قراءة في المحتوى الرقمي ودوره في إعادة إنتاج العنف
ساهر غزاوي
لم تعد مواقع التواصل الاجتماعي مجرد وسيلة للتواصل أو للترفيه السريع، بل غدت جزءًا بنيويًّا من الحياة اليومية، تؤثر بعمق في تشكيل الوعي والسلوك ونظرة الأفراد إلى أنفسهم وإلى العالم من حولهم، ولا سيّما لدى فئة الشباب والأجيال الصغيرة. ففي هذا الفضاء المفتوح، تختلط الصورة بالصوت، ويتداخل الحقيقي بالمُصطنع، ويغدو الحدث العادي مادة للعرض، بينما يتحول الاستثنائي، مع كثرة التكرار، إلى مشهد مألوف فاقد لصدمة المعنى.
ومع المشاهدة اليومية المتواصلة، يتراجع الإحساس بخطورة الجريمة وآثارها الإنسانية، ويحل محله نوع من الاعتياد والتبلد. فالجريمة لا تُقدم دائمًا بوصفها مأساة اجتماعية تُدمر الأفراد والعائلات والمجتمع، بل تُعرض أحيانًا كصورة جذابة أو قصة مثيرة، قابلة للاستهلاك السريع. وبهذا المعنى، تسهم مواقع التواصل، من حيث لا يُراد أحيانًا، في خلق بيئة ثقافية تُسهل تطبيع العنف، وتُضعف القدرة على رفضه أخلاقيًّا واجتماعيًّا، خاصة لدى الفئات الشابة.
في هذا السياق، لا يبقى تأثير هذه المنصات محايدًا، بل ينعكس بوضوح على طريقة فهم الشباب لمفاهيم القوة والهيبة والنجاح، بل وللعنف ذاته. فمع الانتشار الواسع لمقاطع تُظهر السلاح، والاشتباكات، وعمليات إطلاق النار، وأغاني تمجيد الجريمة، ولا سيّما ما يُعرف بـ “أغاني الدم”، إلى جانب صور “الهيبة” المرتبطة بعصابات الإجرام، يبدأ العنف في نظر بعض الفتية بالتحول من فعل مرفوض إلى سلوك عادي، بل إلى وسيلة لإثبات الذات وفرض الحضور في واقع يشعرون فيه بالهشاشة وغياب الاعتراف.
وتتجلى المفارقة بصورة أوضح في استخدام خلفيات موسيقية مأخوذة من مسلسلات مثل وادي الذئاب، ولا سيّما موسيقى شخصية مراد علمدار، لمرافقة مشاهد عنف أو سطو أو إطلاق نار، بل وحتى القتل. فالمسلسل، في جوهره، كان يقدم سردية تقوم على مواجهة عصابات الإجرام والعملاء، وتجسيد القوة في سياق محاربة الجريمة المنظمة، لا تمجيدها. غير أن هذه الموسيقى تُستخدم اليوم بعكس معناها الأصلي، لتُضفي على العنف هالة زائفة من البطولة والهيبة، بما يُسهم في قلب الدلالات وتحويل أدوات إدانة الجريمة إلى وسائل لتطبيعها وتجميلها في الوعي الجمعي.
وفي واقع يتقاطع فيه العنف البنيوي مع التفكك الاجتماعي وغياب الأمان، تكتسب مواقع التواصل دورًا مضاعفًا، إذ لا تكتفي بعكس هذا الواقع، بل تُسهم أحيانًا في إعادة إنتاجه وتكريسه. فالجريمة تتحول من حدث صادم إلى محتوى متداول، ومن مأساة إنسانية إلى مادة بصرية قابلة للمشاركة والإعجاب والتكرار، ما يُفرغها تدريجيًّا من بعدها الأخلاقي والإنساني.
من هنا، يبرز السؤال الجوهري: كيف تؤثر مواقع التواصل الاجتماعي في وعي وسلوك الجيل الصغير؟ تلعب منصات مثل “تيك توك” دورًا محوريًّا في هذا السياق، لا عبر خطاب مباشر، بل من خلال منطق الخوارزميات التي تكافئ المحتوى الصادم والسريع والمشحون بالعاطفة. وفي هذا الإطار، تحظى فيديوهات العنف وأغاني الجريمة ومشاهد “الهيبة” بنسبة مشاهدة عالية، لأنها تخاطب حاجات نفسية واجتماعية عميقة لدى الفتية من خلال البحث عن الاعتراف، والإحساس بالقوة، وتعويض الهشاشة، والتمرد على واقع يشعرون فيه بالتهميش وانسداد الأفق.
تقدم هذه المواد نموذجًا بديلًا للبطولة، لا يقوم على القيم أو الإنجاز، بل على العنف والاستعراض. ويُعاد تعريف الرجولة والنجاح من خلال القدرة على التخويف وفرض الحضور، لا عبر العمل أو العلم أو تحمل المسؤولية. ومع التكرار، يتحول هذا النموذج من استثناء إلى مرجعية، ومن مشهد عابر إلى أسلوب حياة قابل للمحاكاة.
وفي بعد آخر لا يقل خطورة، تبرز ظاهرة توثيق الحياة اليومية على نحو يُثير سؤالًا مؤلمًا؛ هل يتحول هذا التوثيق، من حيث لا يُقصد، إلى تمهيد رمزي للموت؟ فقد أضحت مواقع التواصل، ولا سيّما “تيك توك”، مساحة مكتظة بصور ومقاطع فيديو لضحايا جرائم القتل، تُستعاد بعد موتهم وكأنها أرشيف شخصي مُعد سلفًا. ولا يمكن الجزم إن كان هذا التوثيق مقصودًا أو مخططًا له، أم أنه انعكاس لثقافة رقمية تجعل من تسجيل الحياة فعلًا اعتياديًّا لا يُفكر في مآلاته.
غير أن المفارقة المؤلمة تكمن في أن هذه المواد، المصورة في لحظات عادية، تتحول بعد الموت إلى “نُصُب تذكارية رقمية”. إذ يُعيد الأصدقاء والمحبون نشر الصور والمقاطع، مرفقة بموسيقى حزينة، أو أناشيد، أو آيات قرآنية، وأحيانًا بمقاطع وعظية عن الموت والفقد، مع عبارات وداع من قبيل: “والله بكير عليك الموت” أو “الله يرحمك يا غالي”. وبينما يُفهم هذا السلوك بوصفه تعبيرًا صادقًا عن الحزن ومحاولة لتخليد الذكرى، فإنه يُسهم، في الوقت ذاته، دون قصد، في إدماج القتل ضمن دورة الاستهلاك الرقمي، يُشاهد، ويُعاد تداوله، ثم يُنسى، إلى أن تحل الضحية التالية.
ويا ليت هذا الاستدعاء المتكرر للموت يتحول إلى لحظة اتعاظ ومراجعة، لا إلى طقس عاطفي عابر. ويا ليت هؤلاء الفتية والشباب، وهم يشاهدون صور أصدقائهم ومعارفهم الذين غيّبهم العنف، يعملون حسابًا للموت الذي يتخطف الأرواح بلا إنذار، فيدركون هشاشة هذا الطريق وخطورته. غير أن المؤلم أن كثيرين منهم انزلقوا إلى وحل الجريمة والعنف من حيث لا يدرون – أو لعلهم يدرون ولا يملكون أدوات الخروج – فكانوا ضحايا جهلهم، وضحايا جهل ذويهم، الذين تركوهم فرائس سهلة للشارع، بلا حماية تربوية، ولا احتواء اجتماعي، ولا بدائل تُنقذهم قبل فوات الأوان.
بهذا المعنى، لا يمكن التعامل مع محتوى العنف والجريمة في مواقع التواصل الاجتماعي بوصفه انعكاسًا بريئًا للواقع فحسب، بل يجب قراءته كجزء من منظومة أوسع تُعيد تشكيل الوعي، وتُفرغ المأساة من بعدها الإنساني، وتحول الضحية إلى صورة، والموت إلى مشهد، والجريمة إلى حدث قابل للتكرار. ومن هنا، تبرز الحاجة إلى مساءلة هذا الفضاء الرقمي، لا أخلاقيًّا فقط، بل اجتماعيًّا وتربويًّا وثقافيًّا، قبل أن يتحول إلى أحد محركات العنف الصامتة في حياتنا اليومية.



