أخبار وتقاريرمقالاتومضات

أرض يوم الأرض في حسابات المخططات الصهيو – غربية

الشيخ رائد صلاح

أطلقت أبواق إعلام المخططات الصهيو – غربية مقولات كثيرة تتعلق بأرضنا المباركة، حتى بتنا نحفظها غيبًا، ونرددها في المناسبات التي تمر علينا كـ “يوم الأرض” و”يوم العودة” ويوم الأسير وهبة القدس والأقصى، وعلى سبيل المثال فكلنا يحفظ عن ظهر قلب مقولة: (نريد أرضًا بلا شعب لشعب بلا أرض) ومقولة (الخطر السكاني – الديمغرافي) ومقولة (التطهير العرقي) ومقولة (السقاة والحطابين) ومقولة (مصادرة الأرض)، وأنا أعتقد أن كل هذه المقولات وغيرها من مقولات أخرى استخرجتها المخططات الصهيو – غربية من أقوال في “توراة اليوم”، وقد لا تكون هذه المقولات موجودة حرفيًا في توراة اليوم، ولكن هناك أقوالًا في توراة اليوم قابلة لأن تحمل دلالات هذه المقولات التي تتعلق بأرضنا المباركة والتي روجت لها أبواق إعلام المخططات الصهيو – غربية، وإليكم بعض التفصيل في ذلك:

1- (وأرسل رعبي أمامك وألقي رعبي على كل الشعوب التي تدخل إليها وأجعل جميع أعدائك مدبرين أمامك وأرسل الزنابير أمامك فتطرد الحويين والكنعانيين والحثيين من أمام وجهك لا أطردهم من أمام وجهك في سنة واحدة، كي لا تصير الأرض قفرًا فتكثر عليك وحوش الحقل، لكني أطردهم قليلًا قليلًا أمامك إلى أن تنمو فترث الأرض وأجعل حدودك من بحر القصب إلى بحر فلسطين ومن البرية إلى النهر كأني أسلم إلى أيديكم سكان الأرض فتطردهم من أمام وجهك لا تقطع لهم ولا لآلهتهم عهدًا ولا يقيموا في أرضك لئلا يجعلوك تخطئ إليّ بأن تعبد آلهتهم…) – الخروج 23 / 27 – 33.

فمن يتمعن في هذا النص جيدًا يجد أن بعض مقولات المخططات الصهيو – غربية المتعلقة بأرضنا المباركة مأخوذة من هذا النص المتقدم أو من نصوص شبيهة به!!، فيوم إن قالت المخططات الصهيو – غربية: (نريد أرضًا بلا شعب لشعب بلا أرض) فقد استمدتها من هذا النص الوارد أعلاه والذي جاء فيه: (لأني أسلم إلى أيديكم سكان الأرض فتطردهم من أمام وجهك). ثم يمكن أن يُقال إنه من هذه الفقرة الأخيرة الواردة في هذا النص، شرعنت لنفسها المخططات الصهيو – غربية تهجير شعبنا الفلسطيني منذ مطلع أربعينات القرن الماضي، حيث ترتب على هذا التهجير تفريغ أكثر من خمسمائة بلدة من البلدات الفلسطينية التي كانت عامرة بالحياة، والتي امتدت ما بين الجليل والمثلث والساحل والنقب، فتحولت إلى خراب كأن لم تسكن من قبل، ثم تحول أهلها ما بين قتيل ولاجئ ومجهول المصير، ثم وضعت هذه المخططات الصهيو – غربية يدها على أرض هذه البلدات الفلسطينية المنكوبة، وعلى أوقافها وعلى ما تبقى من بيوتها وعلى مقدساتها سواء كانت مساجد أو كنائس أو مصليات أو مقابر.

ولم تقع نكبة هذا الترحيل لمرة واحدة، بل هناك ممارسات رسمية تسعى إلى ترحيل بعض أهلنا في النقب عن بلداتهم، وهناك سياسات وأصوات تدعو إلى ترحيل أهلنا في غزة وفي الكثير من بلدات الضفة الغربية، ولاحظوا أن نكبة هذا الترحيل بدأت في أربعينات القرن الماضي، ثم ها هي تعود على نفسها ونحن في عام 2026م، وهذا يعني أن نكبة الترحيل لم تكن مجرد سياسات عابرة كانت لمرة واحدة ثم انتهت، بل لا تزال مستمرة لأنها مأخوذة من نصوص في توراة اليوم التي داخلها التحريف، ولم تعد مصدرًا موثوقًا تبنى عليه مخططات كالمخططات الصهيو – غربية، وهذا يعني أن هذه النصوص ما دامت موجودة في توراة اليوم فإن سياسات الترحيل ستبقى سياسات ثابتة في حسابات المخططات الصهيو – غربية، وهي قابلة أن تقع مرة بعد مرة على من تبقى من أهلنا في الداخل الفلسطيني ما بين الجليل والمثلث والساحل والنقب، وقابلة أن تقع على من تبقى من أهلنا في القدس المباركة وغزة والضفة الغربية، بل هي قابلة أن تقع في منظور الاحتمالات على من تبقى من أهلنا في الأردن وسوريا ولبنان، على اعتبار أن هذه الدول جزء من خريطة توراة اليوم في حسابات المخططات الصهيو – غربية.

وحتى الآن، وأنا أكتب هذه المقالة في أواخر شهر 3 / 2026م، فهناك ما يقارب المليون الذين رُحّلوا من الجنوب اللبناني وبيروت!! ثم يوم أن تبنت المخططات الصهيو – غربية سياسات المرحلية في تحقيق أهدافها، وقالت: (لا قيمة لإسرائيل بدون القدس ولا قيمة للقدس بدون الهيكل) فقد استمدتها من هذه الفقرة الواردة في هذا النص من سفر الخروج، وهذه الفقرة تقول: (لكني أطردهم قليلًا قليلًا من أمامك إلى أن تنمو فترث الأرض).

ويلفت الانتباه (إلى أن تنمو)، أي إلى أن تثبت وجودك ويزداد عددك في الأرض المباركة وتبسط هيمنتك على الأرض التي دخلت إليها من الأرض المباركة، فلك بعد ذلك أن تزحف أكثر في سائر الأرض المباركة تدريجيًا وأن تبسط هيمنتك بالتدريج على كل جزء جديد من الأرض المباركة، وهو ما تتحدث عنه هذه الفقرة صراحة: (فتطرد الحويين والكنعانيين والحثيين من أمام وجهك لا أطردهم من أمام وجهك في سنة واحدة).

والناظر إلى القفزات التي مرت بها المخططات الصهيو – غربية في أرضنا المباركة يجد أنها بدأت أول ما بدأت بمرحلة الاستيطان تحت كنف الاحتلال البريطاني لأرضنا المباركة، ثم وقعت نكبة فلسطين، فتقدم الحال في مسيرة المخططات الصهيو – غربية من قفزة الاستيطان إلى قفزة بسط الهيمنة على أرض الجليل والمثلث والساحل والنقب، ثم كان عام 1967م وتقدم الحال إلى قفزة بسط الهيمنة على أرض القدس المباركة وغزة والضفة الغربية، ثم هناك الحديث الرسمي الآن الذي باتت تبوح به علانية هذه المخططات، حيث تتحدث عن بسط هيمنتها على كامل الأرض ضمن ما تسميه “إسرائيل الكبرى”، بادعاء أن هذا ما أعطته إياها توراة اليوم.

ثم يوم أن تبنت المخططات الصهيو – غربية سياسات إقامة المستوطنات في القدس المباركة وغزة والضفة الغربية، فقد استمدت ذلك من هذه الفقرة: (لا أطردهم من أمام وجهك في سنة واحدة كيلا تصير الأرض قفرًا فتكثر عليك وحوش الحقل)، حيث تدعو عبارة (كيلا تصير الأرض قفرًا) إلى استيطان الأرض وفق هذا الفهم.

ولعل هذا ما دفع حكومة المعراخ الإسرائيلية إلى فتح الطريق لأول مرة أمام سياسات بناء المستوطنات، فهي المبادر الأول قبل أي حكومة أخرى، ما يعني أن هذه السياسات ليست عابرة، بل مستمرة ومبنية على نصوص يتم الاستناد إليها.

ثم يوم أن تبنت المخططات الصهيو – غربية مبدأ المفاوضات لأجل المفاوضات دون التوصل إلى سلام حقيقي، فقد استمدت ذلك من قوله: (لا تقطع لهم ولا لآلهتهم عهدًا)، وهو ما يفسر استمرار المفاوضات لعقود دون نتائج حاسمة، مقابل تضييق مستمر على الشعب الفلسطيني.

ثم يوم أن بدأت تتحدث هذه المخططات عن بسط هيمنتها من النيل إلى الفرات باعتبار ذلك “وعدًا إلهيًا”، استندت إلى النص: (وأجعل حدودك من بحر القصب إلى بحر فلسطين ومن البرية إلى النهر)، أي من البحر الأحمر إلى البحر المتوسط ومن سيناء إلى نهر الفرات.

2- (فاحذر أن تقطع عهدًا مع أهل الأرض التي داخل إليها لئلا يكونوا فخًا في وسطكم) – الخروج 34 / 12. (لا تقطع عهدًا مع سكان تلك الأرض، لئلا يدعوك إذا زنوا وراء آلهتهم وذبحوا لها فتأكل من ذبيحتهم) – الخروج 34 / 15. (وأنا أطرد الأمم من أمامك وأوسع حدودك ولا يطمع أحد في أرضك إذا صعدت لتحضر أمام الرب إلهك ثلاث مرات في السنة) – الخروج 34 / 24.

فهذه النصوص الثلاثة تحذر من التوصل إلى اتفاقيات نهائية أو حدود ثابتة مع أي طرف، وتؤكد سياسات الترحيل وبسط الهيمنة.

3- (وإن لم تطردوا سكان تلك الأرض من وجوهكم كان من تبقون منهم كإبرة في أعينكم وكمهماز في جوانبكم، وهم يضايقونكم في الأرض التي تقيمون فيها. فيكون أني كما نويت أن أصنع بهم أصنع بكم) – الخروج 33 / 55-56.

ويظهر في هذا النص التحذير مما يسمى (الخطر السكاني/ الديمغرافي)، والدعوة إلى الترحيل كحل لهذا الأمر.

4- كلنا نعرف تصريحات “موشيه ديان” التي قال فيها إنه سيحوّل من تبقى من الشعب الفلسطيني إلى “سقاة مياه وحطابين”، وهو قول له جذور في سفر يشوع، حيث ورد: (وقال الرؤساء لهم ليبقوا عليهم ويكونوا جامعي حطب ومستقي ماء للجماعة كلها…) – 9 / 21، ثم: (وجعلهم يشوع في ذلك اليوم جامعي حطب ومستقي ماء…) – 9 / 27.

5- ويوم أن نسمع مقولة (يهودية الدولة) فلنعلم أنها ليست مستحدثة، بل مستمدة من نصوص تقول: (ولكن إن ارتددتم وتعلقتم ببقية تلك الأمم…) – يشوع 23 / 12 – 13، والتي تفهم على أنها دعوة لعدم التعايش مع شعوب أخرى.

وفي ضوء الواقع الحالي، يتضح أن مختلف الحكومات الإسرائيلية رفضت حلول الدولة الواحدة أو الدولتين، مع تصاعد دعوات في عام 2026م إلى ترحيل الشعب الفلسطيني من أرضه.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى