بترول العرب وإيران وفنزويلا: هدف رؤساء أمريكا من آيزنهاور إلى ترامب

الإعلامي أحمد حازم
تعيش الدولة الفارسية (إيران) منذ أيام عاصفةً شعبيةً قوية من المظاهرات المعارضة لنظام الملالي، والتي تطالب بإسقاطه. هذه المظاهرات العارمة تؤيدها بطبيعة الحال الولايات المتحدة الأمريكية، التي تسعى إلى إزاحة هذا النظام لإعادة السيطرة على نفط إيران، كما كان الحال في عهد شاه إيران رضا بهلوي، الذي أطاحت به ثورة الخميني في خريف عام 1979.
وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد اعترف قبل أيام بوجود اتصالات بينه وبين المعارضة الإيرانية، تمامًا كما يفعل مع المعارضة في فنزويلا. والهدف واحد: النفط.
وبموازاة ذلك، تعيش الولايات المتحدة حالة مشابهة، ولكن مع اختلاف الساحة. فالغضب الشعبي يتوسع في المدن الأمريكية يومًا بعد يوم، حيث شهدت مدينة مينابوليس مظاهرة شارك فيها عشرات الآلاف احتجاجًا على مقتل مواطنة أمريكية برصاص أحد عناصر وكالة الهجرة والجمارك الأمريكية. ولم تلبث شرارة الغضب أن انتقلت سريعًا إلى مدن وولايات أخرى، لتتحول إلى موجة احتجاجات غير مسبوقة شملت أكثر من ألف مظاهرة في أنحاء البلاد.
القاسم المشترك بين مظاهرات إيران وأمريكا هو أن الاحتجاجات تجري ضد النظام في البلدين.
ترامب، مثل غيره من رؤساء الولايات المتحدة، لا يعرف سوى لغة القوة والتلويح باستخدامها. فقد حذّر قادة إيران من أن واشنطن ستشن هجومًا إذا أطلقت قوات الأمن النار على المتظاهرين. وذكرت صحيفة وول ستريت جورنال أن الخيارات الأمريكية تشمل توجيه ضربات عسكرية، واستخدام أسلحة إلكترونية سرية، وتوسيع نطاق العقوبات، وتقديم المساعدة عبر الإنترنت لمصادر مناهضة للنظام الإيراني.
لكن ترامب لا يساعد ولا يدعم دون مقابل. فقد وضع إيران تحت المجهر الأمريكي، ليس دعمًا لشعبها أو نشرًا للديمقراطية والحرية كما يدّعي، بل لأن النفط هو أصل الحكاية.
يتلخص مبدأ الرئيس الأمريكي الأسبق دوايت أيزنهاور، الذي أقرّه الكونغرس عام 1956، في أن منطقة الشرق الأوسط تُعد منطقة حيوية ونفطية مهمة بالنسبة للولايات المتحدة، وأن هناك فراغًا استراتيجيًا لا تستطيع أي دولة أخرى ملأه، ولذلك يجب على الولايات المتحدة أن تتولى ملء هذا الفراغ.
أما الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون، فقد قال ذات يوم إن مسألة السيطرة على الخليج العربي والشرق الأوسط تمثل مفتاح السيطرة على العالم. وكتب في مذكراته: “وبما أن النفط ضرورة وليس حاجة كمالية للغرب، فإن على الولايات المتحدة وحلفائها في أوروبا واليابان أن يجعلوا تقديم المساعدات الاقتصادية والعسكرية لحكومات المنطقة أولوية في اهتماماتهم، وذلك لصد أي عدوان عليها، داخليًا كان أم خارجيًا”.
وهذا ما يجري بالضبط في الوقت الحاضر.
الأستاذ الجامعي وعالم اللسانيات نعوم تشومسكي (Noam Chomsky) وصف الاستراتيجية الأمريكية بدقة حين قال: “النفط هو المورد الطبيعي الأساسي للاقتصاد الأمريكي، لكنه موجود في أراضٍ لا يملكها الأمريكيون، ولذلك يجب أن تبقى هذه الأراضي تحت تصرف الولايات المتحدة، وهي بالتأكيد مستعدة لخوض الحروب من أجل النفط”.
وشهد شاهد من أهله. فاجتياح الولايات المتحدة، ضمن التحالف الغربي، للعراق –الذي يُعد من أكبر الدول امتلاكًا لاحتياطي النفط في العالم– خير دليل على ذلك. فقد كان الهجوم على العراق من أجل الحفاظ على حق الغرب، وخاصة أمريكا، في النفط.
ترامب، الذي طالما ادّعى –هو وغيره من رؤساء “بلاد العم سام”– أن أمريكا تعمل على نشر الديمقراطية والحرية في العالم، وأن “تمثال الحرية” في نيويورك رمز لذلك، أثبت من خلال اختطاف رئيس فنزويلا أن الولايات المتحدة تفعل عكس شعاراتها. فهي تنفذ عمليًا مبدأ مونرو، الذي صاغه الرئيس الأمريكي جيمس مونرو في 2 ديسمبر 1823، والذي تحوّل عبر التاريخ إلى أداة لتبرير التدخل الأمريكي في شؤون الدول الأخرى.
هذا المبدأ يسير عليه ترامب بوضوح. فقد قال في خطاب له الأسبوع الماضي، مطمئنًا حكام الخليج العربي والدول الأخرى الواقعة تحت المظلة الأمريكية: “يجب أن نؤكد بشكل واضح لا غموض فيه لزعماء المملكة العربية السعودية وعُمان والكويت والدول الرئيسية الأخرى في المنطقة، أنه في حال تهديدها من قبل القوات الثورية، سواء من الداخل أو الخارج، فإن الولايات المتحدة ستقف إلى جانبهم بكل حزم، حتى لا يلقوا المصير الذي لقيه شاه إيران”.
وأضاف: “علينا أن تكون لدينا القوات التي يمكن استخدامها. قد نركب مخاطر في الدفاع عن مصالحنا في الخليج العربي، لكننا سنواجه مخاطر أكبر بكثير إذا أخفقنا في الدفاع عن تلك الدول”.
مصالح أمريكا وحدها هي التي دفعت ترامب إلى هذا الخطاب، مؤكدًا جهوزية بلاده لاستخدام كل أنواع القوة. إذ قال أيضًا: “ينبغي علينا أن نكون على استعداد وراغبين في اتخاذ أي إجراءات، بما في ذلك الوجود العسكري القوي وحتى العمل العسكري، لحماية مصالحنا. ويجب أن نكون مستعدين لدعم أقوالنا بالأفعال، وأن تمتلك الولايات المتحدة الوسائل الأساسية التي تمكّنها من عرض قوتها بشكل مقنع في المنطقة، والرد السريع على أي تهديدات مفاجئة”. لا تصدقوه… فهو كاذب بامتياز.



