لصوص الركام.. توثيق شهادات عن سرقة الاحتلال للأنقاض من غزة (شاهد)

في الوقت الذي يرزح فيه قطاع غزة تحت وطأة دمار غير مسبوق خلف ما يتجاوز 60 مليون طن من الركام، برزت خطط إسرائيلية جديدة تتجاوز حدود التدمير العسكري، والإبادة الجماعية، إلى الاستغلال الاقتصادي ومحو ما تبقى من ذكريات للنازحين بين الأنقاض المدمرة.
وكشفت شهادات حية عن عمليات منظمة تقوم بها قوات الاحتلال الإسرائيلي لنقل ركام المنازل والأحياء المدمرة في مناطق واسعة من قطاع غزة، محيلة مناطق سكنية واسعة إلى مسطحات من الكثبان الرملية.
وقالت الصحفية، إيمان بارود، إنها لاحظت تحول مناطق “على مد البصر” في رفح، أقصى جنوب قطاع غزة، إلى مناطق مسطحة رملية خالية تماما من أنقاض الأحياء السكنية التي دمرها الاحتلال خلال الحرب.
وسجلت بارود مشاهدة حية لعمليات التجريف ونقل الأنقاض خلال سفرها خارج قطاع غزة أواخر تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، حين انطلقت في رحلتها الشاقة من مواصي مدينة خانيونس عبر الطريق الساحلي، وصولا إلى طريق محور صلاح الدين على الحدود المصرية، “فيلادلفيا”، وشرقا حتى معبر كرم أبو سالم (أقصى جنوب شرق رفح).

وفي شهادتها قالت: “خلال خروجي مؤخراً من غزة ومروري عبر محور فيلادلفيا وصولاً إلى معبر كرم أبو سالم، لم يكن لركام رفح المدمرة أثرٌ على امتداد البصر، بل أصبحت الأحياء السكنية مجرد أراضٍ مسطحة خالية تماماً من الأنقاض الأحياء التي سُويت بالأرض”.
“تل السلطان والجنينة والشابورة”
وأكدت بارود أنها استطاعت تمييز المناطق التي جرّفت ونقل منها الركام والأنقاض، وهي أحياء، تل السلطان ، ومخيم الشابورة، وحي الجنينة، وجميعها تقع بموازاة محور صلاح الدين، وكانت تضم آلاف المنازل المأهولة، قبل تدميرها، ونقل ركامها. وذكرت أنها لم تتمكن من توثيق هذه المشاهد بالكاميرا، ذلك أن استخدام الهاتف في هذه المنطقة التي تسيطر عليها قوات الاحتلال كان محظورا.

وأكدت أن هذه الأحياء التي كانت قبل الحرب مأهولة وتعج بالحياة، لم يكن لها أثر على الإطلاق، وتحولت إلى أراض فارغة تماما دون أي معالم، إلا من بعض المواقع العسكرية وأبراج المراقبة والاتصالات التي استحدثتها قوات الاحتلال.
وذكرت الصحفية بارود أنها كانت تسأل نفسها حين مرورها على هذا الطريق: “أين المنازل التي كانت في المكان، أين ذهب ركامها المدمر؟”. مشيرة إلى تلك المناطق أصبحت رملية مسطحة لا يوجد عليها أي حجر أو شجر أو أي معلم للحياة، إلا من ناقلات الجنود والدبابات التابعة لجيش الاحتلال.
وتشير بيانات بلدية رفح والتقارير الدولية إلى تدمير أكثر من 90% من منازل ومباني المدينة بشكل كامل أو جزئي، حيث تقدر تقارير بأن عمليات التدمير طالت أكثر من 20 ألف بناية، كانت تحتوي على أكثر من 50 ألف وحدة سكنية في رفح.
طلب أمريكي استغلته إسرائيل
ووفق مصادر إعلامية غربية وإسرائيلية، فإن عمليات تجريف وإزالة الأنقاض من قطاع غزة، مرتبطة بخطة للاستفادة من ركام قطاع غزة المدمر اقتصاديا، تحت غطاء طلب أمريكي بضرورة تحمل إسرائيل مسؤولية إزالة الأنقاض في قطاع غزة.
ففي كانون الأول/ ديسمبر الماضي، قالت صحيفة “يديعوت أحرونوت”، إن الحكومة الإسرائيلية وافقت على طلب رسمي من الولايات المتحدة بتولي المسؤولية الكاملة عن إزالة الركام الهائل في غزة، تحت مزاعم التمهيد لإعادة الإعمار.

بدورها، قالت صحيفة “تايمز أو إسرائيل”، إن مشروعا تجريبيا لنقل الأنقاض بدأ فعليا في حي وحد مدمر برفح تحت إشراف الجيش الإسرائيلي، وذلك بهدف تقدير التكاليف واللوجستيات المطلوبة قبل التوسع في باقي القطاع، لكن الشهادات تؤكد أن الخطة توسعت إلى مناطق عدة داخل رفح وفي عموم قطاع غزة، فيما تقوم آليات تابعة للاحتلال بإعادة تدوير الركام واستخدامه في تعبيد الطرق التي تسير عليها قوات جيش الاحتلال داخل القطاع.
“بيان عائلي” يكشف تفاصيل ما يجري
وفي دليل واضح على طبيعة ما يجري في رفح من تغيير لمعالم المناطق المدمرة، وإحالتها إلى “سواف رملية” جرداء، أصدر تجمع عائلي في الـ20 من الشهر الماضي يحذر فيه تورط شركات محلية مع جيش الاحتلال في عمليات الإزالة.
وقال بيان صادر عن “تجمع عائلات شهداء مدينة رفح”، إنه يستنكر ما تقوم به شركة مقاولات محلية (م.ع”) من استخراج رفات الشهداء من تحت الأنقاض في مدينة رفح جنوب قطاع غزة خلال عمليات نقل الأنقاض.
ولفت البيان إلى أن هذه الشركة تتعاون بشكل مباشر مع الاحتلال الإسرائيلي في مشاريع إزالة أنقاض البيوت وانتشال جثث الشهداء في جريمة متكاملة الأركان، مدينا “ما تقوم به الشركة حاليا من إزالة الركام وتخريب ممتلكات المواطنين وتغيير جغرافية المدينة بشكل كامل، وانتشال مئات جثث الشهداء من تحت ركام البيوت التي دمرها الاحتلال الاسرائيلي خلال حرب الإبادة”.
مناطق شرق خانيونس
ولا تقتصر عمليات إزالة الأنقاض على رفح فقط، بل إن مناطق واسعة في خانيونس تتعرض لنفس المصير أيضا، ففي شهادات جديدة، قال عدد من الفلسطينيين، إنه منذ حوالي أسبوعين لوحظت حركة نشطة للآليات في منطقة قيزان النجار، جنوب شرق مدينة خانيونس، وتحديدا في محيط مقر “الكلية الجامعية للعلوم والتكنولوجيا “.
وحسب شهود عيان، فقد تم إزالة ركام الكلية والمباني المحيطة بعد معالجتة (تقليل حجمه)، وتم نقله عبر شاحنات إلي الشرق، حيث تفيد تقارير عن إعادة استخدامه مجددا من قبل جيش الاحتلال في تعبيد الطرق التي يستخدمها.
وكشف شاهد عيان أن عمليات إزالة الأنقاض التي تقوم بها آليات الاحتلال والشركات المتعاقدة معه امتدت خلال الأيام الأخيرة إلى منطقة بني سهيلا شرق خانيونس، موضحا أن معدات ثقيلة وشاحنات تعمل هناك على نقل الركام على مدار الساعة.
منطقتا “الإدارة المدنية” وتل الزعتر
وبالتوازي، قال نازحون في مخيم جباليا، إنهم يسمعون أصوات شاحنات نقل كبيرة، و”بواقر”، وجرافات ضخمة ويشاهدونها أحيانا وهي تقوم بعمليات تجريف للركام في المنطقة الواقعة خلف الخط الأصفر، وتحديدا في شرق شارع الهوجا، وأيضا في محيط المستشفى الإندونيسي، وتنقل الأنقاض إلى مناطق في عمق الخط الأصفر شرقا.
ولفتت النازحة في مخيم جباليا “أم سعد” إلى أن بعض المناطق الشرقية والشمالية من المخيم أصبحت خالية كليا من الركام وأصبحت مفتوحة أمام العين المجردة، خصوصا منطقة “الإدارة المدنية” شرقا، وحي تل الزعتر شمالا، إضافة إلى محيط المستشفى الإندونيسي الذي حوله الاحتلال إلى مقر عسكري.
جيش الاحتلال يتجاوز الخط الأصفر ويتقدم وسط مخيم جباليا تزامنا مع قصف مدفعي وعمليات تجريف واسعة في محيط مفترق الترنس وشارع الهوجا..
اختراقات مستمرة لاتفاق وقف إطلاق النار دون أي تعليق من الوسطاء!! pic.twitter.com/mTaxMzJz5r— Imad Zakout | عماد زقوت (@ImadZakout) December 10, 2025
