أخبار وتقاريرمقالاتومضات

معركة الوعي (280) كيف تبني موقفك من الحرب؟! (2-2)

حامد اغبارية

1)

إنّ كون إيران (الشّيعيّة الاثني عشرية) تسعى إلى بسط نفوذها على العالم الإسلامي لا خلاف عليه، وهي تعلن ذلك جهارًا (وقد سبق وفصّلت في هذه المسألة في مقالات سابقة). وهو صراعُ هيمنةٍ عمره يقارب ألف سنة، ولمّا ينتهِ بعدُ، لكنّه صراع داخل الأمة، وهو ليس صراع إخلاء وإحلال كما هو شأن المشروع الصهيوني. والشيعة – شئنا أم أبينا – جزء من الأمة الإسلامية. والخلاف العقدي أو الفقهي أو المذهبي لا يغير هذه الحقيقة ولا يلغيها. وإيران الجغرافيا جزء من بلاد المسلمين وستبقى كذلك، وكونها اليوم تخضع لحكم الملالي ومذهبهم الذي يؤمنون به لا ينفي عنها هذا الانتماء. وللتذكير فقط، فإن نظام الشاه الذي سيطر على إيران قبل الحكم الحالي مارس ضد الشعب الإيراني أسوأ أنواع القمع، وفتح أبواب البلاد أمام المخابرات الأمريكية والصهيونية، ومارس العمالة جهارًا نهارًا. وها هو “وريث العمالة”، ابن الشاه، الذي يحلم باستعادة ملك أبيه مستعينًا بالصهيو – صليبية، يتحدث بنفس لغة العمالة التي مارسها أبوه طوال أربعة عقود، فكان طعنة دامية في خاصرة الأمة. فما الذي سيتغير؟ وماذا نريد بعد هذا؟

2)

لن يتغير شيء! وسيبقى الصراع داخل الأمة كما هو، كما كان منذ مطلع القرن السادس عشر (1501)، وسيواصل ملالي إيران، ومَن يدعمهم ومَن يؤمن بمنهجهم، مساعيهم إلى بسط ولاية الفقيه في بلاد المسلمين. وطوال قرون ظل الصراع سجالًا بين السنة والشيعة، حتى ضاقت الدائرة على حكم الصفويين في عهد السلطان العثماني سليم الأول، الذي تصدى للتمدد الصفوي، وضيّق عليه وعلى أحلامه إلى أقصى الحدود، بعد أن انتصر عليهم في معركة “جالديران” الشهيرة عام 1514 م. لكن أحلامهم لم تتوقف ومساعيهم إلى تحقيقها كذلك. ولسوف يستمر هذا الصراع إلى ما شاء الله.

3)

حتى نرى الصورة كاملة علينا أن نشير إلى مسألة غاية في الأهميّة، وهي أن صراع النفوذ والهيمنة بين أطراف متصارعة في بلاد المسلمين لم تقتصر، ولا تقتصر اليوم على السنة والشيعة، بل نجدها تبرز بقوة في عصر ما يسمى “الدولة الوطنية”، التي ظهرت عقب إسقاط الخلافة العثمانية مطلع القرن العشرين، وجلّها، إن لم يكن كلها، دول تدين بالمذهب السنيّ، بدءًا من مصر الملكية ثم القومية، ومرورًا بسوريا فالسعودية فالعراق، فدول شمال أفريقيا. وقد بدأت هذه المرحلة المظلمة في تاريخنا منذ عصر محمد علي باشا، بينما أصابع الاستعمار الخفية تحرك الخيوط وتلعب بمقدرات الأمة من أجل هدف واحد: تحقيق الحلم الصهيوني في فلسطين، والذي بدأ يتحرك في العلن أواخر الخلافة العثمانية. لذلك فإن أطماع التمدد والهيمنة لم تتوقف ولا تتوقف على المذهبية، وهي بالتأكيد ليست محصورة بين السنة والشيعة كطرفين متصارعين.

4)

حيال ما سبق فإننا عندما نبحث عن أرض صلبة نبني عليها موقفًا صائبًا من الحرب الصهيو – صليبية على إيران، علينا أن ندرك جملة من الأمور:

  • إن الحرب الصهيو – صليبية على إيران لم تقع كون إيران دولة شيعية، ذات أطماع توسعية مذهبية في بلاد المسلمين، وإنما هي جزء من المساعي لضرب أية قوة محتملة يمكنها أن تتصدى لأحلام المشروع الصهيوني في بناء “مملكة إسرائيل الكبرى”، التي سمعنا – جميعًا – نتنياهو وترامب يتحدثان عنها جهارًا نهارًا.
  • إن هذه الحرب، والأهداف التي تقف خلفها، لن تتوقف عند إيران (الشيعية) بل ستصل نارها إلى تركيا (السنية) وإلى باكستان (النووية السنية)، وإلى مصر (السنية) ودول الخليج (السنية) وإلى الجزائر وتونس والمغرب وليبيا (وكلها سنية). وقد نجح المشروع الصهيو – صليبي، حتى الآن في تحييد العديد من هذه الدول عن دائرة الصراع، لكنه لن يكتفي بالتحييد.
  • لنتذكر قبل الأحداث الحالية، التي بدأت منذ السابع من تشرين الأول 2023، أن المشروع الصهيو – صليبي بدأ حملته الكبرى منذ أحداث الربيع العربي، ونجح، بتواطؤ عملائه من الأنظمة الوظيفية (السنيّة) وأدواته المتغلغلة فيما يعرف باسم (الدولة العميقة)، في إفشال طموحات الشعوب العربية في الانعتاق. وكانت أبرز محطات هذه (المواجهة) مؤامرة إسقاط نظام الرئيس المصري الشهيد محمد مرسي وما حمله من أمل للأمة، وما بثه من حياة في جسدها المنهك، وما سجّله من مواقف عمليّة إزاء العدوان الإسرائيلي المتكرر على غزة ومما حدث في سوريا، ومن ثم شن تلك الحرب الشعواء على تنظيم الإخوان المسلمين (السنيّ)، وملاحقته ووصمه بالإرهاب وإخراجه عن القانون، في بلاد المسلمين قبل بلاد الغرب. وقد عشنا وما زلنا نعيش مرارة ما يحدث في ليبيا وتونس وغيرهما.
  • إن علينا أن نستوعب تمامًا أن خطة المشروع الصهيو – صليبي تشمل كل بلاد المسلمين، وأن ما يقف خلف هذا المشروع هو عقيدة توراتية – إنجيلية / أنجليكانية. وما الحرب على إيران إلا إحدى حلقات هذا المشروع، والهدف ليس إيران بحد ذاتها، وإنما – إذا نجح المسعى – تحويل إيران إلى قاعدة صهيو – صليبية ينقضّون من خلالها على سائر بلاد المسلمين. ومن المهم أن نعرف أهمية موقع إيران الاستراتيجي، كونها تشترك بالحدود مع تركيا والعراق وأفغانستان. وهذه الدول، إلى جانب دول أخرى قريبة من إيران (مثل دول الخليج)، تقع في عين عاصفة أطماع ذلك المشروع الذي هو أخطر مشروع على الأمة، وهو بالتأكيد أخطر بكثير من أطماع ولاية الفقيه الذي يقف النظام الإيراني خلفه، وبمقارنة تاريخية هو أخطر من الحملات الصليبية السابقة ومن الغزو المغولي.
  • لنعلم أن الدور القادم سيكون على تركيا ثم على باكستان (النووية)..

نعرف تمامًا، ولا يمكن أن ننسى، سلسلة الجرائم التي ارتكبها النظام الإيراني الحالي بحق أهل السنة، في سوريا طوال 12 سنة، وقبل ذلك في العراق واليمن وغيرهما. ونعرف تمامًا الموقف التاريخي من قضية مقتل الحسين رضي الله عنه. كما نعرف موقف هؤلاء القوم من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخاصة الموقف من أبي بكر وعمر رضي الله عنهما. كما نعرف موقفهم من أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، ونعرف أنهم أوقعوا مقتلة في أهل السنة بحجة الانتقام لدماء الحسين!! ونعرف موقفهم من حكم بني أمية على جهة التحديد. ونعرف أن نداءهم “يا لثارات الحسين” و”يا حسين” و”يا زينب” و”يا علي” ما يزال صداه يتردد في آذان السوريين. ونعلم أن منهم من خطّأ الوحي، ومنهم من يزعم بنقصان القرآن وتحريفه، ومن يقول بما يزعمون أنه “قرآن فاطمة”، ونعرف أنه أعدموا الرئيس العراقي السابق صدام حسين انتقامًا من أهل السنة، ونعلم أنهم يستغلون القضية الفلسطينية من أجل الحصول على شرعية في الشارع الإسلامي؛ نعرف هذا ونحفظه جيدًا، لكن هذا كله، وغيره، يجب ألا يحرف بوصلتنا عن وجهتها الصحيحة، حيث أطماع المشروع الصهيوني الذي وضع قضية الأمة الأولى (القدس والأقصى) على رأس سلم أولوياته، وجعل من بلاد المسلمين هدفًا يحط فيه رحاله ويتمدد ويتوسع من أجل نبوءات توراتية – إنجيلية باتت على مسمع ومرأى من الجميع.

6)

وإننا، إذ نؤمن بأن لله سبحانه سُننًا لا تتبدل ولا تتغير، وأن من سننه إيقاع الجزاء العادل على الظالم أيًا كان وأيًا كانت عقيدته، وتسليط من يسومه العذاب، فإن تلك الحرب الصهيو – صليبية على إيران (الشيعية) هي تسليط ظالم على ظالم، ولن يتوقف الأمر عند هذه المرحلة، إذ لها ما بعدها ضمن قاعدة السنن الإلهية. ولكن في ذات الوقت فإن ما تعرضت له دول الخليج (السنية) أثناء تلك الحرب يقع تحت ذات المبدأ. فقد سلّط الله إيران على تلك الأنظمة العميلة، التي تآمرت على الصحوة الإسلامية، وفتحت أراضيها للصليبية العالمية التي تقودها أمريكا، وحوّلتها إلى قواعد عسكرية لحماية المشروع الصهيوني. مبدأ واحد، لا يتبدل ولا يتغير.. أفما حان الوقت لنفهم؟!

7)

إن ما يجري من حروب، سواء الحرب على غزة، أو حرب روسيا على أوكرانيا، أو الحرب الصهيو – صليبية على إيران ولبنان، وغيرها من حروب، نفهمها من منظور القدر الإلهي أنها تقع تحت سنّة الاستدراج، وأن أهم ما يمكن استخلاصه منها في هذه المرحلة حقيقة القوة العسكرية لأمريكا وروسيا والمؤسسة الإسرائيلية، وسائر الدول الكبرى، التي نجحت في إقناع سكان كوكب الأرض بأنها خطر لا يجدر الاقتراب منه أو استفزازه؛ تلك القوة التي بات واضحًا للجميع أنها هشة، وأنها مجرد بعبع وهمي نُسجت خيوطه على حساب ضعف الآخرين.

8)

في الختام فإن النقاش العبثي حول إيران وموقف السنة من الشيعة وموقف الشيعة من السنة، مع كل ما ذكرناه هنا، هو خارج دائرة الحدث الحالي ويجب أن يبقى خارجه. فالمسألة في هذا الملف ليست مسألة سنة وشيعة، وإن كان لإيران أو مشروع ولاية الفقيه أهداف معروفة، فإن سبل مواجهته لا بد أن تكون معروفة لشرفاء الأمة، وإن تقديم الدعم بكل أشكاله للمشروع الصهيو – صليبي، بحجة دحر المشروع الإيراني، ليس من سُبل المواجهة مع المشروع الإيراني!

وإن كانت إيران (الشيعية) قد ولغت في دماء المسلمين (السنة) في كل مناسبة (خاصة في سوريا)، فإن سيسي مصر (السنيّ!) وعبد الله وسلمان السعوديين (السنيين!)، ومحمد بن زايد (السني!)، وأمثالهم، لهم دور كبير في سفك دماء أهل السنة، وفي مقدمهم تيار الصحوة الإسلامية المعاصرة، كما لهم دور في حصار غزة والفتك بأهلها، ودعم الحرب عليها بشتى الوسائل، فإيانا أن نُخدع!

ولنفهم أنه ما نهضت أمتُنا وما سادت إلا عندما كان مبدأُها الإيمان قولًا وعملًا فبنت حضارة وبقيت في الصدارة، وأنها اليوم في الحضيض، في ذيل الأمم، لأنها استبدلت ذلك المبدأ بمبدأ “إيمان الثرثرة والجدل”.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى