على عتبة المجهول
د. نواعم شبلي جبارين
نقف في حياتنا مرارًا على عتبة المجهول، تلك المساحة الفاصلة بين ما ألفناه وما لم نختبره بعد، بين المألوف الذي يمنحنا شعورًا زائفًا بالأمان، والمستقبل الذي يخبئ في طياته احتمالات لا تُحصى. والمجهول، وإن بدا مخيفًا، ليس سوى الوجه الآخر للأمل؛ هو الامتحان الذي يكشف معادن النفوس، وهو الجسر الذي نعبره نحو النضج والتحول.
من طبيعة الإنسان أنه يخشى ما لا يعرف، وقد عبّر القرآن الكريم عن هذا الهاجس الإنساني بقوله تعالى: ﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ (البقرة: 216).
فالخوف من المجهول ليس دليلاً على ضعفه، بل هو انعكاس لفطرته الحذرة، غير أن الإيمان الحقّ يحوّل هذا الخوف إلى طاقة دافعة، ويجعل من الترقب سكينة، ومن القلق يقينًا بأن تدبير الله خير من تدبيرنا.
إن الوقوف على عتبة المجهول قد يكون بداية مرحلة جديدة: وظيفة لم نعتدها، تجربة علمية غير مضمونة النتائج، قرار مصيري يغيّر مسار الحياة، أو حتى ابتلاء يختبر صبرنا وثباتنا. وفي كل تلك اللحظات يتجلى السؤال الجوهري: هل نعود القهقرى إلى دائرة الراحة، أم نخطو بثقة نحو أفق لا نرى تفاصيله كاملة؟
لقد علّمنا النبي ﷺ أن نتوكل على الله حق التوكل، فقال: «لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصًا وتروح بطانًا» (رواه الترمذي).
فالطير تغادر أعشاشها كل صباح، لا تعلم أين رزقها، لكنها تنطلق بيقين الفطرة، فتعود ممتلئة. وهكذا المؤمن؛ لا ينتظر وضوح الطريق كله، بل يخطو بخطوة أولى مستندًا إلى الثقة بالله، عالمًا أن الرزق ليس مالًا فحسب، بل توفيقًا وطمأنينة وفتحًا في الآفاق.
المجهول ليس دائمًا عدوًا؛ أحيانًا يكون بابًا للفرص الكبرى. كم من إنسان ظن أن نهاية أمره قد حانت، فإذا بالمحنة تتحول إلى منحة، وبالضيق إلى سعة، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ (الشرح: 5-6).
تكرار الآية ليس عبثًا، بل تأكيد إلهي أن العسر لا ينفرد بالمشهد، وأن اليسر ملازم له ملازمة الظل للنور.
على عتبة المجهول تُختبر شجاعة الإنسان الحقيقية؛ لا شجاعة الضجيج، بل شجاعة القرار الهادئ، وشجاعة الثبات حين تتلاطم الأسئلة في داخله. فالمؤمن لا ينكر خوفه، لكنه لا يسمح له أن يقيده. والإنسان الواعي لا يندفع بتهور، بل يوازن بين التخطيط والتوكل، بين العقل والقلب، بين الأخذ بالأسباب وتسليم النتائج لرب الأسباب.
إن أعظم ما يبدد رهبة المجهول هو الإيمان بأن الحياة رحلة تعلم مستمرة، وأن الثبات على القيم هو البوصلة التي لا تخطئ. فإذا حمل الإنسان صدق النية، وسلامة المقصد، وحسن الظن بالله، صار المجهول فضاءً مفتوحًا لا سجنًا مغلقًا.
فلنقف إذًا على عتبة المجهول بوعي لا برهبة، وبإيمان لا باضطراب، ولنجعل من كل خطوة جديدة فرصة لإعادة اكتشاف ذواتنا، وتعميق صلتنا بربنا، وتوسيع أفق إنسانيتنا. فالحياة لا تُمنح لمن يخشى العبور، بل لمن يملك شجاعة الخطوة الأولى.
وعلى تلك العتبة، بين خوفٍ مشروع وأملٍ منتظر، تتشكل قصتنا… إما أن نكتبها بثقة وإيمان، أو نتركها رهينة التردد. والاختيار – دومًا – بأيدينا.
