إسقاط المقاتلات الأمريكية في الحرب على إيران يُسقط هيبة أمريكا وترامب

الإعلامي أحمد حازم
لم يشهد الشعب الأمريكي أي حرب على أراضيه، فجميع الحروب التي خاضتها الولايات المتحدة كانت خارج حدودها؛ لذلك لا يعرف المواطن الأمريكي معنى الحرب إلا من خلال السماع عنها. وتُعدّ الحروب في كوريا وفيتنام وأفغانستان والعراق وإيران أمثلة على ذلك.
في الأول من شهر أبريل/نيسان الحالي، خرج “الكاوبوي” دونالد ترامب ليعلن أنه قرر إعادة إيران “إلى العصر الحجري”، في وعد قطعه للشعب الأمريكي. لكن ليس كل ما يعد به ترامب يتحقق. ففي خطابه الذي ألقاه في ذلك اليوم، تحدث بفخر عمّا أسماه “الانتصارات العسكرية” التي حققها ضد النظام الإيراني خلال شهر واحد فقط، مدعيًا أن إيران على وشك الهزيمة.
غير أن لهجة النصر هذه تبددت بعد يومين فقط، وتحديدًا في الثالث من الشهر، عندما أعلنت إيران إسقاط طائرة مقاتلة من طراز “إف-15 إي” في جنوب غرب البلاد، ما اضطر طياريها إلى القفز بالمظلات.
ووفقًا لصحيفة “نيويورك تايمز”، تلقى ترامب معلومات تفيد بأن مروحية بحث وإنقاذ من طراز “إتش إتش-60 بايف هوك” أُصيبت في اليوم ذاته، لكنها تمكنت من الوصول إلى العراق. وبعد ذلك، أعلن الجيش الأمريكي تحطم طائرة مقاتلة ثانية من طراز “إيه-10 وورثوغ” بالقرب من مضيق هرمز، بينما قالت إيران إن دفاعاتها الجوية هي التي أسقطتها. وبذلك، يكون الحديث عن ثلاث طائرات متضررة وطيار مفقود -وهو ما يشكل يومًا كارثيًا للولايات المتحدة.
ورغم هذه الخسائر، واصل ترامب تبجحه عبر منصته “تروث سوشيال”، حيث نشر رسالتين تطرق فيهما إلى النفط الإيراني، قائلًا: “مع قليل من الوقت، يمكننا بسهولة فتح مضيق هرمز، والاستيلاء على النفط، وجني ثروة طائلة”. وهو كلام ينطوي على نزعة استعمارية واضحة.
من جهتها، كشفت شبكة “سي إن إن” الأمريكية معلومات أخطر، تحدثت فيها عن إسقاط سبع طائرات أمريكية، في واحدة من أخطر وأسرع الضربات التي نُسبت إلى إيران ضد الجيش الأمريكي. لكن كيف تم ذلك؟
بالعودة إلى المعطيات السابقة، يتضح أن الجيش الإيراني أعلن رسميًا استخدام منظومة دفاع جوي “جديدة” و”محلية الصنع”، استطاعت استهداف مقاتلات أمريكية متطورة بدقة عالية. إلا أن هناك تساؤلات حول مدى محلية هذه المنظومة، إذ يرى بعض المراقبين أنها قد تعتمد على تكنولوجيا صينية متقدمة.
وتشير المعلومات إلى أن إيران حصلت بالفعل، في بداية هذا العام، على أنظمة HQ-9B ورادارات متطورة مثل YLC-8B، وهو ما قد يفسر القفزة النوعية في قدرتها على رصد وتتبع الطائرات الشبحية والمقاتلات الحديثة. ويبدو أن طهران دمجت هذه التكنولوجيا مع أنظمة محلية، وربما روسية، لتطوير منظومة هجينة أكثر تعقيدًا وصعوبة في الاختراق.
وتؤكد هذه المعطيات أن استراتيجية ترامب، داخليًا وخارجيًا، تقوم على الحزم المفرط، واستعراض القوة العسكرية، والتهديد باستخدامها لتحقيق أهداف سياسية واقتصادية وأمنية. ويتجاوز هذا النهج الدبلوماسية التقليدية، مفضلًا سياسة “الضغط الأقصى” لفرض التنازلات، كما هو الحال مع إيران.
ويتبنى ترامب مبدأ “السلام من خلال القوة”، إذ يؤمن بأن إظهار القوة هو الوسيلة الأضمن لتحقيق الاستقرار، مع استعداده لاستخدام القوة العسكرية كخيار أول، أو بالتوازي مع التفاوض.
ويظهر ذلك في سياسته الخارجية، من خلال نهجه الحازم تجاه إيران، وتهديداته بـ”نيران الجحيم”، وكذلك في تدخله ضد الحوثيين في اليمن. أما داخليًا، فقد لوّح بإرسال الجيش والحرس الوطني إلى مدن أمريكية مثل بورتلاند وشيكاغو ونيويورك لمواجهة الجريمة. ومن مظاهر هذا التوجه أيضًا اقتراحه تغيير اسم وزارة الدفاع إلى “وزارة الحرب”، وتبنيه سياسة “الضغط الأقصى” اقتصاديًا وسياسيًا.
وفي هذا السياق، نشرت مجلة “نيويوركر” مقالًا انتقد فيه الكاتب بنيامين والاس-ويلز الثقة المفرطة للإدارة الأمريكية في القوة العسكرية. وجاء فيه: “خرج بيت هيغسيث من خدمته العسكرية في العراق وأفغانستان مقتنعًا، على ما يبدو، بأن ما حال دون تحقيق نصر كامل هو القيود المفروضة على استخدام القوة. وقد يرغب ترامب وهيغسيث في عالم يحقق فيه من يُلقي أكبر عدد من القنابل ما يريد، لكن الحرب في إيران أثبتت أن هذا غير صحيح”.
ويطرح أحد المحللين تساؤلًا مهمًا حول جدوى هذه الحرب المدمرة والمكلفة: هل تستحق الثمن الذي دفعه الجميع، والذي يُتوقع أن تدفعه الأطراف المتحاربة وجيرانها والعالم؟ وهل يشعر كل من بنيامين نتنياهو ودونالد ترامب ومجتبى خامنئي بأنه قد تورط في التصعيد؟ وهل يبحث كل منهم عن مخرج مشرّف يقدمه لجمهوره بوصفه انتصارًا؟
وفي هذا السياق، يحضر قول المؤرخ الأمريكي الشهير ويل ديورانت: “الحرب وسيلة يثبت بها الأقوياء هيمنتهم، بينما يدفع الفقراء ثمنها”.
