أخبار وتقاريرالقدس والأقصىمقالاتومضات

معركة الوعي (276) الأقصى المبارك: الخطر المحدق وحتمية الزوال

حامد اغبارية

1)

منذ احتلاله عام 1967 تسعى الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، بصفتها الذراع التنفيذية للمشروع الصهيوني، إلى بسط سيادتها الكاملة على المسجد الأقصى المبارك والحصول على شرعية في السيطرة على أولى القبلتين، لكنها لم تستطع تحقيق هذه الشرعية، وإن كانت تفرض سيطرتها بالبطش وبقوة السلاح كونها سلطة احتلال. ولقد شهد المسجد الأقصى، منذ أن وقع تحت الاحتلال الصهيوني، الكثير من المحطات المفصلية والمؤلمة التي كانت من إفرازات ممارسات الاحتلال وسياسات حكوماته، غير أن أسوأ ما تعرض له المسجد هو إقدام الاحتلال على إغلاقه تماما في وجه المصلين وعدم السماح بدخولهم، وذلك بحجج وذرائع خادعة كاذبة.

وطوال سنوات احتلاله أغلق الاحتلال المسجد الأقصى إغلاقا كاملا على مدار الساعة خمس مرات، خاصة في أيام الجمعة، كانت أولاها يوم الجمعة؛ التاسع من حزيران، بعد يومين من احتلاله عام 67، والثانية في تموز 2017 حين حاول الاحتلال فرض البوابات الإلكترونية، والثالثة والرابعة في حزيران من العام الماضي (2025) عقب العدوان الأمريكي- الإسرائيلي على إيران، فيما يعرف بـ “حرب الـ 12 يوما”، والخامسة التي ما تزال مستمرة منذ بدء العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران والذي ما يزال مستمرا حتى الآن.

2)

لقد حاول الاحتلال إيهام الرأي العام أن الهدف من إغلاق الأقصى هو الحفاظ على حياة المصلين، أو ضبط النظام وحفظ الأمن العام ضمن تعليمات الجبهة الداخلية!! بينما يخفي وراء ذلك حقيقة الاغلاق التي لها علاقة بالوضع الراهن واستغلال  ظروف الحرب، سعيا إلى بسط السيطرة التامة على المسجد وإخلائه من المسلمين وصولا إلى تحقيق الأوهام التوراتية التي بات اليمن الصهيوني المتطرف وعلى رأسه نتنياهو شخصيا، ومِن خلفه أقطاب حكومته من مجانين التيار الصهيوني الاستيطاني الخلاصي، أمثال سموطرتش وبن غفير، يتحدث عنه بصراحة ووقاحة تعكس حالة الذل والهوان الذي وصلت إليه الأمة الإسلامية، إلى الحد الذي أصبحت لدى هؤلاء الجرأة كي يطلوا برؤوسهم كالأفاعي ويعبّرون بكل عجرفة واستطالة وعنجهية عن حقيقة مخططاتهم.

3)

ولقد سبق وحذرنا من الوصول إلى هذه المرحلة طوال عقود، وقلنا في مئات المقالات، وعلى منصات كثيرة، وبكل وضوح، إن للمشروع الصهيوني هدفا واضحا فصّلناه للجمهور بحذافيره، ونبّهنا إلى إن المسألة ليست مجرد مجموعة من غلاة المستوطنين وجماعات الهيكل التي تسعى إلى وضع حجر الأساس لما يسمى الهيكل الثالث، غير أن النائمين واصلوا الغطيط، والذين يخططون فوق الأرض ويحفرون تحتها واصلوا تخطيطهم وحفرهم وسعيهم، بينما واصل المشككون والساخرون والمتواطئون والمطبعون من أبناء جلدتنا مهماتهم في التخذيل والتشكيك والتكذيب والتهوين وحرف البوصلة ولفت الأنظار.

4)

لقد بات واضحا لكل ذي بصيرة وفهم وإدراك ولكل ساع إلى الحقيقة، أن هناك مخططا خبيثا يقف استهدافُ المسجد الأقصى المبارك في مركزه، ويشكلُ عنصرَه الأساس، وأن هذا المخطط قديم يمتد عمره إلى عقود سبقت إيقاع النكبة على شعبنا عام 1948، وهي (النكبة) التي تعدّ حلقة من حلقات ذلك المخطط الساعي إلى الهدف الأكبر للمشروع الصهيوني وهو الهيمنة على الأرض من خلال إنشاء مملكة إسرائيل الكبرى، التي سيجلس على عرشها مسيحهم المنتظر، أو مَن يسمونه (ميلخ مشيّح). ولعل الأصم قد بدأ يسمع، والأعمى قد بدأ يرى، وفاقد الإحساس بدأ يحس بلسعات المخطط على جلده. فقد بات الحديث عن الأهداف علنا وصريحا، لا مواربة فيه ولا تقيّة ولا ضبابية ولا تعتيما ولا تحايلا على الكلام، ولا صياغات دبلوماسية، وبات يصدر عن أعلى المستويات السياسية.

5)

أتذكر يوم كتبنا، أنا وغيري من أبناء المشروع الإسلامي، حول هذه القضية وحول خطورة وحقيقة ما تسعى إليه الجماعات التي ألقى بها الاحتلال في أتون هذه المعركة لتكون رأس حربته في المخطط، كيف أن الكثيرين من الذين يعيشون بيننا، ويتحدثون بلساننا، قد شككوا فيما نقول ونحذّر وننبلّه، إلى درجة إساءة الأدب وإلقاء التهم جزافا، وكان من بينهم -للأسف- مِن المحسوبين على الصحوة الإسلامية الذين كنا كلما سمعناهم فكأننا نرى من خلف أصواتهم ظلَّ شمعون بيرس أو موشيه كتساب أو دافيد بن إليعيزر أو ظل حاخامات أمثال فرومان ودروكمان وملكيئور…!! ومِن هؤلاء مَن كان له صوت ذو صدى وموقف ذو تأثير، وكأن المعركة كانت بين روايتين، رواية المشروع الإسلامي مقابل رواية منافسي المشروع الإسلامي وخصومه من مجتمع الداخل، بدلا من أن تكون معركة بين رواية شعبنا وأمّتنا مقابل رواية الاحتلال ومشروعه الإحلالي!! أليس هذا عجيبا حقا؟!!

6)

إن إفراغ الأقصى في رمضان الحالي من أهله، كما إفراغه من المصلين في المرات السابقة، هو اعتداء على المقدسات أولا وعلى حرية العبادة ثانية، وهو من أكثر قبائح الاحتلال قذارة، وكونه جاء في وقت العدوان الأمريكي- الإسرائيلي على إيران، ثم على لبنان، وقبل ذلك على غزة والضفة، إنما هو جزء من الأعمال الحربية التي يمارسها الاحتلال ضد شعبنا وأمتنا. فالأقصى اليوم، أكثر من أي وقت مضى، موجود في قلب العاصفة، وإن ما يحيك له الاحتلال من دسائس وتخطيط، لم يعد يخفى على أحد، بل بات واضحا أن السعي إلى بناء الهيكل المزعوم على أنقاض المسجد الأقصى؛ قبلة المسلمين الأولى، ومسرى نبيهم صلى الله عليه وسلم ومعراجه إلى سدرة المنتهى، يحظى بدعم من المسيحية الصهيونية، التي يتولى  كبرها اليوم دونالد ترامب، الذي يقود حملة صليبية – صهيونية تهدف إلى بسط الهيمنة من خلال التفكيك وخلخلة الأنظمة، بعد أن مضت بنجاح مرحلةُ إسقاط راية الأمة بإسقاط الخلافة، ثم مرحلة التقسيم فمرحلة التدجين، ثم مرحلة التطبيع، التي رافقتها بوابة إبليس المسماة (اتفاقيات إبراهيم)، ذلك الدين الجديد الذي يريدون من الناس اتّباعه والسير على هدى ضلالاته.

7)

من المعلوم للملأ اليوم أن المسيحية – الصهيونية الخارجة من دهاليز الكنيسة الأنجليكانية، تلتقي مع المشروع الصهيوني المستند إلى نبوءات توراتية في أنه لا بد من تمهيد الأرض لعودة المسيح، كي يعمّ سلامُه الأرض بعد أن يقضي على أعداء النور!! ولكي يستطيع المسيح أن ينزل إلى الأرض، فلا بد له من مكان (جغرافيا) ينطلق منها ليحكم العالم، وهذا المكان اسمه “مملكة إسرائيل الكبرى” الممتدة من النيل إلى الفرات، والتي بات الحديث عنها جهارا نهارا، بكل وقاحة وصلافة، بعد أن ضمنت الضباعُ صمت أهل القبور في أمة الإسلام، بعوْن ومدد من أنظمة عار عوقبت الأمة بها لما سكتت عن الباطل ونافقته، ولم تنصر الحق ولو بكلمة. وإنه من أجل أن تتحقق المملكة الكبرى، لا بد من الخطوة الأهم والأكبر والأخطر، وهي بناء الهيكل الثالث على أنقاض المسجد الأقصى المبارك، الذي يزعم دجّالو المشروع الصهيوني أنه بني على أنقاض هيكلهم الثاني!! وهو ما لم يقم عليه دليل ديني أو علمي أو جيولوجي، رغم سيطرتهم على المكان منذ 1967، ورغم كل تلك الحفريات التي أحدثوها تحت المسجد الأقصى بحثا عما يزعمون أنه آثار هيكلهم!! لقد فشلوا في ذلك وسوف يفشلون إلى ما شاء الله، رغم امتلاكهم لكل الأدوات والوسائل العلمية والتكنولوجية، وذلك لسبب واحد: ليس تحت الأقصى المبارك شيء مما يزعمون، وإنما هي مزاعم وأكاذيب صاغها أحبارهم وكبارهم ليحققوا نبوءات من نسج الخيال في نصوص محرّفة ما أنزل الله بها من سلطان.

8)

إن العدوان المتجدد على المسجد الأقصى المبارك، وإخلاءه من المصلين، من أصحابه أهل الأرض وما تحت الأرض وما فوقها من فضاء وسماء، لا يبشّر بخير، خاصة وأننا نسمع أصواتا صاخبة تصم الآذان من حاخامات وسياسيين وغيرهم تدعو إلى هدم الأقصى بالصواريخ أثناء الحرب الجارية، ثم اتهام إيران وصواريخها بالجريمة، ثم ليضرب زيد بعمرو، وتتجدد الفتنة بين السنة والشيعة يضرب بعضهم رقاب بعض، ليخلو الميدان لشيطان المشروع الصهيوني كي يحقق مطامعه ويرفع بنيانه بناء على أوهام وخرافات.

9)

في التاريخ، ومن الناحية العلمية، وبالممارسة العملية، يستحيل أن تستمر السيطرة على مكان ما بقوة السلاح وسياسة البطش والقبضة الحديدية إلى الأبد. ولم يعرف التاريخ، قديمه وحديثه، أن احتلال أو ظلما استمر إلى ما لا نهاية، لأنّه لكل شي إذا مال تم نقصان، ولكن ظالم نهاية، ولكل احتلال لحظة زوال، وهذا الاحتلال الواقع على الأقصى المبارك ليس استثناء، بل هو النموذج الأمثل لأسوأ أنواع الاحتلال حتميةِ الزوال وبأسرع مما يظن أكثر الناس تفاؤلا.

10)

إننا نعيش في مرحلة تمحيص وابتلاء ربما كانت أشدها. فالأمة في الدرك الأسفل، في حضيض غير مسبوق، ينطبق عليها وصف “غثاء السيل”، بلا قيمة ولا تأثير، وفي مرحلة فتن اختلطت فيها الأمور على كثير من الناس. مرحلة قد تطول حتى يخيّل لضعاف النفوس أنها لن تنتهي بل هي النهاية، فإذا بعجائب ربّك تلطم وجه كل جبار عنيد، متكبّر تكبّر النمرود، منتفش انتفاش فرعون، وإذا بلطائف ربك تبعث الحياة من جديد في الأمة.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى