أخبار وتقاريردين ودنيامقالاتومضات

بادر قبل أن تغادر

ليلى غليون

بالرغم من هذا التسارع الرهيب لعجلة الأيام والشهور والسنين، إلا أن هناك من يصر أن يبقى واقفًا على عتبات الانتظار أو جالسًا على محطاته مترددًا لا يجرؤ على اتخاذ قرار، ولا يملك من الإرادة أن يبادر أو يتقدم إلى الأمام ولو شبرًا رغم الفرص الثمينة بين يديه، تراه يؤجل، يسوف، يقنع نفسه بأن الغد سيأتي بما هو أفضل، وأن الفرص رهينة بين يديه وستظل قابعة خلف أبوابه منتظرة حتى يقرر هو ويفتح لها الأبواب ليستثمرها متى يشاء وكيف يشاء، يمضي سني عمره على مبدأ “سأفعل لاحقًا” “لا يزال في الوقت متسع” وقد غاب عن ذهنه الحقيقة التي تقول إن “لاحقًا” كلمة خادعة قد لا تأتي أبدًا، بل غابت عنه حقيقة أن الفرص لا تنتظر أحدًا وأنها إذا ذهبت ربما لن تعود مرة أخرى، وأن ما بين يديه الآن ربما لا يتكرر أبدًا. حتى إذا ذهبت السكرة وجاءت الفكرة كما يقول المثل الشعبي استيقظ وتنبه وأخذ يضرب أخماسًا بأسداس، وأخذه الندم إلى حيث لا ينفعه الندم.

فغالبًا لا يندم الإنسان على شيء فعله بقدر ندمه على شيء لم يفعله، يندم على تلك الفرص التي أضاعها بغفلة منه، على تلك الفرص التي مرت أمام ناظريه، ولكنه اختار أن يتجاهلها بدل صيدها واستثمارها، على تلك الفرص حين غرق في بحار التردد أو ربما هو الخوف من الفشل أو المجهول فاختار أن يؤجلها بدل المبادرة للقيام بها.

وقد أشار النبي الكريم صلى الله عليه وسلم لهذا المعنى العظيم لاغتنام الفرص الثمينة التي بين يدي الإنسان، وعدم التفريط بها أو التأجيل والتسويف، بل حث على المبادرة والسعي ما دام قادرًا قبل أن تُسلب منه القدرة وقبل زوالها، فكل نعمة مؤقتة، حيث قال صلى الله عليه وسلم: “اغتنم خمسًا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك”.

إنها وصية نبوية كريمة شاملة على استثمار هذه الفرص، بل النعم المتاحة في طاعة الله تعالى قبل فواتها، وعدم التسويف في ذلك، لأن التسويف هو العائق الأكبر، وهو من أخطر ما يؤخر لفعل الخير حين يقول الشخص:  “سأفعل لاحقًا” بينما الواقع يقول: “لاحقًا” غير مضمون، وحين يقول: “ليس الآن” بينما الواقع يقول: إن “الآن” الذي تملكه حقًا ربما لن يأتي مرة أخرى.

إنه التسويف ذاك المرض الخفي الذي يضعف الإرادة، كما أنه لا يمنع الإنسان من فعل الخير مباشرة، لكنه يؤجله حتى يضيع أو حتى يفقد الإنسان القدرة على الإتيان به فلا يفعله أبدًا.

وفي القرآن الكريم يأتي التحذير من التسويف من خلال الدعوة والحث على المبادرة والإسراع والسباق، يقول الله تعالى: “سارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين” (آل عمران، 133).

ويقول تعالى: “سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض أعدت للذين أمنوا بالله ورسله ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم” (الحديد، 21).

فمن هنا يتولد المعنى العميق لـ: بادر قبل أن تغادر، يتولد المعنى العميق للمسارعة والمسابقة، فربما نفد الوقت أو لم يبق منه إلا القليل.

– أن تبادر، يعني أن تملك الإرادة والوعي لتحطم قيود التردد والتأجيل، أن تقرر أن تبدأ الآن، أن تحب الآن، أن تسامح الآن، أن تتصالح مع نفسك الآن، أن تتصالح مع الآخرين الآن دون أن تنتظر حتى تصبح الظروف مناسبة أو تسمح بذلك، وقبلها وقبل كل شيء أن تتصالح مع الله عز وجل الآن، فبادر بالتوبة، فالمستقبل والعمر ليس مضمونًا.

– أبواب الخير لا تعد ولا تحصى، فبادر بفتح أي باب منها قبل أن تفقد القدرة عليه، بادر ببر والديك فلا يزال هذا الباب الذي يوصلك إلى الجنة مفتوحًا، ولا يزال والداك على قيد الحياة، بادر قبل أن يكون الدعاء لهما والترحم عليهما هما الوسيلة الوحيدة التي بقيت لك من برهما.

– بادر بصلة رحمك، ولا تُنسك كثرة مشاغلك ولهاثك خلف الدنيا وحطامها أن تصلها، فالرحم تناديك وتشتاق إليك، اجبر خاطرها قبل أن تباعد بينكما الأيام والظروف القاهرة من مرض أو موت أو.

– بادر بنقاء روحك وصفائها، بإصلاح قلبك قبل أن تتراكم عليه النكات والران، فيصبح أشد قسوة من الصخور والحجارة.

– أخطأت بحق أحد، زوجتك… جارك… صاحبك… زميلك في العمل… بادر بالاعتذار فورًا فالاعتذار قوة وشجاعة لا يملكها إلا أصحاب النفوس الراقية.

– كنت صاحب رأي ومشورة، بادر بالنصيحة ولا تتردد، “فالدين النصيحة” كما أخبر بذلك نبينا صلى الله عليه وسلم.

– بادر ولا تبخل بالكلام الطيب، فالكلام الطيب يصنع السعادة والأمل، اشكر من قدم لك معروفًا وتذكره في دعائك، أصلح بين الناس.

– بادر بتحقيق أحلامك، لأن الحياة لا تنتظر المترددين.

– بادر لأن الفرص لا تعود مرتين.

– بادر لأن الأثر الطيب لا يُصنع بالتأجيل.

– بادر قبل أن ترحل… غادر وقلبك خفيف لا يحمل أثقال الندم، وروحك لا تحمل أوجاعًا وقائمة طويلة من: “يا ليتني قدمت لحياتي”.

– غادر وقد قلت ما يجب أن يقال، وفعلت من الخير ما استطعت، وكنت صادقًا مع الله ومع نفسك ومع الناس.

– لا تؤجل ولا تسوف، ولا تنتظر وقتًا مثاليًا أو فرصة مناسبة، لأنك قد تغادر فجأة بمرض أو كبر أو موت أو تغير الظروف. يقول الدكتور عبد الكريم بكار: (أكبر وهم نعيشه هو انتظار “الفرصة المناسبة” فالحقيقة أن الفرص لا تأتي للمنتظرين، بل تتشكل عند أقدام الساعين الذين امتلكوا شجاعة البدء “بالإمكانيات المتاحة” لا “الظروف المثالية”).

ليس المطلوب أن تفعل كل شيء دفعة واحدة، بل أن تبدأ الآن… بخطوة صغيرة صادقة، فهذه الخطوة بمثابة إعلان داخلي أنك لست مترددًا، وأنك مدرك أن لكل لحظة قيمة وثمنًا، بل إنك صاحب همة متقدة وإرادة صلبة لا يقف أمامها عائق.

فالحياة تمضي مسرعة لا تنتظر أحدًا، والأيام تمضي بصمت ولا تستأذن أحدًا حين تغادر، والأعمار لا يعلم نهايتها إلا الله، وأنت بين خيارين، إما أن تسارع وتسابق وتبادر، وإما أن تظل قابعًا على مقعد التردد والتسويف لتندم وتتحسر، ولكن بعد أن يكون قد فاتك القطار.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى