أخبار وتقاريرمقالاتومضات

التعاطي غير المشروط مع الوعد الإلهي في حسابات المخططات الصهيوـ غربية

الشيخ رائد صلاح

تعاطت المخططات الصهيو-غربية مع الوعد الإلهي كأنه غير مشروط، وكأن الله تعالى وعد بني إسرائيل بالأرض المباركة لأنهم بنو إسرائيل، سواء آمنوا أو كفروا، وسواء أحسنوا أم أساؤوا، وسواء أصلحوا أم أفسدوا، فيكفي أنهم من بني إسرائيل في حسابات المخططات الصهيو-غربية حتى ينالوا الوعد الإلهي في الأرض المباركة.

وهذا الفهم مصادم لتوراة اليوم على الرغم مما اعتراها من تحريف صارخ، ولأهمية هذه القضية فقد رأيت من الواجب أن أتناولها بالتفصيل في مقالة أو أكثر، وبناء عليه فإنني أورد هذه النصوص من توراة اليوم:

1- (والآن إن سمعتم سماعًا لصوتي وحفظتم عهدي فإنكم تكونون لي خاصة من بين جميع الشعوب، لأن الأرض كلها لي، وأنتم تكونون لي مملكة من الكهنة وأمة مقدسة، هذا هو الكلام الذي تقول لبني إسرائيل) الخروج: 19/5-6.

فهذا النص من ضمن ما طلب الله تعالى من نبي الله موسى أن يقول لبني إسرائيل، وهو نص يؤكد أن حفظ الله تعالى لبني إسرائيل مشروط بحفظهم لعهد الله تعالى وأوامره ونواهيه، فإن هم حفظوها حفظهم الله تعالى، وإن أضاعوها فقدوا هذا الوعد الإلهي.

وهذا يعني أنه لا يوجد شيء اسمه الوعد الإلهي الأبدي لبني إسرائيل لأنهم بنو إسرائيل، سواء حفظوا عهد الله تعالى وأوامره ونواهيه أو أضاعوها.

2- (لا تقتل، لا تزن، لا تسرق، لا تشهد على قريبك شهادة زور، لا تشته بيت قريبك، لا تشته امرأة قريبك، ولا عبده، ولا أمته، ولا ثوره، ولا حماره، ولا شيئًا مما لقريبك). الخروج: 20/13-17.

وهذا يعني أن بني إسرائيل إن هم قتلوا أو سرقوا أو زنوا أو اعتدوا على بيت قريبهم وعرضه، فقد أضاعوا عهد الله تعالى، ولا يوجد شيء اسمه الوعد الإلهي الأبدي لبني إسرائيل سواء أصلحوا أو أفسدوا.

3- (والنزيل فلا تظلمه ولا تضايقه، فإنكم كنتم نزلاء في أرض مصر، ولا تسئ إلى أرملة ولا يتيم، فإن أسأت إليهما إساءة وصرخ إلي صراخًا فإني أصغي إلى صراخه، فيحتد غضبي وأقتلكم بالسيف، فتصير نساؤكم أرامل وبنوكم يتامى). الخروج: 22/20-23.

وهو نص يؤكد أن بني إسرائيل ليسوا فوق العقوبة الربانية بادعاء أنهم بنو إسرائيل، فإن هم أساؤوا لابن السبيل والأرملة واليتيم بغض النظر عن جنس هؤلاء ونسبهم ولونهم، فإن الله سيحتد غضبه على بني إسرائيل وسيقتلهم بسيفه، وستصير نساؤهم أرامل وسيصير بنوهم يتامى، مما يؤكد مرة بعد مرة أنه لا يوجد شيء اسمه الوعد الإلهي الأبدي لبني إسرائيل في أرض أو منزلة لأنهم بنو إسرائيل.

4- (فاحفظوا جميع فرائضي وأحكامي واعملوا بها لئلا تتقيأكم الأرض التي أنا مدخلكم إليها لتسكنوا فيها. ولا تسيروا على ممارسات الأمم التي أنا طاردها من أمامكم، فقد صنعت هذا كله فكرهتهم). الأحبار: 20/22-23.

ووفق هذا النص فإن الله تعالى ينذر بني إسرائيل أنهم إذا ضيعوا فرائض الله وأحكامه فستتقيأهم الأرض، وسيحل بهم ما حل بالأمم السابقة التي سكنت الأرض المباركة، ولكنها لما أضاعت فرائض الله وأحكامه فقد طردها الله تعالى من الأرض المباركة بسبب قبيح أعمالها. وهذا يعني أن الأرض المباركة لم تكن خالية قبل بني إسرائيل، بل سكنتها أمم وعمرت الأرض المباركة، ولكنها لما أضاعت فرائض الله وأحكامه فقد طردها الله تعالى من الأرض المباركة، وهذا يعني أن المنحة الإلهية في الأرض المباركة هي منحة مشروطة بطاعة الله تعالى، وإلا من عصى الله تعالى من هذه الأمم فسيطرده الله تعالى من هذه الأرض بغض النظر عن اسم أية أمة سكنت الأرض المباركة، وبغض النظر عن نسبها ودمها وقوميتها، وما انطبق على تلك الأمم ينطبق على بني إسرائيل وفق دلالات هذا النص في سفر الأحبار، أحد أسفار توراة اليوم.

وهذا يعني أن المنحة الإلهية في الأرض المباركة قد أعطيت إلى أمم أخرى قبل بني إسرائيل، ولم يكن بنو إسرائيل هم أول من نال هذه المنحة الإلهية من الله تعالى، وهذا يعني أن هذه المنحة الإلهية في الأرض المباركة ليست أبدية لأي أمة في الأرض، بما في ذلك بنو إسرائيل، بسبب نسب هذه الأمة ودمها وقوميتها.

وهذا يعني أن الأرض المباركة هي لله تعالى وليست لأي أمة في الأرض وفق هذا النص في سفر الأحبار، والذي يحكم هذه الأرض هو قانون الاستبدال، فأي أمة منحها الله تعالى هذه الأرض المباركة ثم بعد أن سكنتها عصت الله تعالى، فإن الله تعالى يستبدلها بأمة أخرى، وهو قانون أبدي لا يتوقف ما دامت الدنيا، ولا يتعطل هذا القانون عند أمة من الأمم وإن كانت بني إسرائيل بسبب نسبها ودمها وقوميتها، وفق هذه الدلالة الواضحة في هذا النص في سفر الأحبار، ومن ينكر ذلك ينكر توراة اليوم.

5- (وإن لم تسمعوا لي ولم تعملوا بجميع هذه الوصايا ونبذتم فرائضي وسئمت نفوسكم أحكامي فلم تعملوا بجميع وصاياي ونقضتم عهدي، فهذا ما أصنع بكم أنا أيضًا: أسلط عليكم رعبًا وضنى وحمى تفني العينين وتتلف النفس، وتزرعون زرعًا فيأكله أعداؤكم، وانقلب عليكم فتهزمون من وجوه أعدائكم، ويتسلط عليكم مبغضوكم، وتفرون وليس من يطارد لكم، وإن لم تسمعوا لي بعد هذا زدتكم تأديبًا على خطاياكم سبعة أضعاف. فأحطم تشامخ عزكم، وأجعل سماءكم كالحديد وأرضكم كالنحاس، وتنفد قوتكم عبثًا، ولا تخرج أرضكم غلتها، وشجر الأرض لا يخرج ثمره. وإن عاديتموني في سيركم معي وأبيتم أن تسمعوا لي، زدتكم سبعة أضعاف من الضربات على خطاياكم، وأطلق عليكم وحوش البرية فتثكلكم، وتهلك بهائمكم، وتقللكم، فتقفر طرقكم.

وإن لم تتأدبوا بهذه وعاديتموني في سيركم معي، عاديتكم أنا أيضًا في سيري معكم، وضربتكم سبعة أضعاف على خطاياكم، فجلبت عليكم سيفًا ينتقم نقمة العهد، فتتجمعون إلى مدنكم، وأنزلت الوباء فيما بينكم فتسلمون إلى يد العدو.

وإذا قطعت عنكم سند الخبز، تخبز عشر نساء خبزكم في تنور واحد، ويأتين بخبزكم بالميزان، وتأكلون ولا تشبعون.

وإن لم تسمعوا لي بعد ذلك وعاديتموني في سيركم معي، عاديتكم أنا أيضًا في سيري معكم ساخطًا، وأدبتكم سبعة أضعاف على خطاياكم، فتأكلون لحم بنيكم وتأكلون لحم بناتكم. وأدك مشارفكم وأحطم مذابح بخوركم، وألقي جثثكم على جثث أوثانكم القذرة، وتسأم نفسي منكم.

وأجعل مدنكم خرابًا، ومقدساتكم قفرًا، ولا أشم رائحة رضى منكم، وأترك الأرض قفرًا فينذهل لها أعداؤكم الذين يسكنونها.

وأبددكم بين الأمم، وأستل وراءكم سيفًا، فتصير أرضكم قفرًا ومدنكم خرابًا.

حينئذ تستوفي الأرض سبوتها طوال أيام خرابها وأنتم في أرض أعدائكم، حينئذ تستريح الأرض وتستوفي سبوتها، طوال أيام خرابها، تستريح ما لم تسترح في سبوتكم مدة إقامتكم فيها.

والباقون منكم ألقي الجبن في قلوبهم في أراضي أعدائهم، حتى يهزمهم صوت ورقة متطايرة، فيهربون هربهم من السيف ويسقطون وليس من مطارد.

ويعثر الرجل بأخيه كمن يهرب من أمام السيف وليس من مطارد، ولا تكون لكم مقاومة في وجوه أعدائكم، وتهلكون بين الأمم، وتأكلكم أرض أعدائكم.

والباقون منكم يتعفنون بإثمهم في أراضي أعدائكم، وبآثام آبائهم معهم أيضًا يتعفنون.

حتى يعترفوا بإثمهم وبإثم آبائهم في خيانتهم لي، وأيضًا في معاداتهم لي في سيرهم معي). الأحبار: 26/14-41.

فهو نص واضح يؤكد أن بني إسرائيل ليسوا فوق سنن الله تعالى في عقوبة الأمم العاصية لله رب العالمين، بل هم محكومون بهذه السنن وإن كانوا بني إسرائيل، فإن هم لم يعملوا بوصايا الله تعالى، وإن هم نبذوا فرائضه، وإن سئمت نفوسهم من أحكام الله تعالى، وإن هم نقضوا عهد الله تعالى، فستحل بهم عقوبات الله تعالى المفصلة في هذا النص الطويل من سفر الأحبار.

وهذا يعني أن الأرض المباركة لله تعالى، ويوم أن منح الله تعالى وعدًا إلهيًا لإبراهيم وإسحاق ويعقوب في هذه الأرض فقد منحهم هذا الوعد ليسكنوا في هذه الأرض ويعبدوا الله تعالى ويحفظوا فرائضه ووصاياه، وهو ما ينطبق على بني إسرائيل، وإلا فستتقيأهم الأرض المباركة كما تقيأت غيرهم من أمم أخرى سكنت الأرض المباركة قبلهم، فتتقيأهم الأرض المباركة لما عصت الله تعالى وأضاعت عهده وأوامره ونواهيه.

وهذا ما نجده في النص الذي وقفت عنده في بداية هذه المقالة: (فاحفظوا جميع فرائضي وأحكامي واعملوا بها لئلا تتقيأكم الأرض التي أنا مدخلكم إليها لتسكنوا فيها، ولا تسيروا على ممارسات الأمم التي أنا طاردها من أمامكم، فقد صنعت هذا كله فكرهتهم) الأحبار: 20/22-23.

فواضح أن الله تعالى أدخل بني إسرائيل الأرض المباركة ليسكنوا فيها كما قال هذا النص الأخير، لا ليستولوا عليها باسم الوعد الإلهي، بالضبط كما سكنها كل من أنبياء الله إبراهيم وإسحاق ويعقوب، ولم يستول أحد منهم عليها باسم الوعد الإلهي.

وواضح أن دخول بني إسرائيل الأرض المباركة مشروط بحفظ جميع فرائض الله تعالى وأحكامه، وهذا يعني أن بني إسرائيل لم يكونوا أول من عاش هذا الامتحان الإلهي في الأرض المباركة، بل سبقتهم أمم في الأرض المباركة، وأرسل الله تعالى إليها الأنبياء، وأمرهم أنبياؤهم بحفظ فرائض الله تعالى وأحكامه. ثم لما أضاعوا تلك الفرائض والأحكام تقيأتهم الأرض المباركة، ثم أدخل الله تعالى بني إسرائيل إلى الأرض المباركة، وعاشوا الامتحان الإلهي نفسه الذي عاشته أمم قبلهم في الأرض المباركة، فماذا كان حال بني إسرائيل في هذا الامتحان؟ هل حفظوا فرائض الله تعالى وأحكامه أم أضاعوها؟

وفق نصوص توراة اليوم فإن تلك النصوص تؤكد أنهم قد أضاعوا فرائض الله تعالى وأحكامه، بل عبدوا آلهة وثنية من دون الله تعالى، هي البعل وعشتروت، بل صنعوا لهم آلهة أخرى إلى جانب البعل وعشتروت.

ولأهمية هذا الموضوع فسوف أفصل الحديث عنه في مقالة قادمة.

6- (وكلم بني إسرائيل قائلًا: أي رجل لعن إلهه يحمل خطيئته، ومن جدف على اسم الرب فليقتل قتلًا، ترجمه كل الجماعة رجمًا، نزيلًا كان أو ابن البلد، إذا جدف على الاسم يقتل). الأحبار: 24/15-16.

فإذا كان حكم من يجدف على اسم الرب يقتل في أحكام توراة اليوم كما ورد في هذا النص الوارد أعلاه، فكيف يمكن لمن يصرح أنه ملحد لا يؤمن بالله تعالى كهرتسل، وكيف ببن غوريون الذي كتب في مذكراته أنه ملحد لا يؤمن بالله تعالى، هل يعقل أن يدعي كل منهما أنه صاحب حق توراتي في الأرض المباركة وهو ملحد؟ أو أن يدعي أنه صاحب وعد إلهي وحق تاريخي في الأرض المباركة وهو ملحد؟

ثم يا للعجب، كيف يمكن للملحد بن غوريون أن يتمادى بعد ذلك ويقول: (لا قيمة لإسرائيل بدون القدس، ولا قيمة للقدس بدون الهيكل)، فعن أي هيكل يتحدث وهو الذي لا يؤمن بالله تعالى؟

7- (وإذا افتقر أخوك وضعفت يده عندك فاسنده، وليعش معك كنزيل وضيف، لا تأخذ منه فائدة ولا ربا، بل اتق إلهك فيعيش أخوك معك، لا تعطه فضتك بفائدة، ولا طعامك بربا). الأحبار: 25/36-37.

فكيف يمكن التوفيق بين المتناقضات، حيث إن الحركة الصهيونية تدعي أنها صاحبة وعد إلهي في الأرض المباركة، وتدعي أن توراة اليوم تشهد لها على ذلك، ومن جهة أخرى ها هي تقيم كل اقتصادها على الربا، وبذلك تخالف توراة اليوم؟!

أم أنها أجازت لنفسها أن تكفر ببعض توراة اليوم وأن تؤمن ببعضها، مما يعني أنها تهدم بذلك العهد مع الله تعالى، وتتجاهل أوامره ونواهيه، وتسقط بذلك شروط استحقاق الوعد الإلهي؟

8- (وأي رجل ضاجع ذكرًا مضاجعة النساء فقد صنع كلاهما رجسًا، فليقتلا، دمهما عليهما). الأحبار: 20/13.

فكيف للحركة الصهيونية أن تدعي أنها تستمد مشروع وجودها من توراة اليوم، وتتمسك بالقدس الموحدة كحق توراتي، وتدعو إلى بناء هيكل على حساب المسجد الأقصى كحق توراتي، وها هي المؤسسة الإسرائيلية قد وفرت الحماية لمظاهرة الشاذين جنسيًا في القدس، وهو الفعل القبيح الرذيل الذي تنهى عنه توراة اليوم؟

فأي حق تاريخي وأي وعد إلهي قد يبقى، وها هي المؤسسة الإسرائيلية تصادم علانية توراة اليوم، وها هي توفر الفرص للشاذين جنسيًا كي يتقدموا في مسيرة حياتهم، لدرجة أن البعض منهم تقلد منصب وزير أو رئيس الكنيست، بل إن البعض منهم تقلد منصب قاضي استئناف في المحاكم الإسرائيلية.

9- (إني جاعل أمامكم اليوم بركة ولعنة، البركة إن سمعتم لوصايا الرب، واللعنة إن لم تسمعوا لوصايا الرب إلهكم، وإن حدتم عن الطريق التي أنا موصيكم بها اليوم، لتسيروا وراء آلهة لم تعرفوها). تثنية الاشتراع: 11/26-28.

فهو نص صريح يؤكد أنه لا مجال للحلول الوسط، فإما الاستماع لوصايا الرب وفي ذلك البركة واستحقاق الوعد الإلهي في الأرض المباركة، وإما التنكر لوصايا الرب ومصادمتها، ففي ذلك اللعنة الإلهية وخسران الوعد الإلهي في الأرض المباركة.

وهذا يعني لكل عاقل أن بني إسرائيل ما حصلوا على الوعد الإلهي أو المنزلة عند الله تعالى لأنهم بنو إسرائيل دمًا ونسبًا وقومية، بل كانوا طوال الوقت في امتحان: هل سيحفظون عهد الله وأوامره ونواهيه أم سيضيعونها؟

فماذا كانت النتيجة؟ هذا ما سأفصل فيه في المقالة التالية.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى