أمران إحلالُهما مُرّ
د. نواعم شبلي جبارين
في مسيرة الحياة، يواجه الإنسان لحظاتٍ لا تُقاس بسهولة القرار فيها، ولا تُحتمل نتائجها بلا ألم. ومن بين أعقد تلك اللحظات ما يمكن وصفه بأن “إحلالهما مُرّ”؛ أي أن كلا الخيارين صعب، وكلا الطريقين مُثقل بالتحديات، فلا يسلم المرء من مرارة الاختيار مهما اتجه.
إنها تلك المواقف التي يجد فيها الإنسان نفسه بين أمرين: كلاهما حقّ أو كلاهما واجب، أو حتى كلاهما خسارة من نوعٍ ما. فقد يكون أحدهما الحفاظ على مبدأ، والآخر الحفاظ على علاقة؛ وقد يكون أحدهما الصدق الصريح، والآخر اللطف الذي قد يُفهم على غير حقيقته. وهنا تتجلى معاناة النفس الإنسانية حين تُجبر على المفاضلة بين قيمٍ عزيزة، أو مصالح متعارضة.
ليست المرارة في هذه الحالات ضعفًا، بل هي دليل حياة الضمير. فالإنسان الذي لا يتألم عند الاختيار بين أمرين صعبين، إنما يفتقد عمق الشعور أو وعي المسؤولية. أما من يذوق تلك المرارة، فهو في الحقيقة يقف على عتبة النضج، حيث لا تُقاس الأمور بسطحها، بل بآثارها ونتائجها.
وقد علّمنا الدين الحنيف أن نُحكّم العقل والنية الصادقة في مثل هذه المواطن، وأن نلجأ إلى الاستخارة والاستشارة. يقول الله تعالى: “فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ”، ففي هذا توجيهٌ رباني بأن الحيرة لا ينبغي أن تُشلّ الإرادة، بل تُمهّد لاتخاذ القرار بعد رويةٍ وتوكل.
إن من أعظم ما يعين الإنسان في مثل هذه المواقف أن يسأل نفسه: أي الخيارين أقرب إلى الحق؟ أيهما أقل ضررًا على الآخرين؟ وأيهما يُرضي الله ولو كان على حساب راحتي؟ فالمعيار هنا ليس السهولة، بل القيمة، وليس اللذة الآنية، بل الأثر البعيد.
كما أن الزمن كفيل بكشف حكمة بعض القرارات التي بدت في حينها قاسية. فكم من اختيارٍ مُرّ كان بوابة خير، وكم من طريقٍ مؤلم كان سببًا في نضجٍ عميق أو إنقاذٍ من شرّ أكبر. لذا، فإن الإيمان بأن الله لا يقدّر إلا الخير، يمنح القلب سكينة حتى في أصعب المفترقات.
وفي الختام، فإن “إحلال الأمرين المُرّين” ليس نهاية الطريق، بل هو امتحانٌ للوعي والإيمان. هو دعوة لأن نكون أوفياء لمبادئنا، رحماء في اختياراتنا، وصادقين مع أنفسنا. فالحياة لا تُعطي دائمًا خيارات سهلة، لكنها تمنحنا دائمًا فرصة لنكون أفضل مما كنا.
وما بين مرارة القرار وطمأنينة الضمير، يولد الإنسان من جديد.
