قضايا المرأة بين الأنصارية والنسوية
ليلى غليون
لم تترأس جمعية نسوية ولم تكن عضوًا في أي منها، ولم تكن من مؤسسات الفكر النسوي الذي ينادي بالمساواة التامة بين الرجل والمرأة رغم الاختلاف والفروقات الفطرية الجذرية بينهما.
لقد نادت بالحرية التي تعلي للمرأة قدرها، ولم تناد بالتمرد والتحرر من المبادئ والقيم، نادت بالمساواة ولكن ليست تلك المساواة التي تخالف الفطرة وتتجاهل اختلاف الطبيعة التي خلق الله تعالى عليها المرأة والرجل.
إنها أسماء بنت يزيد الأنصارية رضي الله عنها، من الصحابيات الجليلات من لقبت بوافدة النساء وخطيبتهن، رفعت قضية المرأة بمفهومها السامي العميق والحقيقي، فقد جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم ممثلة لنساء المسلمين تسأله عن أحكام تخص النساء ومنها حديثها المشهور الذي قالت فيه للنبي صلى الله عليه وسلم: “يا رسول الله، إن الله بعثك للرجال والنساء كافة فآمنا بك واتبعناك، وإنا معشر النساء مقصورات مخدرات قواعد بيوت، وإن الرجال فُضلوا بالجُمع والجماعات وعيادة المرضى وشهود الجنائز والحج بعد الحج وأفضل من ذلك الجهاد في سبيل الله، وأن الرجل إذا خرج حاجًا أو معتمرًا أو مجاهدًا حفظنا له أمواله وغزلنا ثيابه وربينا أولاده، أفنشاركهم في الأجر يا رسول الله؟
فالتفت النبي إلى أصحابه بوجهه الكريم كله ثم قال: “هل سمعتم مقالة امرأة أحسن من مساءلتها في أمر دينها من هذه؟ فقالوا: يا رسول الله ما ظننا أن امرأة تهتدي إلى مثل هذا؟
فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم إليها فقال: انصرفي يا أسماء وأعلمي من وراءك من النساء أن حسن تبعل إحداكن لزوجها وطلبها مرضاته واتباعها موافقته يعدل ذلك كله. فقالت أسماء: فانصرفت وأنا أهلل بالفرح.
إنها امرأة فصيحة جريئة واعية، مثلت النساء بصوت واضح وطالبت بحقوق المرأة وحريتها الراشدة، وعبرت عن حاجات النساء ورفعت صوتهن وناقشت النبي صلى الله عليه وسلم وسألت بكل جرأة عن الحرية والمساواة، ولكنها ليست الحرية والمساواة التي تنادي بها النسويات اليوم، إنها مساواة في الأجر والثواب مع الرجال، إنها حرية واعية تمثل أقوى صورة من صور الحرية الحقيقية للمرأة في الإسلام.
إنها حرية السؤال والمعرفة وليست حرية الانفلات، فأسماء طلبت حقها في أن تعرف أين يقف حق المرأة في الأجر والثواب والمكانة، ولم تطالب بالحرية التي تدفع المرأة إلى التفلت من الضوابط، سألت عن حرية العدل وليس المساواة المطلقة، فهي لم تطلب أن تقوم النساء بفعل الرجال، ولم تتمن أن تقوم بالأعمال التي لم تخلق لها ولا تتناسب مع تكوينها، ولم تطلب أن تتخلى عن أنوثتها أو دورها أو وظيفتها بل طالبت بعدل يتناسب مع طبيعة وظيفتها فقالت: “هل لنا من الأجر مثلما لهم”.
أن الحرية التي طالبت بها أسماء هي حرية الكرامة لا حرية الشهوة، فلم يكن في خطابها ذكر للإغراء ولا دعوة للسفور ولا حديث عن إسقاط حدود الله ولا مطالبة بحرية الجسد ولا ملكية الجسد، بل حرية الكلمة والمشاركة والعبادة والعلم والفهم العميق لدورها، حرية تحفظ للمرأة كيانها ودورها لا حرية تهينها وتتبذلها، حرية منضبطة لا حرية بلا سقف، حرية المحافظة على الحياء لا خلع ثوب الحياء باسم الحرية، حرية تقدر دور المرأة الحقيقي وليست حرية تطالب بإلغاء دور الأم والزوجة واعتبار الأمومة وظيفة غير مربحة وليست رسالة.
فهي لم تدعُ للتمرد على الأسرة ولا بإسقاط مسؤوليات المرأة، ولم تطالب تطالب بالسفور ولا التبرج ولا الانفصال عن عرى الدين، فالحرية الحقيقية التي وصلت إليها أسماء هي المساواة في الأجر والثواب مع الرجال لا التشابه في الأدوار أو قلب الأدوار، أو مزاحمة الرجال في كل واجباتهم، أو أن تخرج المرأة للجهاد أو الجمعة أو الجماعات وغيرها كما جاء في حديثها، بل طالبت بالكرامة المعنوية والشعورية وسألت سؤالًا عميقًا: “أفنشاركهم في الأجر” بمعنى رغم اختلاف طبيعة المرأة وطبيعة الرجل ورغم اختلاف أعمال المرأة وأعمال الرجل، هل لنا نصيب من الأجر كما لهم؟
فكان جوابه صلى الله عليه وسلم: “حسن تبعل المرأة لزوجها يعدل ذلك كله”.
فالحرية إذن ليست في تشابه العمل بين الرجل والمرأة بل في عدالة الثواب. وهنا يكمن مفهوم الحرية العميق والحقيقي، وهو اعتراف كامل بقيمة المرأة واعتبار وظيفتها في البيت والأسرة عبادة عظيمة مستواها في الأجر كمستوى أعمال الرجل العظيمة، فقد رفع النبي صلى الله عليه وسلم قيمة عمل المرأة في أسرتها إلى مرتبة الجهاد والجمعة والجماعات والحج… فلم يطالب الإسلام المرأة بما يشق عليها ولكنه منحها مساحة واسعة من الأجر بما يتناسب مع فطرتها.
لقد فهمت أسماء أن الحرية الحقيقة هي الحفاظ على الهوية الأنثوية التي خلق الله تعالى كل أنثى عليها، فلم تطالب أن تكون رجلًا، ولم تطالب أن تقوم بأعمال الرجال، ولكنها طالبت بالاعتراف بعمل المرأة وتقدير دورها ومساواتها بالرجل بالأجر والثواب، فسر الحرية عند أسماء هو: أجر يساوي أجر الرجال دون أن تفعل النساء ما يفعلونه.
فقد دافعت عن قيمة المرأة وعظيم عملها داخل الأسرة حيث قالت بما معناه: نحن النساء نربي ونحفظ وندبر…
هذه هي الحرية التي طالبت بها أسماء وليست الحرية التي تتخلى المرأة عن دورها أو أن تتشبه بالرجل أو أن يتم تذويب الفروقات بينهما، أو أن تقاس قيمة المرأة وحريتها بمدى خروجها فقط، بل قيمتها تكمن في أن تكون وتبقى وتظل هي نفسها على أكمل وجه.
فاختلاف الأدوار لا يعني اختلاف القيمة، فالرجل بحكم تكوينه الفطري له ما يناسبه من أعمال والمرأة بحكم تكوينها الفطري لها ما يناسبها من أعمال، وكلاهما يصلان إلى نفس الأجر والثواب إذا أديا واجبهما وما خلقهما الله له كما جاء في جوابه لها صلى الله عليه وسلم.
لقد أظهرت أسماء رضي الله عنها بما لا يدع مجالًا للشك، نموذجًا مميزًا في حرية التعبير في المجتمع الاسلامي وهذا يدل على وعيها بمسؤوليتها تجاه بنات جنسها وشعورها بالحق بالسؤال والمطالبة وإدراكها أن الإسلام منحها مساحة للحديث والمناقشة، كما تبين من طريقة حديثها أنها لم تعترض على حكم شرعي.
وما نراه اليوم من مسخ لمفهوم الحرية في الفكر النسوي المشوش والمشوه حيث تسعى الكثير من مركبات الفكر النسوي لإلغاء الفوارق البيولوجية بين الجنسين وفرض أدوار متطابقة للرجل والمرأة وإلغاء تقسيم المهام الأسرية واعتبار البيت أو الزواج قيدًا أمام حرية المرأة حيث دعاوى حرية المرأة تتجه لتخلي المرأة عن أنوثتها ودورها وخلعها ثوب الحياء والمناداة بحرية جسدها وتفكيك الأسرة وقلب الأدوار لإخراجها عن طبيعتها وليس منحها حقوقها كما تدعي وتقول.



