سردية الهيكل

الشيخ رائد صلاح
هناك نصوص في توراة اليوم وملحقاتها تبين وقوع التحريف فيها وفي ملحقاتها.
وهاكم بعض النصوص التي تشير إلى ذلك.
– (كيف تقولون: نحن حكماء، وشريعة الرب معنا، إن قلم الكتبة الكاذب حولها إلى الكذب، فأية حكمةٍ لهم) – إرميا: 8/8.
– (ففي أنبياء السامرة رأيت الغباوة: تنبأوا بالبعل وأضلوا شعبي إسرائيل.
وفي أنبياء أورشليم رأيت ما يقشعر منه: الفسق والسلوك في الكذب.
شددوا أيدي فعلة الشر، لئلا يرجعوا كل واحد عن سوئه. فصاروا كلهم كسدوم، وصار سكانها كعمورة). إرميا- 13/23-14.
– (لذلك هاءنذا على الأنبياء، يقول الرب، الذين يسرقون كلامي كل واحد من صاحبه.
هاءنذا على الأنبياء، يقول الرب، الذين يستخدمون ألسنتهم ويقولون أقوالًا نبوية.
هاءنذا على الذين يتنبأون بأحلام كاذبة، يقول الرب، ويقصونها ويضلون شعبي بأكاذيبهم وعجبهم.
وأنا لم أرسلهم ولم آمرهم، وهم لا ينفعون هذا الشعب في شيء، يقول الرب). إرميا: 30/23-32.
وهناك نصوص أكثر من ذلك، ولكن يكفي أن ننظر في هذه النصوص الثلاثة من سفر إرميا حتى نوقن أنها تتحدث عن ظاهرة أصحاب الأقلام الكذابين الذين كتبوا من عند أنفسهم، وقالوا: هذه شريعة الرب، والذين ادعى بعضهم النبوة، ويقولون كاذبين: هذا كلام الرب.
وهكذا أدخلوا التحريف من عند أنفسهم إلى كلام الله تعالى وشريعته، وأضلوا بني إسرائيل في مملكة إسرائيل وفي مملكة يهوذا، ففسدت حياة الشعب في كلا المملكتين. وهذا يعني أن توراة اليوم وملحقاتها تقر بوقوع التحريف فيها، وبذلك لم تعد مرجعًا معصومًا يُعتمد عليه.
ولذلك، كل نص منها يناقض القرآن لا نأخذ به. وهناك نصوص كثيرة فيها تناقض القرآن، وكل نص فيها يوافق القرآن نأخذ به، وكل نص فيها لا يناقض القرآن ولا يوافقه نناقشه.
ووفق هذه الاعتبارات، سأناقش ملف الهيكل في توراة اليوم:
1- إذا تدبرنا سيرة نبي الله موسى عليه السلام كما وردت في أسفار توراة اليوم، نجد أنها لم تتحدث عن شيء اسمه “الهيكل” إطلاقًا.
كل ما تحدثت عنه هو المسكن والمذبح. وفي ذلك يقول سفر العدد: (وفي اليوم الذي انتهى فيه موسى من نصب المسكن مسحه وقدسه مع جميع أمتعته، ومسح وقدس المذبح وجميع أمتعته). 1/7.
مع لفت الانتباه أن موسى عليه السلام أقام هذا “المسكن” والمذبح في “سيناء”.
2- وقد تحدثت أسفار توراة اليوم عن “خيمة الموعد”. وفي ذلك يقول سفر العدد: (فكلم الرب موسى قائلًا: خذها منهم فتكون لخدمة خيمة الموعد، وسلمها إلى اللاويين إلى كل واحد بحسب خدمته). -4/7-. مع لفت الانتباه أن موسى عليه السلام أقام (خيمة الموعد) في سيناء. وفي (خيمة الموعد) وفق ادعاء توراة اليوم وضع تابوت الشهادة والسرج. ووفق نصوص توراة اليوم فإن (خيمة الموعد) خيمة متنقلة وليست ثابتة في مكان واحد، وفي ذلك يقول سفر العدد: (فإذا انتهى هارون وبنوه من تغطية القدس وجميع أمتعته عند رحيل المخيم، فعند ذلك يأتي بنو قهات ليحملوها، ولكن لا يمسوا القدس لئلا يموتوا، ذلك ما يحمله بنو قهات من خيمة الموعد). -4/ 15-. وهذا يعني أنه حتى الآن لا يوجد حديث عن شيء اسمه الهيكل.
3- ثم وفق ادعاء سفر تثنية الاشتراع فقد قال موسى عليه السلام لبني إسرائيل من ضمن وصاياه الأخيرة: (فإذا عبرتم الأردن تنصبون هذه الحجارة التي أنا آمركم بنصبها اليوم على جبل جرزيم وتطلونها بالكلس وتبني هناك مذبحًا للرب إلهك، مذبحًا من حجارة لم ترفع عليه حديدًا) -27/ 4-5-. وهناك رواية أخرى تقول (على جبل عيبال)، وعلى كلا الروايتين فإن موسى عليه السلام دعاهم لبناء (المذبح) من حجارة أي ثابت غير متنقل، وهذا يعني أنه لم يدعهم لبناء (المذبح) في القدس المباركة. وإذا قرأنا أسفار توراة اليوم الخمسة وهي: التكوين والخروج والأحبار والعدد وتثنية الاشتراع نجد أنها لم تتحدث إطلاقًا عن شيء اسمه (الهيكل) أو (جبل الهيكل) أو (أورشليم).
4- حتى سفر يوشع نجد أن (خيمة الموعد) قد استقرت في شيلو، وفي ذلك يقول سفر يشوع: (واجتمعت جماعة بني إسرائيل كلها في شيلو ونصبوا هناك خيمة الموعد وأخضعت الأرض قدامهم) -18/1-. وحتى سفر يشوع نجد أن (المذبح) قد استقر في جبل جرزيم. ثم حتى سفر القضاة نجد أن (تابوت العهد) قد استقر في (بيت إيل)، وفي ذلك يقول سفر القضاة: (فصعد بنو إسرائيل الشعب كله وأتوا بيت إيل وبكوا وجلسوا هناك أمام الرب، وصاموا ذلك اليوم إلى المساء، وأصعدوا محرقات وذبائح سلامية أمام الرب، وسأل بنو إسرائيل الرب، وكان تابوت عهد الله في تلك الأيام هناك) -20/ 26-27-. وهذا يعني أنه منذ سفر التكوين حتى سفر القضاة لم يكن هناك لأورشليم أي اعتبار ديني خاص، ولم تكن هناك أية مبادرة لنقل هذه الموروثات: (خيمة الموعد ومذبح الرب وتابوت العهد) إلى أورشليم، ولم يرد في ذلك وصية من إسحاق ويعقوب ويوسف وموسى وهارون ويوشع أو القضاة توصي بنقل هذه الموروثات أو بعضها إلى أورشليم، كما أوصى موسى عليه السلام بني إسرائيل بناء المذبح في جبل جرزيم. فإذا كان هناك الاعتبار النوعي لشيء اسمه (الهيكل) ولشيء اسمه (أورشليم) فلماذا لم يوصِ موسى عليه السلام وفق نصوص توراة اليوم – أن يدخلوا أورشليم وأن يبنوا فيها (الهيكل).
5- ثم نجد أن سفر صموئيل الأول بدأ يستخدم مصطلح (بيت الرب) أو (هيكل الرب)، وعلى سبيل المثال هذه بعض أقوال سفر صموئيل الأول: (وكان ذلك الرجل يصعد من مدينته من سنة إلى سنة ليسجد ويذبح لرب القوات في شيلو. وكان هناك ابنا عالي حفني وفنحاس كاهنين للرب) -1/ 3-.
– (وهكذا كان يحدث سنة بعد سنة عند صعودها إلى بيت الرب، فكانت تغضبها فتبكي ولا تأكل) -1/7 -.
– (وقامت حنه من بعد ما أكلوا في شيلو وشربوا عالي الكاهن جالس على الكرسي إلى دعامة هيكل الرب) -1/9 -.
– (وأما عالي فكان قد شاخ، وبلغه كل ما يصنع بنوه بكل إسرائيل ومجامعتهم النساء الخادمات على باب خيمة الموعد) -2/22-.
– (وكان مصباح الله لم ينطفئ بعد وصموئيل راقد في هيكل الرب حيث تابوت الله) -3/3-.
وفق هذه النصوص في سفر صموئيل الأول نجد أنه ورد الحديث عن (خيمة الموعد) بالاسم ذاته أو باسم (بيت الرب) أو باسم (هيكل الرب)، فكيف حدث ذلك ولماذا؟! سأجيب على ذلك لاحقًا، ونجد أن هذه النصوص تخبرنا أن تابوت الله أصبح في شيلو، علمًا أن سفر القضاة كان قد أخبرنا أن تابوت الله استقر في “بيت إيل”!! فما هو الصواب؟!
ثم نجد أن هذه النصوص تخبرنا أن المذبح أصبح في شيلو، علمًا أن سفر يشوع كان قد أخبرنا أن المذبح استقر في جرزيم!! فما هو الصواب؟!
ثم بناءً على ما ورد في نصوص سفر التكوين حتى سفر صموئيل الثاني لم يكن هناك أي أمر إلهي إلى أحد أنبياء بني إسرائيل لنقل هيكل الرب ذي الأسماء المختلفة من شيلو إلى أورشليم، ولم يكن هناك أي حديث عن أورشليم وإضفاء أي قيمة اعتبارية دينية لها!!
6- ثم يقول سفر صموئيل الثاني في سياق حديثه عن نبي الله داود، علمًا أنه لا يضيف إليه منزلة النبوة: (ولما سكن الملك في بيته وأراحه الرب من كل الجهات من جميع أعدائه، قال الملك لناتان النبي: انظر إني ساكن في بيت من أرز وتابوت الرب ساكن في داخل الخيمة، فقال ناتان للملك: امضِ فاصنع كل ما في قلبك لأن الرب معك) -7/ 1-3-. المقصود بكلمة الملك في هذا النص هو نبي الله داود، وواضح جدًا أن هذا النص يعترف به كملك فقط وليس نبيًا، وواضح جدًا أنه حتى هذا النص لم يكن قد تم بناء هيكل، بل كانت هناك (خيمة الموعد) فقط التي أطلق عليها سفر صموئيل الأول اسم (هيكل الرب) كما بيّنت ذلك في السطور السابقة.
7- ثم يقول سفر صموئيل الثاني: (إذهب فقل لعبدي داود: هكذا يقول الرب أأنت تبني لي بيتًا لسكناي، إني لم أسكن بيتًا منذ يوم أصعدت بني إسرائيل من مصر إلى هذا اليوم، بل كنت أسير في خيمة وفي مسكن، فهل تكلمت في مسيري مع جميع بني إسرائيل بكلمة مع أحد قضاة إسرائيل ممن أمرته أن يرعى إسرائيل شعبي قائلًا: لماذا لم تبنوا لي بيتًا من الأرز) -7/ 5-7-. وفق هذا النص فإن الرب نهى النبي داود عن فكرة بناء بيت له منذ أن خرج بنو إسرائيل من مصر، فلم يأمر بذلك موسى وهارون حتى اكتمال نزول التوراة، ولم يأمر بذلك النبي يوشع بن نون ولم يأمر بذلك سلسلة الأنبياء والقضاة الذين أرسلهم الرب لبني إسرائيل قبل النبي داود، ثم أخبرنا هذا النص من سفر صموئيل الثاني أن الرب نهى النبي داود عن فكرة بناء هيكل، وهذا النص جزء من نبوءة ناتان النبي.
8- ثم فجأة تتغير أوامر الرب وفق سفر صموئيل الثاني، فبعد أن نهى الرب النبي داود عن فكرة بناء هيكل، يقول نص آخر في سفر صموئيل الثاني ما يلي: (وإذا تمت أيامك واضطجعت مع آبائك أقيم من يخلفك من نسلك الذي يخرج من صلبك وأثبت ملكه، فهو يبني بيتًا لاسمي وأنا أثبت عرش ملكه إلى الأبد) -7/ 12-13-. هذا النص جزء من نبوءة ناتان النبي، إلا أنه يناقض النص الأول، حيث أن النص الأول نهى عن فكرة بناء هيكل، وهذا النص الثاني يخبر النبي داود أن واحدًا من صلبه هو الذي سيبني الهيكل.
9- ثم يقول سفر الملوك الأول على لسان النبي سليمان: (والآن قد أراحني الرب إلهي من كل الجهات، فليس من خصم ولا حادثة شر، وهاءنذا قد نويت أن أبني بيتًا لاسم الرب إلهي كما كلم الرب داود أبي قائلًا: إن ابنك الذي أقيمه مكانك على عرشك هو يبني بيتًا لاسمي) -5/ 18-19-. وفق هذا النص فإن النبي سليمان يعلن عن قرار بناء بيت لاسم الرب.
10- ثم يقول سفر الملوك الأول: (وفي السنة الأربع مائة والثمانين لخروج بني إسرائيل من أرض مصر، وفي السنة الرابعة من ملك سليمان على إسرائيل، وفي شهر زيو وهو الشهر الثاني، بنى سليمان البيت للرب. وكان البيت الذي بناه الملك سليمان للرب ستين ذراعًا طولًا، وعشرين عرضًا، وثلاثين ذراعًا علوًا، والرواق أمام هيكل البيت عشرين ذراعًا طولًا على محاذاة عرض البيت، وعشر أذرع عرضًا أمام البيت) -6/1-3-. هذا النص يدّعي أنه بعد 480 سنة على خروج بني إسرائيل من مصر، فقد بنى النبي سليمان هيكل البيت، بعد أن مكث بنو إسرائيل بمصر 430 سنة. وفي ذلك يقول سفر الخروج: (وكانت إقامة بني إسرائيل بمصر أربع مائة وثلاثين سنة) -12/ 41-. علمًا أن سفر التكوين قد أخبر بما يلي: (فقال الرب لأبرام اعلم يقينًا أن نسلك سيكونون نزلاء في أرض ليست لهم ويستعبدونهم ويذلونهم أربع مئة سنة) -15/13-. وفق هذا النص فإن بني إسرائيل قد مكثوا بمصر 400 سنة فقط، ولم يمكثوا 430 سنة!! فإذا أردنا أن نعرف متى بُني الهيكل منذ مكث بني إسرائيل بمصر حتى نبي الله سليمان فسنحتار، فهل سنقول: 480 سنة (وهي ما مر على بني إسرائيل بعد خروجهم من مصر وفق سفر الملوك الأول) + 430 سنة (وهي مدة مكثهم بمصر وفق سفر الخروج)؟! أم سنقول: 480 سنة (وهي ما مر على بني إسرائيل بعد خروجهم من مصر وفق سفر الملوك الأول) + 400 سنة (وهي مدة مكوثهم بمصر وفق سفر التكوين)؟! هذه معضلة لا حل لها وهي دليل رقمي ملموس أن التحريف قد اعتور سفر التكوين فصاعدًا، ثم إنه وفق نص سفر الملوك الأول نجد أن النبي سليمان هو الشخص الموعود في علم الله تعالى الذي سيكرمه الله تعالى ببناء الهيكل في الوقت الذي حرم الله فيه النبي داود من بناء الهيكل ونهاه عن بنائه، فهل يعقل ذلك؟!
11- هل يُعقل -وفق سفر الملوك الأول- أن يكون نبي الله سليمان هو الذي بنى الهيكل بتكليف من الله تعالى له علمًا أن سفر الملوك الأول يقول عن نبي الله سليمان ما يلي: (حينئذ بنى سليمان مشرفًا لكاموش قبيحة موآب في الجبل الذي لشرقي أورشليم، ولمولك قبيحة بني عمون، وكذلك صنع لجميع نسائه الغريبات اللواتي كنّ يحرقن البخور ويذبحن لآلهتهن) -11/7-8-. ثم يقول سفر الملوك الأول عن النبي سليمان: (… وكان له سبع مائة زوجة وثلاث مائة سرية، فأزاغت نساؤه قلبه، وكان في زمن شيخوخة سليمان أن أزواجه إستملن قلبه إلى اتباع آلهة أخرى فلم يكن قلبه مخلصًا للرب إلهه كما كان قلب داود أبيه، وتبع سليمان عشتاروت آلهة الصيدونيين، وملكوم قبيحة بني عمون، وصنع سليمان الشر في عيني الرب، ولم يتبع الرب إتباعًا تامًا مثل داود أبيه).
– (11/ 1-7) فهل يُعقل وفق ادعاء سفر الملوك الأول أن الرب أكرم النبي سليمان ببناء الهيكل علمًا أنه ووفقًا لادعاء هذين النصين السابقين من سفر الملوك الأول أن النبي سليمان وقع في فخ أزواجه، واتبع آلهة وثنية من دون الله تعالى كالعشتاروت وملكوم وبنى مئات المعابد الوثنية لآلهة نسائه الوثنيات، بمعنى أنه قد أحال وفق إدعاء هذين النصين من سفر الملوك الأول أورشليم إلى مدينة وثنية، فإذا صنع كل ذلك وفق إدعاء هذين النصين من سفر الملوك الأول، فكيف يستحق أن يختاره الرب لبناء الهيكل في مقابل حرمان أبيه داود من هذا البناء، علمًا أن قلب أبيه داود كان مخلصًا للرب واتبع الرب إتباعًا تامًا وفق هذين النصين من سفر الملوك الأول)؟! نحن في معضلة أشد من المعضلات السابقة التي وقفت عندها في السطور السابقة، إلا أن يقال وهو حقيقة ما حدث: لقد اعتور التحريف توراة اليوم بما في ذلك لدى حديثها عن نبي الله سليمان الذي حاشاه أن يعبد أوثانًا من دون الله تعالى، أو أن يصنع معابد وثنية أو أن يخلو قلبه من الإخلاص لله تعالى.
12- ثم إن من المستحيل على نبي الله سليمان أن يبني هيكلًا أصلًا، لأن مصطلح كلمة (هيكل) كان يرمز إلى معابد الكنعانيين الوثنية، حيث كانوا قد بنوا بيتًا لآلهتهم الوثنية وسموه بهذا الاسم (هيكل). وقد تدل كلمة هيكل على هيكل وثني ثان وثالث… لآلهة وثنية، وفي ذلك يقول سفر المكابيين الثاني: (واتفق في ذلك الزمان أن أنطيوخس عاد من بلاد فارس في حال يرثى لها. وكان قد زحف على مدينة اسمها برسابوليس وشرع ينهب هيكلها) -2- 1/9-. ولم يكن هناك شيء اسمه هيكل بيت الرب في كل أسفار توراة اليوم الخمسة، ثم في سائر الأسفار التي ألحقت بها، ثم بدأ يظهر متأخرًا بداية من سفر صموئيل الأول فصاعدًا، حيث كان بنو إسرائيل قد انتحلوا هذا الاسم (الهيكل) من أماكن عبادة الشعوب الأخرى الوثنية التي كانت تطلق على معابدها الوثنية مصطلح (هيكل).
وفي ذلك يقول سفر يوئيل: (وبما أنكم، أخذتم فضتي وذهبي وأدخلتم ثمن نفائسي إلى هياكلكم)، وهو خطاب لأمم كافرة كان لديها هياكل تعبد فيها آلهتها الوثنية.
13- ثم هل يعقل أن يبني النبي سليمان هيكلًا للرب ويحيله الى هيكل وثني، تكثر فيه التماثيل المنحوتة كما تحدث عن ذلك سفر الملوك الأول في قوله: (وكان قائمًا على اثني عشر ثورًا، ثلاثة منها وجوهها نحو الشمال وثلاثة نحو الغرب وثلاثة نحو الجنوب وثلاثة نحو الشرق…) -7/ 25-. وفي قوله: (وعلى الألواح التي في وسط الأطر أسود وثيران وكروبين…) -7/ 29-. فهذه النصوص تدعي أن النبي سليمان قد أقام في الهيكل أصنامًا من ثيران وأسود.
فكيف له أن يفعل ذلك، وهو يخالف بذلك وصية النبي موسى التي يقول فيها: (فتنبهوا لأنفسكم جدًا، فإنكم لم تروا صورة يوم كلمكم الرب في حوريب من وسط النار، لئلا تفسدوا وتصنعوا لكم تمثالًا منحوتًا على شكل صورة من ذكر أو أنثى، أو شكل شيء من البهائم على الأرض، أو شكل طائر ذي جناحين مما يطير في السماء) -4/ 15-17-.
14- ثم ماذا كان مصير الهيكل الذي يدّعي سفر الملوك الأول أن النبي سليمان قد بناه؟! حول ذلك يقول سفر إرميا: (أفصار هذا البيت الذي دعي باسمي مغارة لصوص أمام أعينكم؟ بل هذا ما رأيت أنا يقول الرب) 11/7. ثم يقول سفر إرميا: (لأن بني يهوذا قد صنعوا الشر في عيني يقول الرب. جعلوا أقذارهم في البيت الذي دعي باسمي لينجسوه) -7/ 30-. ولأنهم ارتكبوا كل ذلك فقد كان في علم الله تعالى أن عذابًا سيقع عليهم ولن ينفعهم وجود هيكل فيهم، وحول ذلك يقول سفر إرميا: (لا تتكلوا على قول الكذب قائلين: هذا هيكل الرب، هيكل الرب، هيكل الرب) -7/4-. ثم يقول سفر إرميا: (وفي الشهر الخامس في اليوم العاشر من الشهر، في السنة التاسعة عشرة للملك نبوكد نصر ملك بابل، قدم إلى أورشليم نبوزرادان رئيس الحرس الواقف أمام ملك بابل، وأحرق بيت الرب وبيت الملك وجميع بيوت أورشليم) -52/ 12-.
15- ثم يقول سفر عزرا: (أصدر قورش الملك أمرًا في حق بيت الله في أورشليم أن يعاد بناء البيت مكانًا تُذبح فيه ذبائح وليبق على أسسه يكون علوه ستين ذراعًا وعرضه ستين ذراعًا وتكون له ثلاثة صفوف من حجارة ضخمة وصف واحد من خشب والنفقة من بيت الملك) -6/ 3- يلفت الانتباه في هذا النص أن الملك قورش أمر ببناء بيت الرب بعد أن أحرقه نبوكد نصر، فكيف للملك قورش أن يعيد بناء بيت الرب وهو من الأغيار، وكيف له أن يعيد بناء هذا البيت ثم يبين لنا هذا النص من سفر عزرا أنه تم إعادة بناء بيت الرب على أسسه: (العلو ستين ذراعًا والعرض ستين ذراعًا)!! ولكن أسسه لا تتفق مع هذه الأرقام إطلاقًا، حيث يقول سفر الملوك الأول وفق ادعاءاته: (وكان البيت الذي بناه الملك سليمان للرب ستين ذراعًا طولًا، وعشرين ذراعًا عرضًا، وثلاثين ذراعًا علوًا) وهذا يعني أننا أمام معضلة لا يمكن إيجاد حل لها، حيث يدّعي سفر عزرا أن الأسس التي بُني عليها الهيكل الأول تبيّن أن علوه كان ستين ذراعًا وعرضه ستين ذراعًا، بينما يبيّن لنا سفر الملوك الأول أن الهيكل الأول بُني على أسس تقول إن عرضه كان عشرين ذراعًا وأن علوه كان ثلاثين ذراعًا.
16- ثم يقول سفر حجاي: (وسيكون مجد هذا البيت الأخير أعظم من الأول، وقال رب القوات: وفي هذا المكان أعطي السلام يقول رب القوات) -20/9-. وفق هذا النص في سفر حجاي فإن الهيكل سيعاد بناؤه بناءً أعظم من بناء الهيكل الأول، ولكنه سيكون هو البيت الأخير، بمعنى أنه إذا بُني للمرة الثانية فسيكون هو البيت الأخير، فلو تعرض لأذى الهدم بعد ذلك فلن يُعاد بناؤه، ومن المعلوم تاريخيًا أن هذا البيت قد تعرض للهدم مرة ثانية، ثم لن يعاد بناؤه وفق نص من سفر حجاي يقول: (وسيكون مجد هذا البيت الأخير أعظم من الأول).
17- ثم بعد هذا الاستعراض الموجز جدًا للنصوص التي تحدثت عن الهيكل، ليس صعبًا على القارئ النبيه أن يكتشف أنها تعاني من تناقض أو تحريف فيما بينها، ولا يمكن الجمع بينها، مما يعني أن هذه النصوص التي تحدثت عن مصطلح الهيكل هي نصوص مضطربة ومردودة ولا يعتمد عليها.
