مقولة الحق التاريخي في حسابات المخططات الصهيو-غربية

الشيخ رائد صلاح
هذه المخططات الصهيو- غربية تدعي أن لها حقًا تاريخيًا أبديًا في الأرض المباركة، وتدعي أن هذا الحق التاريخي قد بدأ منذ دخول بني إسرائيل إلى الأرض المباركة، وتدعي أن هذا الحق التاريخي يخولها الامتداد بسيادتها من النيل إلى الفرات، ويخولها تطهير الأرض المباركة من أي وجود لأي شعب سوى الشعب اليهودي، ويخولها تهويد هذه الأرض المباركة وتهويد القدس المباركة بخاصة، وبناء هيكل على حساب المسجد الأقصى، ثم تدعي أنها تستند في كل ذلك إلى توراة اليوم.
وسلفًا أقول، نحن نؤمن أن التوراة التي أنزلت على نبي الله موسى كان فيها هدى ونور كما قال في ذلك القرآن الكريم: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾ المائدة 44، إلا أن هذه التوراة قد داخلها التحريف بعد موت نبي الله موسى، وقد أكدت ذلك دراسات دينية يهودية معاصرة وقف على رأسها الحاخام جينتر بلوت، ولذلك ما عادت توراة اليوم صالحة بعد تحريفها أن تكون مستندًا لمثل هذه المخططات الصهيو غربية.
ومع ذلك سأناقش أقوال توراة اليوم التي تتحدث عن الحق التاريخي، وهل هو حق مشروط أم حق مطلق، وبناء عليه أورد هذه المقولات من توراة اليوم:
1- (وخرجوا ليذهبوا إلى أرض كنعان، فأتوا أرض كنعان). سفر التكوين 12:5.
2- (فأقام أبرام في أرض كنعان). سفر التكوين 12:13.
3- (فبعد عشر سنين من إقامة أبرام في أرض كنعان). سفر التكوين 16:3.
4- (ونزل إبراهيم في أرض الفلسطينيين أيامًا كثيرة). سفر التكوين 21:34.
5- (وماتت سارة في قرية أربع التي هي حبرون في أرض كنعان). سفر التكوين 23:2.
6- (لما أراد إبراهيم أن يدفن سارة لم يجد موضع قبر كي يدفنها، فتوجه إلى بني حث في أرض كنعان وقال لهم: أنا نزيل ومقيم عندكم، أعطوني ملك قبر عندكم فأدفن ميتي من أمام وجهي). سفر التكوين 23:4.
7- (وهي حبرون في أرض كنعان، وأصبح الحقل والمغارة التي فيه لإبراهيم ملك قبر من عند بني حث). سفر التكوين 23:20.
8- ( فمضى إسحاق إلى أبيملك ملك الفلسطينيين في جرار). سفر التكوين 26:1.
9ـ ثم يقول النص على لسان إسحاق: (لئلا يقتلني أهل المكان). سفر التكوين 26:7.
10- ووفق تلك النصوص قال إبراهيم لبني حث في أرض كنعان: (واسألوا لي عفرون بن صوحر أن يعطيني مغارة المكفيلة التي له في طرف حقله، في وسطكم يعطيني إياها بثمنها الكامل لتكون لي ملك قبر). سفر التكوين 23:8-9.
فكل هذه النصوص العشرة الواردة هنا تؤكد أن الأرض المباركة لم تكن أرضًا بلا شعب وبلا حياة وبلا تاريخ قبل أن ينزل فيها نبي الله إبراهيم. بل كان فيها شعب هو الشعب الكنعاني، وقد ملك الأرض المباركة، وتسمت الأرض المباركة باسمه أرض كنعان كما هو واضح في النصوص الواردة أعلاه، وكان للشعب الكنعاني حياة في تلك الأرض، وكان شعبًا منظمًا، ولم يكن مجرد قبائل مبعثرة بلا رابطة في الأرض المباركة.
وهذا هو النص السابع من تلك النصوص الواردة أعلاه يبين أن لذلك الشعب كان ملك، وقد سماه النص كما هو واضح ملك الفلسطينيين، وهذا يعني أن لذلك الشعب كان تاريخ على تلك الأرض اسمه التاريخ الكنعاني، ( التاريخ الفلسطيني)، قبل نزول نبي الله إبراهيم في تلك الأرض وقبل دخول بني إسرائيل إليها.
وهذا يعني أن الحياة في تلك الأرض لم تبدأ ببني إسرائيل، وأن التاريخ في تلك الأرض لم يبدأ ببني إسرائيل، وأن نظام الحكم في تلك الأرض لم يبدأ ببني إسرائيل. وهذا يعني أن المخططات الصهيو غربية إذا أرادت أن تحتكم إلى الحق التاريخي الصرف كما هو، فالجواب واضح في هذه النصوص الواردة أعلاه، ويؤكد أن الحق التاريخي للشعب الكنعاني، (الشعب الفلسطيني).
ولذلك فإن كثرة ترديد المخططات الصهيو غربية قولها إنها مرتبطة بالأرض المباركة منذ ثلاثة آلاف عام، وأن هذا ما يمنحها الحق التاريخي بامتياز، هذا قول مردود عليها، لأنه عاش في تلك الأرض شعب قبل تلك الثلاثة آلاف عام، وكان له حياة ونظام حكم وتاريخ، وهو ما تؤكده النصوص الواردة أعلاه.
لذلك فإذا كان الحق التاريخي المجرد وحده يعطي الأرض المباركة لأحد، فالحق والأحق بذلك، الشعب الأصلي فيها، هم الكنعانيون الفلسطينيون، بدليل أن نبي الله إبراهيم قال لأصحاب هذه الأرض المباركة وفق النص الخامس الوارد أعلاه: (أنا نزيل ومقيم عندكم)، ثم قال لهم: (أعطوني ملك قبر عندكم)، بمعنى أنه طلب قطعة أرض من أرضهم ليقيم فيها قبرًا لسارة، لا ليقيم فيها وطنًا لشعب بلا أرض كما تدعي هذه المخططات الصهيو غربية.
وبدليل أن نبي الله إبراهيم قال لأصحاب تلك الأرض وفق النص العاشر الوارد أعلاه: (واسألوا لي عفرون بن صوحر أن يعطيني مغارة المكفيلة التي له في طرف حقله في وسطكم). فوفق هذا النص فإن نبي الله إبراهيم بيّن أن تلك المغارة كانت( له)، أي لعفرون بن صوحر، وكانت (في طرف حقله)، أي في طرف حقل عفرون بن صوحر، وكانت (في وسطكم)، أي في وسط بني حث في أرض كنعان.
ثمّ يقول النص التاسع الوارد أعلاه على لسان نبي الله إسحاق: (لئلا يقتلني أهل المكان)، فهو يؤكد أن لتلك الأرض كان أهل، ولم تكن أرضًا بلا شعب كما ادعت ذلك المخططات الصهيو غربية.
وهل هناك أصوب من فهم نبي الله إبراهيم ونبي الله إسحاق لمقولة الحق التاريخي؟ وكم كان سهلًا على أحدهما أن يدعي وجود حق تاريخي له في تلك الأرض، ثم أن يستند إلى ذلك الادعاء ويطالب بإقامة وطن له، ولكنهما لم يقوما بذلك، بل تعاملا مع أهل تلك الأرض على اعتبار أنهم أصحاب تلك الأرض ماضيًا وحاضرًا ومستقبلًا.
ومن يدعي غير ذلك فهو يخالف توراة اليوم، سواء كانت المخططات الصهيو غربية أو غيرها.
ثم ظلت توراة اليوم تؤكد في الكثير من نصوصها أن الأرض المباركة لم تكن أرضًا مجهولة الهوية، بل كان فيها شعب، وكان ذلك الشعب هو صاحب تلك الأرض، وقد سمت توراة اليوم تلك الأرض باسمه.
وعلى سبيل المثال أورد هذه النصوص:
1- ( هؤلاء بنو عيسو الذين وُلِدوا له في أرض كنعان). سفر التكوين 36:5، وعيسو هو الابن البكر لنبي الله إسحاق.
2- (وأخذ عيسو نساءه وبنيه وبناته وكل نفس في بيته ومواشيه وكل بهائمه وسائر مقتناه التي اقتنى في أرض كنعان وانتقل إلى أرض بعيدة عن وجه يعقوب أخيه). سفر التكوين 36:6.
3- (وسكن يعقوب في الأرض التي تغرّب فيها أبوه في أرض كنعان). سفر التكوين 37:1.
فها هي هذه النصوص الثلاثة الواردة أعلاه، لا تزال تؤكد ما أكدته النصوص السابقة، مبينة أن الأرض المباركة لم تكن مشاعًا عامًا بلا شعب يعيش فيها ويملكها، بل كانت تعرف باسم أرض كنعان، لأن شعب كنعان هو الذي عاش فيها وبنى له نظام حكم فيها، فحملت تلك الأرض اسمه، وظلت تحمل اسمه ما قبل نزول نبي الله إبراهيم فيها، وظلت هذه الأرض تحمل هذا الاسم (أرض كنعان) بعد ميلاد نبي الله إسحاق فيها، وبعد ميلاد نبي الله يعقوب فيها.
ثم ظلت توراة اليوم تؤكد هذا الاسم في سائر أسفارها الخمسة، ثم أكدت هذا الاسم ملحقات توراة اليوم، ومن يخالف ذلك فهو يخالف توراة اليوم وملحقاتها.
وكما هو معروف وفق نصوص توراة اليوم، فإن أنبياء الله إبراهيم وإسحاق ويعقوب، عاشوا في تلك الأرض المباركة ثلاثمئة سنة، ثم انتقلت ذرية يعقوب وعاشت في مصر حتى وفاة نبي الله يوسف مائة عام، وهذا يعني أن ذرية يعقوب ما وجدوا حرجًا أن يغادروا الأرض المباركة وأن يستوطنوا في مصر، وما وجدوا في ذلك معصية لله تعالى.
وهكذا مضت أربعمئة عام، هي مدة حياة أنبياء الله إبراهيم وإسحاق ويعقوب، ومدة حياة ذرية يعقوب في مصر، وتوراة اليوم تؤكد في نصوصها على مدار هذه الأربعة قرون أن الأرض المباركة هي أرض كنعان.
وعلى سبيل المثال تقول توراة اليوم في سفر التكوين:
1- (فأخذ أبرام ساراي امرأته ولوط ابن أخيه وجميع أموالهما إلى أرض كنعان وأتوا أرض كنعان). 12:5.
2- (وأتى بنو إسرائيل في من أتى- أي إلى مصر- ليَشتروا حبًا لأن المجاعة كانت في أرض كنعان). 42:5.
3- (ولما رأى يوسف إخوته عرفهم، ولكنه تنكر لهم وكلمهم بقسوة، وقال لهم: من أين جئتم؟ قالوا: من أرض كنعان). 42:7.
4- (ثم قال يوسف لإخوته ولبيت أبيه: أنا أصعد إلى فرعون لأخبره وأقول له إن إخوتي وبيت أبي الذين كانوا في أرض كنعان قد قدموا إليّ). 46:31.
5- (وأوصاهم يعقوب وقال لهم: أنا أُضَمُّ إلى أجدادي، فادفنوني مع آبائي في المغارة التي في حقل عفرون الحثي، المغارة في حقل المكفيلة بإزاء ممر في أرض كنعان). 49:29.
فها هي هذه النصوص الخمسة لا تزال تؤكد أن الأرض المباركة هي أرض كنعان، ووفق النص الخامس منها فإن نبي الله يعقوب لما طلب من أبنائه أن يعيدوه إلى الأرض المباركة فقد طلب ذلك بهدف أن يدفنوه مع آبائه، لا بدافع العودة إلى الأرض المباركة من أجل إقامة وطن قومي فيها لذريته. ولو أراد ذلك لصرح بذلك لأبنائه ولدعاهم للخروج من مصر والانتقال إلى الأرض المباركة، ولكنه ما دعاهم لذلك، وهذا يعني أنه أقر بقاءهم في مصر.
ثم ظلوا بمصر وتكاثروا فيها حتى بعث الله نبي الله موسى، وخلال كل هذه الفترة الزمنية الطويلة لم يتحدثوا عن شيء اسمه الحق التاريخي ولا عن شيء اسمه العودة إلى الأرض المباركة لإقامة وطن قومي فيها استنادًا إلى الحق التاريخي.
ثم لما بعث الله تعالى موسى نبيًا، وبعد أن أخرج نبي الله موسى بني إسرائيل من مصر، تقول توراة اليوم في سفر العدد: (وكلم الرب موسى قائلًا: مر بني إسرائيل وقل لهم إذا دخلتم أرض كنعان فهذه هي الأرض التي تقع لكم ميراثًا، أرض كنعان بحدودها). 34:2.
فهذا النص الأخير يتحدث عن الأرض المباركة مبينًا أنها أصبحت ميراثًا لبني إسرائيل، (هي الأرض التي تقع لكم ميراثًا)، ولكن على شرط صحة هذا النص فإن هذا الميراث هو ميراث مشروط بشروط، فإن حافظت بني إسرائيل على الشروط حافظت على هذا الميراث، وإن أضاعت هذه الشروط أضاعت هذا الميراث. أي أنها لم تتلقَّ هذا الميراث من الله تعالى لأنها بنو إسرائيل من حيث الدم والنسب والقومية، بل تلقت هذا الميراث عندما اتبعت نبي الله موسى، وبسبب هذا الاتباع أصبحت صالحة في ميزان الله تعالى. عندها فقط تلقت هذا الميراث على اعتبار أنها حافظت على شروط هذا الميراث. ويؤكد ذلك قول توراة اليوم في سفر الخروج: (والآن إن سمعتم سماعًا لصوتي وحفظتم عهدي فإنكم تكونون لي خاصة من بين جميع الشعوب لأن الأرض كلها لي). 19:5.
فوفق هذا النص فإن شروط هذا الميراث تفرض على بني إسرائيل أن يحفظوا عهد الله تعالى، فإن هم حافظوا على هذا الشرط حافظوا على هذا الميراث، وإن هم أضاعوا شرط الحفاظ على عهد الله تعالى أضاعوا هذا الميراث، مع تأكيد هذا النص الأخير أن الأرض المباركة هي لله تعالى وليست لبني إسرائيل، (لأن الأرض كلها لي).
فكما أنهم تلقوها ميراثًا من الله تعالى عندما حافظوا على شروط هذا الميراث، فإن الله تعالى يسلبها منهم إن هم أضاعوا شروط هذا الميراث. ونجد تأكيدًا لذلك، قول توراة اليوم في سفر الأحبار: (وأما الأرض فلا تبع بتاتًا لأنها لي الأرض، وإنما أنتم نزلاء وضيوف عندي). 25:23.
وهكذا دخل بنو إسرائيل الأرض المباركة على اعتبار أن الأرض كلها لله وليست لهم، وعلى اعتبار أنهم في امتحان دائم ما داموا في هذه الأرض المباركة. ومفاد هذا الامتحان: هل سيحافظون على شروط هذا الميراث أم سيضيعونها؟
ولأن هذا الموضوع في غاية الأهمية، فسأفرد له مقالة مستقلة قادمة إن شاء الله تعالى، مع التذكير أنني كتبت عن هذا الموضوع بالتفصيل في كتابي «نظرات في سورة الفاتحة والبقرة».
ثم أقول على عجالة: إن توراة اليوم تبين لنا في سياقات أسفارها وملحقاتها، أن بني إسرائيل أضاعوا شروط هذا الميراث، والدليل الصارخ على ذلك أنهم أدخلوا التحريف في التوراة التي أنزلها الله تعالى على نبي الله موسى، وكان فيها هدى ونور.
فلما أضاعوا تلك الشروط سلبهم الله تعالى ذلك الميراث، وسلبهم أمانة الحفاظ على الأرض المباركة، كما سلب الله تعالى ذلك الميراث وأمانة الحفاظ على الأرض المباركة من أمم قبلهم عندما أضاعت شروط ذلك الميراث بعد أن سكنت الأرض المباركة قرونًا طويلة قبل أن يدخلها بنو إسرائيل.
نعم، هذا ما تقوله توراة اليوم وملحقاتها في سياقات كثيرة، وهو موضوع في غاية الأهمية، ولا تكفي هذه العجالة، ويحتاج إلى تفصيل أكثر، وهذا ما سأقوم به في مقالات قادمة بإذن الله تعالى. وما توفيقي إلا بالله تعالى.
