أخبار وتقاريرمقالاتومضات

معركة الوعي 274 تصريحات هاكابي و”بركان الغضب” العربيّ!

حامد اغبارية

1)

لم تكن تصريحات السفير الأمريكي لدى تل أبيب؛ “مايك هاكابي” حول سعي المشروع الصهيوني للسيطرة على بلاد العرب والمسلمين من النيل إلى الفرات، جديدة في فضاء الخواء العربي والإسلامي، مثلما أنها ليست المرة الأولى التي نؤكد فيها حقيقة المشروع الصهيوني وأهدافه وأطماعه ومخططاته. وما “هاكابي” سوى بوق من أبواق ذلك المشروع، التي تنعق بين فينة وأخرى لتذكّر أنظمة العار العربية و”الإسلاميّة” بحقيقة نفسها، وتذكّر الأمة بحقيقة المشروع الصهيوني والدور الأمريكي – الغربي في مساندة ذلك المشروع مساندة مبنية على عقيدة توراتية-إنجيلية خلاصية خالصة.

وقد خرجت بيانات من أنظمة عربية لتشجب وتستنكر وتستهجن تصريحات هاكابي، رغم علمهم بحقيقة المخطط الذي هم – في الحقيقة – جزء منه وركيزة من ركائزه.

لكنْ يستوقفك مضمون تلك البيانات، أو أهم ما جاء فيها، ومنها يمكنك أن تفهم لماذا! ويمكنك أن تسمع ما لم يقولوه لـ”هاكابي”: لقد فضحتنا وكشفت عنا الغطاء!

خلاصة ما جاء في الموقف الأردني أن تصريحات “هاكابي” هي مسٌّ بسيادة دول المنطقة. بينما جاء الموقف السعودي ليقول: هذه تصريحات عديمة المسؤولية.

ماذا يمكننا أن نفهم من مثل هكذا ردود أفعال ومواقف؟ وكيف يُفسَّر “بركان الغضب العربي” تجاه تلك التصريحات؟ أهو فعلا غضب حميّة ونخوة من أجل البلاد والعباد؟

ليست المسألة كما هي في الظاهر، فتصريحات “هاكابي” ليست مفاجئة بالصورة التي توهم بالصدمة المفتعلة. إنه غضب ليس سببه مضمون التصريح، ولكن سببه هو التذكير مجددا بهذه الصراحة-الوقاحة بأهداف مشروع تعرفها أنظمة العار تلك منذ إنشائها في حظيرة سايكس-بيكو. فمن الذي يهدد سيادة الدول في المنطقة، أو سيادة الأنظمة المهيمنة على شعوب دول المنطقة؟! هل هو المشروع الصهيوني الضامن الأول والأكبر لبقائها؟ إن ما تخشاه تلك الأنظمة هو ضياع سيادتها مما كسبت أيديها يوم أن قبلت أن تكون جزءا من مخطط التمكين للمشروع الصهيوني. إنها تخشى سقوطها تحت أقدام شعوبها بعد افتضاح أمرها وانكشاف وجهها وبيان قُبح ما جاءت به وما صُنعت لأجله. لهذا اعتبرت السعودية تصريحات السفير الأمريكي بأنها “عديمة المسؤولية”، لأنه كان على السفير أن يتحلى “بمزيد من مسؤولية التعتيم والتمويه والضبابية” بخصوص حقيقة أهداف المشروع الصهيوني. فما الحاجة إلى “فضح الطابق” طالما أن المشروع يسير نحو النيل والفرات دون إزعاج ودون اعتراض ودون عقبات، اللهم إلا من الذين يسعى نتنياهو إلى بناء محور جديد لمواجهتهم، والذين يُطلِق عليهم “المشروع السنيّ المتطرف”؟!

نحن الآن في مرحلة شديدة الحساسية للأمة، وهي حساسة في ذات الوقت لأعداء الأمة. ويبدو أن الأحداث تزحف زحفا حثيثا إلى نقطة صدام كارثي لا عودة فيه. فالمسألة أكبر بكثير، وهي تتعلق بمتغيرات عالمية وإقليمية بدأت من “زلزال” غزة، ولا تبشر بخير لا لأمريكا ولا للمشروع الصهيوني، الذي يتصرف قادته منذ سنتين بأسلوب من أدرك واستوعب أن مستقبله الوجوديّ بات على كف عفريت. إنه سلوك المرعوب الذي أدرك وفهم واستوعب، ومع ذلك يمارس منطق تغيير الواقع بالقوة، رغم علمه أن منطق استخدام القوة لبناء نظام عالمي أو إقليمي جديد، أو تغيير مسار الأحداث أو الواقع السياسي أو التاريخ بحسب مقاساته هو ورغباته هو، منطق ثبت فشله ولن يجديه نفعا ولن يحقق له شيئا.

كرة ثلج لن تتوقف حتى تأخذ معها كل الأوساخ، قبل أن تستقر في الوادي.

فحيح الانتخابات و”العملة الصعبة”!

3) أرأيتم حجم العنصرية والكراهية التي عوملنا بها – وما زلنا – منذ بدء حرب الإبادة على قطاع غزة، والتي هي حلقة من حلقات مسلسل الفاشية الذي بدأ منذ النكبة؟!! أعايشتم هذه الأجواء، وتلك السياسات على المستويين الرسمي والشعبي؛ السياسي والأمني والقضائي والشوارعيّ؟! من اليمين والوسط واليسار، ويمين اليمين ووسط الوسط ويسار اليسار؟!!

كل هذا “يختفي” في اللحظة التي يقترب فيها موعد انتخابات سنهدرين المشروع الصهيوني، لتتحول الأجواء إلى “برنجي”، لأن هناك أحزابا صهيونية تسعى إلى غزو الشارع الانتخابي، وحصد أكبر عدد ممكن من الأصوات، وسنجد أنفسنا “أكثر بضاعة مطلوبة ورائجة” في سوق الكنيست، وربما نكون من أثمن العملات الانتخابية الصعبة.

ثم ينتهي المشهد الانتخابي، وتعود القوات الميدانية إلى قواعدها، ويتربع المنتخَبون فوق كراسيهم، ونبقى نحن حفاة عراة عطشى، مجردين من أية حقوق، لنعود كما كنا في دائرة استهداف فحيح العنصرية.

ما الجديد؟!

لا جديد سوى أننا في كل مرة نضيف إلى سِجلّ غبائنا جولة انتخابية جديدة.

في كل مرة تُمارس علينا ذات اللعبة القذرة، بنفس الأدوات الفاشلة، ونسمع نفس الكلام ونصفق لنفس الأكاذيب ونرقص على أنغام الوعود الوردية، ونتمايل طربا على وقع البرامج المنبرية، ونشرب كأس الخطط الوهمية، أحيانا بذات الوجوه الكالحة، وأحيانا بوجوه جديدة أشد “كلاحة”، ثم نتوقع نفس النتيجة. هذه القصة عمرها ثمانون سنة. فقط التواريخ والسنوات وبعض الأسماء هي التي تتغير!!

لذلك حان الوقت كي نتوقف، نفرمل، ونعيد الحسابات ونفكر كيف يحدث لنا هذا، ولماذا! وكيف انطلت علينا الخدعة! وكيف شربنا المقلب ونحن نبتسم بغباء من النِّيع إلى النِّيع!

نحن لا نتعامل – ويجب ألا نتعامل – مع مسألة المشاركة في انتخابات الكنيست (تصويتا وترشيحا) بدوافع عاطفية أو بسذاجة وسطحية، ولا بهدف المناكفة السياسية، أو سعيا إلى حشد تأييد، أو تحقيق مصالح فئوية أو حزبية أو إطارية أو شخصية ضيقة، وإنما نتعاطى مع هذا الملف – الذي يعدّ من أخطر الملفات وأشدها تأثيرا على هويتنا – من خلال فهمنا لحقيقة الصراع على فلسطين: الأرض والإنسان والتاريخ والرواية والهوية، وقوام هذا كله العلاقة بين السماء والأرض في هذا الشأن العظيم الذي هو مدار حاضر أمم الأرض كلها ومستقبلها. هذه بقعة كان لها في تاريخ البشرية دور وشأن، ولها في حاضرها دور وتأثير، ومستقبلها رهن بها.

هناك ما لا يمكن حصره من الأسباب التي تجعل أيّ مواطن فلسطيني حرٍّ من أبناء الداخل الفلسطيني يمتنع عن المشاركة في انتخابات الكنيست. وكل سبب منها يكفي وحده دافعا للامتناع.

أما وجهة نظري الشخصية فإن مجرد التفكير بالمشاركة هي خطيئة على كل مستوى سياسي ووطني وهوياتي، وهي كذلك مسألة عقدية لا يمكن تجاوزها، وتقع في مركزها مسألة الولاء والبراء. وهذه وحدها تكفيني شخصيا، وأفترض أنها تكفي كلّ مسلم. وأنا كمسلم أرى الأمور بمنظار الالتزام بهويتي الدينية شديدة الوضوح، ولا يهمني أي شيء آخر، ولا تهمني كل الخرافات والتخاريف والتخريفات والتخريجات السياسية وغير السياسية التي يبررون بها هذه الخطيئة التاريخية. فهؤلاء الذين يزحفون إلى الكنيست إنما يريدونها لأجندات خاصة أكد الواقع أنها أجندات لا علاقة لها بمصلحة مجتمعنا ولا بقضايانا؛ سواء على مستوى القضايا المدنية أو على مستوى قضية شعبنا الفلسطيني. وإننا لو تجاوزنا مسألة الحلال والحرام والولاء والبراء في موضوع الكنيست، فإن ثمانية عقود عجاف من التجارب المريرة من المشاركة في الكنيست تقول إن “الإنجازات” كانت فراغا، لأن الطريق كان سرابا، والأدوات كانت أضغاث أحلام. ولقد كانت النتيجة الحقيقية الوحيدة – التي يبدو لي أنه لا خلاف عليها – هي أننا سلّمنا رقابنا للمشروع الصهيوني وسِرنا في ركابه ولعبنا بأدواته. وسواء كان ذلك برغبتنا أو بغير إرادة منا، فالنتيجة واحدة؛ كانت واحدة ولا تزال واحدة، وستبقى واحدة. والعاقل من ينظر في النتائج ويقرأ واقع الحال، ثم يغير المسير ويعيد النظر في الخيارات، قبل ألا تكون فرصة.

نقف اليوم على أخطر مفترق طرق، في ظل المتغيرات غير المسبوقة عقب الحرب على غزة من تشرين الأول 2023، والتي من ضمنها انهيار المنظومة العربية وسقوط آخر ورقة توت عن عورتها، وعلينا أن نختار الطريق الصحيح. والمشروع الصهيوني مشروع استيطاني كولونيالي سرطانيّ خبيث، يبذل كل جهد ويسلك كل طريق ويستخدم كل وسيلة كي يحقق أهدافه الإستراتيجية بعيدة المدى، فكيف أقبل – أنا الفلسطيني الحرّ – أن أكون عنصرا مساهما في تحقيق أهداف هذا المشروع؟! كيف يمكن أن تتخيل حدوث هذا ويبقى عقلك سليما غير مشوش ولا معطّل؟!

في واقع كهذا يبدو أنه لن تكون هناك فرص كثيرة تتيح المجال للتأتأة والتردد. وأقل ما يمكن لفلسطينيّ واضح الانتماء أن يفعله هو أن يؤكد ولاءه لقضية شعبه وبراءته من الاحتلال.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى