لا تجعل الحياة سباقًا بل اجعلها حضورًا
د. نواعم شبلي جبارين
في زمنٍ تتسارع فيه الخطى، وتضيق فيه المسافات بين اللحظة وأختها، أصبح الإنسان يعيش وكأنه في سباقٍ دائم لا يعرف نهايته. يركض منذ الصباح الباكر خلف المواعيد والإنجازات والأهداف، حتى باتت الحياة عند كثيرين سلسلة من المحطات المتلاحقة التي لا يجد المرء فيها وقتًا ليتوقف، أو يتأمل، أو حتى ليشعر بعمق اللحظة التي يعيشها.
لكن الحقيقة التي قد تغيب عن كثيرين هي أن الحياة لم تُخلق لتكون سباقًا محمومًا، بل لتكون حضورًا واعيًا، حضورًا بالقلب قبل الجسد، وبالروح قبل الخطى.
إن تحويل الحياة إلى سباق يجعل الإنسان يقيس قيمته بعدد ما ينجزه، وبما يجمعه من مال أو مكانة، فيغدو أسيرًا للمقارنة الدائمة مع الآخرين. وفي خضم هذا الركض المتواصل قد يربح الكثير من الأشياء، لكنه يخسر أشياء أعظم: سكينة القلب، وهدوء النفس، ومتعة اللحظة.
إن الحضور في الحياة يعني أن يعيش الإنسان لحظته بوعي، وأن يدرك نعمة الوقت الذي بين يديه، وأن يملأه بما يليق بكرامته الإنسانية وروحه المؤمنة. فكم من إنسان عاش سنوات طويلة لكنه لم يعش يومًا واحدًا بصدق، وكم من إنسان عاش لحظات قليلة لكنها كانت مملوءة بالمعنى والطمأنينة.
وقد نبّهنا القرآن الكريم إلى قيمة الوعي بالحياة وعدم الانغماس في غفلتها، فقال الله تعالى: ﴿وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ (الأعراف: 205).
فالغفلة ليست فقط الابتعاد عن ذكر الله، بل هي أيضًا أن يعيش الإنسان حياته دون إدراكٍ حقيقي لما حوله ولما في داخله.
كما قال رسول الله ﷺ: “اغتنم خمسًا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك.” وهذا الحديث العظيم يلفت نظر الإنسان إلى أن قيمة الحياة ليست في سرعتها، بل في حسن استثمارها.
إن الإنسان الذي يعيش الحياة كسباق قد يصل إلى النهاية متعبًا مثقلًا بالضجيج الداخلي، أما من يعيشها حضورًا فإنه يسير مطمئنًا، يرى الجمال في التفاصيل الصغيرة: في كلمة طيبة، وفي لحظة صمت، وفي دعاء صادق، وفي ابتسامة تُزرع في قلب إنسان.
الحضور الحقيقي يعني أن يكون الإنسان حاضرًا مع نفسه، فيعرفها ويهذبها، وحاضرًا مع من يحب، فيمنحهم من وقته وقلبه، وحاضرًا مع خالقه، فيستشعر نعمته في كل نفس يتنفسه.
فالحياة ليست سباقًا إلى النهاية، بل رحلة معنى، والإنسان الحكيم هو الذي لا يكتفي بالوصول، بل يتعلم كيف يعيش الطريق.
لذلك، لعل أجمل ما يمكن أن يفعله الإنسان مع حياته هو أن يخفف من سرعة الركض قليلًا، وأن يفتح قلبه للحظة التي يعيشها، وأن يدرك أن السعادة لا تسكن في المستقبل البعيد، بل قد تكون كامنة في لحظة حضور صادق يعيشها الآن.
فلنجعل حياتنا حضورًا لا سباقًا، ووعيًا لا غفلة، وطمأنينة لا لهاثًا خلف ما قد لا يدوم. عندها فقط ندرك أن أجمل ما في الحياة ليس كثرة ما مرّ بنا من أيام، بل عمق ما عشنا منها بقلوبٍ حاضرة وواعية.