هل تتورط أمريكا في حربها على إيران مثل تورط روسيا في أوكرانيا؟

الإعلامي أحمد حازم
قال الزعيم الشيوعي لينين ذات يوم: “تمرّ عقود أحيانًا بالكاد تُذكر أحداثها، وثمّة أسابيع تتسارع فيها أحداث عقود”. وهذا القول ينطبق على تطورات الحرب على إيران، التي بدأت في الثامن والعشرين من الشهر الماضي، وأسفرت في بدايتها عن مقتل المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي.
ومنذ الثورة الخمينية في أكتوبر عام 1979 شهدت إيران حقبتين: الأولى حقبة حكم الخميني، الذي مات موتًا طبيعيًا في الثالث من يونيو/حزيران عام 1989 بعد عشر سنوات من الحكم، والثانية حقبة خليفته علي خامنئي، الذي قُتل في آخر الشهر الماضي بعد 37 عامًا في منصبه. وهكذا طُويت صفحتان من تاريخ الخمينية في إيران.
قبل عامين، قام خامنئي بتعيين لجنة من ثلاثة أعضاء في “مجلس الخبراء” لتحديد من يحل محله. وقد ركزت اللجنة على اثنين بوصفهما أبرز المرشحين لخلافة خامنئي: مجتبى، نجل خامنئي البالغ من العمر 56 عامًا، والذي يُنظر إليه بوصفه خيارًا للسير على نهج والده، ومنافس آخر هو حسن الخميني، حفيد الخميني الذي أطاح بنظام شاه إيران.
الصراع على كرسي المرشد الأعلى لم يستغرق طويلًا، إذ تم حسمه بانتخاب مجتبى خامنئي، مما يعني أن إيران الآن أمام مرحلة جديدة بالنهج نفسه السابق.
بعد الإعلان عن انتخاب مجتبى خامنئي مرشدًا أعلى لإيران، وجهت إسرائيل تهديدًا باغتيال خليفة المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي. فقد أعلن وزير الأمن الإسرائيلي، كاتس، أن “أي قائد يُعيَّن من قبل النظام الإيراني لمواصلة قيادة برنامج تهديد إسرائيل، أو لمهاجمة الولايات المتحدة والعالم ودول المنطقة، أو لقمع الشعب الإيراني، سيكون هدفًا مباشرًا للتصفية، بغض النظر عن اسمه أو المكان الذي يختبئ فيه”.
وقال كاتس صراحة إنه تم توجيه الجيش للاستعداد والتحرك بكل الوسائل لتنفيذ المهمة، كجزء لا يتجزأ من أهداف الحرب على إيران. فهل سيعيد التاريخ نفسه كما حصل بعد مقتل حسن نصر الله، حين قُتل خليفته هاشم صفي الدين بعد وقت قصير من انتخابه؟
يبدو أن شهر فبراير/شباط هو شهر مفضل للغزو. ففي الرابع والعشرين من فبراير/شباط عام 2022 بدأ الغزو الروسي لأوكرانيا، وهو أكبر صراع في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية. وقد اعتقد الزعيم الروسي بوتين أن جيشه يستطيع تحقيق أهدافه وإخضاع أوكرانيا في فترة قصيرة، استنادًا إلى الفارق الكبير في القوة العسكرية بين الجانبين. لكن الحرب لا تزال مستمرة حتى يومنا هذا.
وليس من المستبعد أن تبقى حرب أمريكا وإسرائيل على إيران مستمرة لوقت غير محدود، تمامًا مثل الحرب الروسية على أوكرانيا.
العدّ التنازلي للنظام الإيراني بدأ عام 2020 باغتيال قاسم سليماني، قائد فيلق القدس، وقد شكلت عملية الاغتيال أول ضربة قوية للنفوذ الإيراني. وبعدها بدأت الضربات تتوالى على إيران: سقوط نظام بشار الأسد في نهاية عام 2024، وهو ما تسبب في انتكاسة لحزب الله في لبنان، ثم حرب الأيام الاثني عشر في الصيف الماضي. كل هذه الأحداث أدت إلى إضعاف النظام.
ويبدو أن خامنئي كان يتوقع مقتله، فقبل أيام من مصرعه استدعى أمين المجلس الأعلى للأمن القومي علي لاريجاني، وكلفه بتولي مهام الإشراف على المرحلة الانتقالية. وقام لاريجاني بعد ذلك بالإعلان عن مجلس قيادة مؤقت يضم ثلاثة قادة: الرئيس مسعود بزشكيان، ورئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني، وعضو مجلس صيانة الدستور آية الله رضا أعرافي، المتشدد والمقرب من الحرس الثوري.
ويبدو واضحًا أن أمريكا وإسرائيل تقصفان كل شيء في إيران، ولا تفرقان بين مدني وعسكري. وحسب المعلومات الإيرانية، تم في اليوم الأول من الحرب قصف مدرسة ابتدائية في مدينة ميناب جنوب إيران. وعرضت وسائل الإعلام الإيرانية الرسمية صورًا لجنازات جماعية لـ168 طفلًا تتراوح أعمارهم بين 7 و12 عامًا، إضافة إلى مدرسيهم.
وقد وصفت الأمم المتحدة الهجوم بأنه “مروع للغاية”، وطالبت بإجراء تحقيق في الواقعة. لكن ماذا ينفع التحقيق؟ كلام فارغ. فإسرائيل نفت شن هجوم على المدرسة، والولايات المتحدة قالت إنها ستحقق في الحادث. وحتى لو حققت أمريكا في الأمر، ماذا سيجري بعد ذلك؟ لا شيء.
ولو عدنا إلى التاريخ لوجدنا أن لإسرائيل ماضيًا وحشيًا في قصف مدارس الأطفال. ففي صباح الثامن من أبريل/نيسان عام 1970، قصفت طائرات من سلاح الجو الإسرائيلي مدرسة بحر البقر المشتركة في قرية بحر البقر بمحافظة الشرقية في مصر، ما أدى إلى مقتل 30 طفلًا وإصابة 50 آخرين، وتدمير مبنى المدرسة تمامًا.
كان ذلك عملًا وحشيًا يتنافى مع كل الأعراف والقوانين الإنسانية. وقد اتهمت مصر إسرائيل آنذاك بشن الهجوم عمدًا بهدف الضغط عليها لوقف إطلاق النار في حرب الاستنزاف. وليس من المستبعد أن يكون قصف المدرسة الإيرانية يندرج في هذا الإطار.