مودة ورحمة.. وليست تمردًا وندّية
ليلى غليون
في زمن الشقلبة والانحدار القيمي الرهيب، في الزمن الذي يصوّر فيه الحق باطلًا والباطل حقًا، لتشطب وبالقلم الأحمر كل القيم الفاضلة والمبادئ الراقية التي تسمو بالإنسان وتتوجه ملكًا على عرش الإنسانية، في هذا الزمن العصيب الذي تُوسد الأمور فيه لغير أهلها، حيث الرويبضات أصبحوا هم صناع القرار يصولون ويجولون حسبما تمليه عليهم أهواؤهم ومصالحهم، في هذا الزمن الذي تشابكت فيه الرؤى وتخربطت فيه كل الأوراق وكل المعادلات، برز الحديث عن المرأة بشكل واضح وجلي لإقحام هذا المخلوق في دوامة وصراع لا نهائي، لتظل المرأة حسب تخطيطاتهم ريشة في مهب ريحهم، مكبّلة إرادتها، تسير وفق إشارات المرور التي وضعتها في الطريق عقليتهم وما تفتق عنها من أفكار مدمرة، لتضع في يد المرأة صكًا بالمطالبة بالحرية المطلقة من يوم ولادتها إلى آخر يوم في حياتها، تفعل ما تشاء، تلبس ما تشاء، تفكر كيف تشاء، توجه حياتها بالطريقة التي تراها هي مناسبة، ضاربة عرض الحائط كل التشريعات السماوية، والأعراف والتقاليد الاجتماعية والفضائل الأخلاقية، لا بل وجهت سهام الاتهام إلى أحكام العقيدة والدين بأنها السبب في ظلم ودونية المرأة، في مسعى منها خبيث لسلخ هذه المرأة عن قيمها وثوابتها أو على الأقل تشكيكها في دينها، لتجرها جرًا إلى ميدان الصراع مع الرجل، وقلب العلاقة الفطرية الراقية بينهما المبنية على الرحمة والمودة إلى معركة حقوق وواجبات، لتشويه هذه العلاقة وتصويرها وكأنهما في حلبة صراع، كل طرف حريص على الانتصار لنفسه في معركة المنتصر فيها خسران في كل الأحوال.
إن هؤلاء الذين جرجروا المرأة إلى معركة خطيرة مع الرجل، ما تركوا من فضيلة إلا وحاولوا طمسها، ولا رذيلة إلا وزينوها وزخرفوها، ولكن المرأة الواعية لا تنطلي عليها هذه الألاعيب الدنيئة، إذ كيف يمكن أن تكون العلاقة الفطرية بين الرجل والمرأة مبنية على التمرد والعصيان والندية والتمركز حول الذات ومعركة حقوق وواجبات، والله تعالى جعل تلك العلاقة علاقة تراحم متبادل، وعلاقة مودة متبادلة ووصفها بوصف تسقط أمامه كل المحاولات العقيمة لتشويه صورتها النقية الشفافة لقوله تعالى: {ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجًا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة} الروم: آية 21. فهذه هي ثلاثية العلاقة بين الزوجة وزوجها التي بينتها الآية الكريمة والمكونة من: السكن، والمودة، والرحمة، فالسكن أن تكون الزوجة هي ملاذ الزوج الآمن الذي يأوي اليه بعد طول تعب ومن هموم الحياة ومشاكلها، فتسكن إليها نفسه وروحه ويطمئن بها، وهو كذلك بالنسبة لها سكن ومودة ورحمة تأوي إليه في حياة لا تخلو من التعب والهموم والمنغصات، والمودة هي المحبة والألفة التي تربط وتجمع بين قلبيهما، وتزداد هذه المحبة وتكبر بقدر ما في كل منهما من خصال الخير والأخلاق الحميدة وحرص كل منهما على إسعاد الآخر، والرحمة هي الشفقة ومشاعر الحنو التي تفتح باب العفو والتفاهم والتغافل عن الزلات والتي هي محصلة أو نتاج السكن والمودة .
فهذه هي العلاقة التي رسم خارطتها الإسلام والتي ترسو بالزوجين وبالأسرة عمومًا إلى شواطئ السعادة، وليست تلك التي رسمتها الشريعة النسوية والتي تسعى لبث روح العنصرية النسوية البغيضة وتقسيم الأسرة إلى فسطاطين متنازعين، وجعل الأزواج في البيوت كالديكة المتصارعة، البطل من ينتصر على الآخر وليس من يسعد نفسه ويسعد الآخر، إنه الإسلام الذي رتب ونظم تلك العلاقة الراقية ليضع كلا الزوجين في واحة السكن التي تنمو فيها بذور الرحمة والحنان، فتخفف عن الزوجة ما تعانيه من رعاية الطفولة، ومن تهيئة كاملة لمطالب الأسرة والأبناء، لتمتد هذه الرحمة وذاك الحنان وتتسع لتتحول إلى يد حانية تمسح من على وجه الزوج حبات العرق المتصببة على جبينه جراء كده وتعبه لتأمين حياة سعيدة كريمة لأسرته.
إن العلاقة بين الزوج والزوجة كانت وما زالت وستظل من أجمل وأرقى العلاقات الإنسانية، وهي في الرؤية الإسلامية تقوم في إطار تكاملي من المودة والرحمة وليس على الندية التي تنادي بها تلك الأصوات النشاز لتضع المرأة في بوتقة من التردد والارباك ليختل توازنها وتختل بذلك علاقتها مع زوجها ومع أسرتها على وجه العموم، والنتيجة ما نراه في واقعنا المأزوم من فرط عقد الزوجية، وتمزيق النسيج الأسري، وتقويض بناء العلاقات والروابط الاجتماعية، كل ذلك تحت مسميات وشعارات فارغة من كل مضمون وهي في الحقيقة مسميات على غير مسمى.
إنها المودة والرحمة ذاك الحصن الحصين الذي يحمي الأسرة بل المجتمع من التمزق والانهيار، وليست الندية التي حطمت كل جميل في المنظومة الزوجية والأسرية، إنها المودة والرحمة جمال العشرة، وعماد البيت الآمن المستقر الذي تذوب فيه كل هموم الحياة ومنغصاتها، وليس التمرد والعصيان ولا أن تحمل المرأة عصا القانون والتهديد تلهب به ظهر زوجها إذا أخطأ بحقها ولو كان هذا الخطأ بسيطًا، كما يحاولون حشو دماغها.
فالمرأة قطعة من الرجل وجزء من كيانه، كما قال عز وجل: “يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها…” النساء: آية 1.
إن المناداة بهذا الفكر المدمر لهو جريمة ليس في حق المرأة فقط، بل بحق الإنسانية جمعاء، والمصيبة الكبرى ليست في ذات هذا الفكر فقط، بل الاستجابة له والعمل بموجبه من قبل العديد من النساء ممن جرفهن التيار وسرن في نفس المسار ويغردن في نفس السرب، يحملن من هشيم الأفكار الذي يحرق الأخضر واليابس في المجتمعات.
وإننا إذ نقول لكل من يحاولون تشويه العلاقة الفطرية الجميلة بين الزوج وزوجته، ويدعون الزوجة إلى التمرد على زوجها بمطالبتها بالندية المطلقة والمساواة في كل شيء، نقول لهم ما جاء في محكم التنزيل في قوله تعالى: “فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله “. الروم: آية 30.
كما نبشر كل زوجة تريد السعادة في الدنيا ورضوان الله تعالى في الآخرة بما بشر به رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديثه الشريف: (إذا صلت المرأة خمسها وصامت شهرها وحصنت فرجها وأطاعت زوجها قيل لها أدخلي الجنة من أي الأبواب شئت).
إنها طاعة نابعة من الحب والرحمة والتفاهم، وليست من الخضوع النابع من القهر والخوف والتسلط، إنها طاعة مستنيرة من أجل البيت والزوج والأولاد، بل من أجلها هي، وهي ترى نتاج هذه الطاعة من شفافية الحب والسكن النفسي والروحي والجسدي يعكس ليس فقط عليها بل على كل الأسرة، يعكس سعادة واستقرارًا وهناء لن تستطيع النسوية ولا شريعتها ولا عملاؤها أن تهبها ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا.