إياب لا اغتراب (1-2)

الشيخ محمود وتد – عضو حركة الدعوة والإصلاح
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، أما بعد…
تخيلوا إنسانًا كان يومًا قريبًا من الله… كان إذا سمع القرآن خشع قلبه، وإذا قام للصلاة وجد فيها راحته، وإذا خلا بنفسه ناجى ربه بدمعة صادقة.
ثم مرّت الأيام… فأصبح القرآن يمرّ عليه فلا يتحرك قلبه كما كان، وأصبحت الطاعة ثقيلة بعدما كانت لذيذة،
وأصبح يشعر أن بينه وبين الله مسافة لم تكن موجودة من قبل.
ليس لأنه لا يحب الله… وليس لأنه يريد المعصية… لكن شيئًا في القلب برد… نوره خفت… همته ضعفت.
وهنا يبدأ الصراع الحقيقي في داخل الإنسان… صوت في القلب يقول: ارجع… عد كما كنت… افتح صفحة جديدة مع الله.
وصوت آخر يهمس: لقد ابتعدت كثيرًا… وسبق السابقون… وربما فات الأوان.
لكن الحقيقة التي يجب أن ندركها من البداية: أن الله لا يغلق باب العودة أبدًا.
بل إن من أعظم لحظات حياة المؤمن ليست لحظة الطاعة فقط… بل لحظة الرجوع بعد الفتور، ولحظة النهوض بعد التعثر، ولحظة الإقبال بعد الغفلة.
فالفرق بين إنسانٍ اغترب عن الله… وإنسانٍ عاد إلى الله… ليس أنه لم يضعف يومًا، بل أنه عرف طريق الإياب حين ضعُف.
لذلك من أعظم ما يمر به المؤمن في طريقه إلى الله حالة الفتور، تلك اللحظات التي يشعر فيها الإنسان أن قلبه لم يعد كما كان، وأن شوقه للطاعة خفّ، وأن عزيمته ضعفت.
كان يقوم الليل… فأصبح يكتفي بالفرائض، وكان يأنس بالقرآن… فأصبح يمرّ عليه مرورًا عابرًا. وكان قلبه يقظًا… فإذا به اليوم يشتكي من الغفلة.
لكن السؤال المهم ليس: هل فعلًا يحدث هذا الفتور؟ فإن كانت الإجابة نعم، فكيف نتعامل مع مثل هذا الفتور؟ وهل نجعل الفتور اغترابًا عن الله؟ أم نجعله بداية إيابٍ صادقٍ إليه؟ ولهذا كان عنوان حديثنا: إيابٌ لا اغتراب.
أيها الأحبة… من المهم أولًا أن نفهم طبيعة النفس البشرية، فالنفس لا تسير على خط مستقيم دائمًا، بل تمر بحالات:
إقبال… ثم فتور، نشاط… ثم ضعف ،قوة… ثم تعب ولهذا قال النبي ﷺ: “إن لكل عملٍ شِرّة، ولكل شِرّةٍ فترة، فمن كانت فترته إلى سنتي فقد اهتدى”، أي أن الفتور أمر طبيعي في حياة الإنسان. حتى الصحابة رضي الله عنهم شعروا بذلك. جاء حنظلة رضي الله عنه يومًا إلى أبي بكر رضي الله عنه وقال:
“نافق حنظلة!” تعجب أبو بكر وقال: وما ذاك؟ قال: نكون عند رسول الله ﷺ فيذكرنا بالجنة والنار حتى كأنّا نراهما رأي العين، فإذا خرجنا من عنده عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات فنسينا كثيرًا، فذهبوا إلى النبي ﷺ فقال: “لو تدومون على الحال التي تكونون عليها عندي لصافحتكم الملائكة.” أي أن هذا التفاوت في الحال طبيعة بشرية.
لكن الخطأ ليس في الفتور نفسه… الخطأ أن نستسلم له. فالقلوب مثل النار؛ إن لم تُغذَّ بالوقود خبت شيئًا فشيئًا. لماذا فترنا؟ الفتور لا يأتي غالبًا فجأة، بل وراءه أسباب خفية، ولهذا يحتاج الإنسان إلى لحظة صدق مع نفسه. يتبع.