عقبات بنيوية، أبرزها فجوات اللغة، والبعد الجغرافي عن مراكز التشغيل، وضعف منظومة التعليم في توفير مسارات مهنية واضحة. وفي هذا الفراغ، تتعمق مشاعر الاغتراب والإحباط.

ولا تقتصر الخسارة -وفق التقرير- على تعطيل طاقات بشرية، بل تمتد إلى كلفة اجتماعية واقتصادية وأمنية تدفعها الدولة نفسها. فالكثير من الشباب، رغم امتلاكهم القدرات والدافعية، يفتقرون إلى الدعم المؤسسي والفرص المتكافئة، ما ينعكس شعورًا بفقدان الاتجاه والانفصال عن المجتمع.

ويحذّر التقرير من أن هذا الواقع يدفع بعض الشباب إلى هامش المجتمع، بل وإلى دوائر الجريمة. ففي عام 2025، شكّل الشباب بين 18 و30 عامًا نحو 51% من ضحايا العنف والجريمة، كما أن نسبة كبيرة من مرتكبي الجرائم تنتمي إلى هذه الفئة العمرية. ويؤكد الخبراء أن العلاقة بين البطالة والجريمة ليست صدفة، بل نتيجة مباشرة لانعدام الأفق الاقتصادي والاجتماعي.

ويضيف العمور أن غياب الأطر لفترات طويلة يدفع بعض الشباب للبحث عن بدائل، قد تكون خطيرة، في ظل بيئة تغذّي الانحراف والعنف، حيث يصبح الانزلاق سريعًا ومكلفًا.

وتعود جذور الأزمة، بحسب التقرير، إلى منظومة تعليمية عاجزة عن توفير استمرارية حقيقية، وسوق عمل غير متاح بشكل عادل، إضافة إلى بنية تحتية ضعيفة تعيق الوصول إلى مراكز التشغيل. كما ساهمت الحرب الأخيرة في تفاقم الوضع، عبر تقليص الفرص وزيادة حالة عدم اليقين وتراجع الشعور بالأمان، خاصة لدى الفئات المهمشة أصلًا.

ويؤدي تأخر انخراط الشاب العربي في سوق العمل مقارنة بنظيره اليهودي إلى تراكم فجوات في الخبرة والدخل، ما يحوّل التأخر المؤقت إلى فجوة دائمة تعمّق عدم المساواة.

وفي ختام التقرير، يدعو الخبراء إلى استثمار حقيقي في التعليم والتوجيه المهني، ومعالجة فجوات اللغة، وتعزيز برامج الانتقال بين التعليم وسوق العمل، محذرين من أن استمرار تجاهل هذه الفجوات سيؤدي إلى تفاقم الأزمة، وأن الثمن لن يكون محصورًا بالمجتمع العربي، بل سيمتد إلى المجتمع بأسره على المستويات الاجتماعية والاقتصادية والأمنية.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى