أخبار وتقاريرمقالاتومضات

مقولة نسب نبي الله إبراهيم الخليل في حسابات المخططات الصهيو- غربية

الشيخ رائد صلاح

نحن نؤمن بنبوة سيدنا موسى عليه السلام، ونؤمن أن الله تعالى قد أنزل عليه التوراة، ونؤمن أن التوراة كما أنزلت على سيدنا موسى كانت هدى ونورًا، وفي ذلك قال القرآن الكريم: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾ المائدة 44.

ولكن هذه التوراة داخلها التحريف بعد موت نبي الله موسى عليه السلام، كما بين ذلك القرآن الكريم، وكما بينت ذلك دراسات دينية يهودية معاصرة وقف على رأسها الحاخام جينتربلوت في سبعينيات القرن الماضي، وما عادت توراة اليوم مرجعًا معصومًا حتى يُبنى باسمها مخططات صهيو- غربية باتت تتحدث صراحة عن اقتراب فرض مقولة إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات، بادعاء أنها حق توراتي ديني تاريخي، وباتت تتحدث عن اقتراب بناء هيكل على حساب المسجد الأقصى، وكأن هذه المخططات هي ميراث ثابت تلقاه الشعب اليهودي من نبي الله إبراهيم الخليل عليه السلام، على اعتبار أن الشعب اليهودي هم لوحدهم نسل إبراهيم الخليل وفق حسابات هذه المخططات.

ومع أن توراة اليوم داخلها التحريف، وما عادت الحجة الدامغة والدليل القاطع لهذه المخططات الصهيو- غربية، إلا أنني سأناقش ما ورد في توراة اليوم حول نسل نبي الله إبراهيم عليه السلام.

وسلفًا أضع هذه النصوص التي اقتبستها من سفر التكوين في توراة اليوم:

1ـ (وأما ساراي امرأة أبرام فلم تلد له، وكانت له خادمة مصرية اسمها هاجر، فقالت ساراي لأبرام: هوذا قد حبسني الرب عن الولادة، فادخل على خادمتي لعلّ بيتي يبنى منها ) 16: 1. فهو اعتراف صريح على لسان سارة أن من ستلده هاجر سيكون بمثابة بيت لسارة: (لعل بيتي يبنى منها)، فكان أن ولدت هاجر إسماعيل كما تمنت سارة.

2- (فبعد عشر سنين من إقامة أبرام في أرض كنعان أخذت ساراي امرأته هاجر المصرية خادمتها، فأعطتها لأبرام زوجها لتكون له زوجة) 16/3.

وفق هذا النص الواضح لم تعد هاجر خادمة، بل أصبحت زوجة لإبراهيم، وهذا يعني أنها أصبحت وسارة سواء، كلتاهما زوجتان لإبراهيم، ونسلهما هو نسل إبراهيم، وحقوق نسلهما سواء.

3- (وولدت هاجر لأبرام ابنًا فسمى أبرام ابنه الذي ولدته هاجر إسماعيل وكان أبرام ابن ست وثمانين سنة حين ولدت هاجر إسماعيل لأبرام) 16-15/16.

وهذا النص في سفر التكوين يؤكد أن إسماعيل كان ابنًا لإبراهيم، وأن إبراهيم هو الذي سمّى ابنه إسماعيل، وأن هذا الابن إسماعيل لأبرام، وهذا يعني أن هذا النص يؤكد بنوة إسماعيل لإبراهيم ثلاث مرات.

فهل بعد ذلك قد يقول عاقل إن إسماعيل لم يكن من نسل إبراهيم؟

4- (أخذ إبراهيم إسماعيل ابنه وجميع مواليد بيته وجميع المشترين بفضته، كل ذكر من أهل بيته، فختن لحم قلفتهم في ذلك اليوم عينه بحسب ما أمر الله به) (17: 23).

فهو نص يؤكد بنوة إسماعيل لإبراهيم، ويؤكد أن إبراهيم ختن قلفة ابنه إسماعيل، وبذلك حمل إسماعيل علامة العهد التي أكرم الله تعالى بها إبراهيم ونسله. وفي ذلك يقول سفر التكوين:

(فتختنون في لحم قلفتكم ويكون ذلك علامة عهد بيني وبينكم) (17: 11).

وبذلك يدخل إسماعيل في العهد الذي بين نسل إبراهيم وبين الله تعالى.

5- (وهذه أيام سني حياة إبراهيم التي عاشها: مئة سنة وخمس وسبعون سنة. ثم فاضت روحه ومات بشيبة طيبة شيخًا مشبعًا بالأيام، وانضم إلى قومه. فدفنه إسحاق وإسماعيل ابناه في مغارة المكفيلة) (25: 7-9).

فهذا النص يؤكد بنوة إسماعيل لإبراهيم في حياة إبراهيم وبعد موت إبراهيم، وهذا النص يؤكد أن إسماعيل شارك في دفن أبيه إبراهيم. فهل هناك أتفه من المقولة التي تدعي أن إسماعيل لم يكن من نسل إبراهيم؟

6- (فقال أبرام: أيها السيد الرب ماذا تعطيني وأنا منصرف عقيمًا، وقيّم بيتي هو أليعازر الدمشقي. وقال أبرام: إنك لم ترزقني نسلًا، فهوذا ربيب بيتي يرثني. فإذا بكلمة الرب إليه قائلًا: لن يرثك هذا، بل الذي يخرج من أحشائك هو يرثك) (15: 2-4).

فمن أين خرج إسماعيل؟ ألم يخرج من أحشاء إبراهيم كسائر إخوته أبناء سارة وقطورة؟

7- (وأما إسماعيل فقد سمعت قولك فيه، وها أنا أباركه وأنميه وأكثره جدًا جدًا، ويلد اثني عشر رئيسًا، وأجعله أمة عظيمة).

فهو نص يثبت أن الله تعالى بارك إسماعيل، فهو مبارك من الله تعالى، وحاشا لله تعالى أن يبارك إنسانًا مجهول النسب. وهذا يعني أن إسماعيل كان ابن إبراهيم في عين إبراهيم كما رأينا ذلك في النصوص السابقة، وأن إسماعيل هو ابن إبراهيم في عين الله تعالى. فهل لعاقل أن يدعي بعد ذلك أن إسماعيل ليس من نسل إبراهيم؟

8- (وإذا الرب واقف بالقرب من يعقوب فقال: أنا الرب إله إبراهيم أبيك وإله إسحاق. الأرض التي أنت نائم عليها لك أعطيها ولنسلك، ويكون نسلك كتراب الأرض، فتنتشر غربًا وشرقًا وشمالًا وجنوبًا، ويتبارك بك وبنسلك جميع عشائر الأرض. وها أنا معك وأحفظك حيثما اتجهت، وسأردك إلى هذه الأرض، لأني لا أتركك حتى أفي بما كلمتك به) (28: 13-15).

فهذا النص يتحدث كما هو واضح عن نسل يعقوب ابن إسحاق ابن إبراهيم، وعلى فرض صحة هذا النص، فإنه يبين أن نسل يعقوب الذين هم امتداد لنسل إبراهيم ستكون لهم ثلاث خصائص:

الأولى أن هذا النسل سيكونون… (كتراب الأرض)، والثانية أن أعداد هذا النسل (تنتشر غربًا وشرقًا وشمالًا وجنوبًا)، والثالثة أنه بهذا النسل: (ويتبارك بك وبنسلك جميع عشائر الأرض).

وهذا يعني أن من تنطبق عليه هذه الخصائص الثلاث فهو نسل يعقوب الذي هو امتداد لنسل إبراهيم. فمن تنطبق عليهم هذه الخصائص الثلاث كما وردت في هذا النص من سفر التكوين في توراة اليوم؟

وجوابًا على ذلك أؤكد أن كل عاقل يتدبر هذه الخصائص الثلاث يدرك ويقر أنها لا تنطبق إلا على إسماعيل ونسله. لماذا؟

لأن نسل إسماعيل اليوم هم كتراب الأرض، حيث إن عددهم قد تجاوز المليارين من المسلمين. وواضح أن هذا النص في توراة اليوم: (ويكون نسلك كتراب الأرض) كناية عن كثرة عددهم، لدرجة أن عددهم سيكون كتراب الأرض.

ويؤكد فهمي هذا قول سفر التكوين:

(وقال الرب لأبرام: وأجعل نسلك كتراب الأرض حتى إن استطاع أحد أن يحصي تراب الأرض فنسلك أيضًا يُحصى) (13-14: 16).

وهو وصف ينطبق على إسماعيل ونسله فقط، فإن هذا النسل يزداد كل يوم عشرات الآلاف بسبب الإنجاب، وبسبب من باتوا يدخلون في الإسلام أفواجًا كل يوم، لدرجة أن هذا النسل كلما قيل إن عدده كذا فإنه يزداد فورًا في اليوم الواحد عشرات الآلاف، ويزداد في الأسبوع الواحد أكثر، ثم يزداد في الشهر الواحد أكثر وأكثر.

ويؤكد ذلك قول سفر التكوين في توراة اليوم:

(فإذا بكلمة الرب إليه، أي لإبراهيم، قائلًا: انظر إلى السماء وأحص الكواكب إن استطعت أن تحصيها، هكذا يكون نسلك) (15: 5-4).

ويؤكد ذلك قول سفر التكوين في توراة اليوم:

(ونادى ملاك الرب إبراهيم ثانية من السماء وقال: أباركك مباركة وأكثر نسلك تكثيرًا كنجوم السماء وكالرمل الذي على شاطئ البحر) (22: 15-18).

فمن هو النسل الذي عدده اليوم كتراب الأرض كثرة، وكنجوم السماء فلا يُحصى، وكالرمل الذي على شاطئ البحر انتشارًا في الأرض؟ إنه نسل إسماعيل لا غير.

وهكذا تنطبق الخاصية الأولى على إسماعيل ونسله فقط.

وأما الخاصية الثانية التي تقول عن أعداد هذا النسل الذي سيكون امتدادًا لنسل يعقوب ابن إسحاق ابن إبراهيم: (تنتشر غربًا وشرقًا وشمالًا وجنوبًا)، فمن هو النسل الذي تنطبق عليه هذه الخاصية الثانية؟

إنه إسماعيل ونسله فقط. هو النسل الذي يمتد وجوده اليوم كتراب الأرض، وكعدد النجوم، وكرمل البحار في شرق الأرض وغربها وشمالها وجنوبها، ولا يجحد ذلك إلا كل جاهل.

وقد بات واضحًا أن هذا الامتداد بات مقترنًا ببناء المساجد في كل الأرض إلى جانب رفع الأذان وإقامة الصلاة في كل الأرض.

فيا سبحان الله تعالى، ها هو هذا الامتداد يصل إلى ألاسكا في أقصى الأرض ويبني مسجدًا فيها، وهو ما شاهدته في إحدى نشرات الأخبار.

وها هو هذا الامتداد يقيم له على سبيل المثال إفطارًا رمضانيًا سنويًا في ساحة أحد مساجد هولندا يحضره ألف رجل وامرأة وطفل، ما بين مسلم وغير مسلم.

وها هو هذا الامتداد يقيم له أول صلاة تراويح في رمضان المبارك الذي يحل علينا الآن في الشارع العام في أحد أحياء نيويورك المعروف باسم حي مانهاتن، حيث شارك في هذه الصلاة ألفا من الرجال والنساء والأطفال بعد أن امتلأ كل من مسجد مانهاتن والمركز الثقافي الإسلامي في مانهاتن بالمصلين، ولم يبق فيهما موضع لأحد. وهذه الشواهد ليست حكرًا على ألاسكا والمسجد في هولندا وحي مانهاتن، بل باتت مشهدًا في كل دول العالم، في كل الأرض، تجمع ما بين العربي والعجمي، وما بين الأبيض والأسود، وما بين كل الشرائح الاجتماعية رغم اختلافها المالي والتعليمي والمهني إلى آخره.

وهكذا فإن نسل إسماعيل ما كان في يوم من الأيام نسلًا بيولوجيًا فقط محصورًا بالدم والنسب والقومية. إن كل من التزم على مدى الأيام الماضية والقادمة برسالة التوحيد السليمة البريئة من التحريف كما جاء بها نبي الله إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ومن جاء بعدهم من سائر الأنبياء وصولًا إلى رسول الله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فهو من نسل إسماعيل، سواء كان من حيث الدم والنسب والقومية من نسل سارة أو هاجر أو قطورة زوجات نبي الله إبراهيم، وسواء كان من حيث الدم والنسب والقومية من نسل سام أو حام أو يافث أبناء نبي الله نوح.

ومن عبث في رسالة التوحيد السليمة وأدخل فيها التحريف أو كفر بهذه الرسالة أو حاربها فهو ليس من نسب إسماعيل كائنًا من كان.

وهكذا فإن الخاصية الثانية الواردة في سفر التكوين من توراة اليوم لا تنطبق إلا على نسل إسماعيل.

وأما الخاصية الثالثة التي تقول: (ويتبارك بك وبنسلك جميع عشائر الأرض)، فمن هو هذا النسل الذي تنطبق عليه هذه الخاصية الثالثة اليوم؟

الجواب واضح: هو إسماعيل ونسله، حيث إن من المعروف أن اليهودية محصورة ماضيًا وحاضرًا في قومية واحدة، هي اليهودية، وليست عالمية وعابرة للقوميات حتى تتبارك بها عشائر الأرض.

بينما الإسلام الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من عند الله تعالى، وهذا الرسول هو من نسل إسماعيل كما هو معروف، والإسلام الذي جاء به هو الرسالة الخاتمة التي تحفظ التوحيد السليم البريء من التحريف،

إن هذا الإسلام كما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من عند الله تعالى هو الرسالة العالمية للتوحيد السليم البريء من التحريف، ولأنها رسالة عالمية فقد تخطت حدود الدم والنسب والقوميات وجاءت لكل أهل الأرض.

ودخل في الإسلام من كل أهل الأرض، وما من جنس بشري اليوم إلا ودخل بعض أبنائه الإسلام، سواء كانوا آلافًا أو ملايين أو عشرات الملايين أو أكثر من ذلك.

وهذا يعني أن رسول الله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الذي جاء من نسل إسماعيل بن إبراهيم هو الذي تباركت به وبنسله الذي هو امتداد لنسل إسماعيل بن إبراهيم كل عشائر الأرض.

وهذا يعني أن الخاصية الثالثة تنطبق على نسل إسماعيل فقط.

وهكذا فإن هذا النص في سفر التكوين من توراة اليوم القائل:

(ويكون نسلك كتراب الأرض، فتنتشر غربًا وشرقًا وشمالًا وجنوبًا، ويتبارك بك وبنسلك جميع عشائر الأرض)، لا ينطبق إلا على إسماعيل ونسله فقط، وهو امتداد لنسل إبراهيم كما بيَّنتُ في السطور الأولى من هذه المقالة.

ويؤكد ذلك جليًّا قول سفر التكوين من توراة اليوم:

(وأما ابن الجارية، أي إسماعيل ابن هاجر، فهو أيضًا سأجعله أمة عظيمة لأنه نسلك) (21: 13).

فكيف زُجَّ باسم يعقوب في هذا النص وقيل فيه:

(وإذا الرب واقف بالقرب من يعقوب فقال: أنا الرب إله إبراهيم أبيك وإله إسحاق. الأرض التي أنت نائم عليها لك أعطيها ولنسلك، ويكون نسلك كتراب الأرض، فتنتشر غربًا وشرقًا وشمالًا وجنوبًا، ويتبارك بك وبنسلك جميع عشائر الأرض. وها أنا معك وأحفظك حيثما اتجهت، وسأردك إلى هذه الأرض، لأني لا أتركك حتى أفي بما كلمتك به) (28: 13-15).

جوابًا على هذا السؤال نحن أمام احتمالين:

الأول: أن هذا النص مما طاله التحريف، فزُجَّ فيه باسم يعقوب.

والثاني: أن المقصود بكلمة نسلك ليست نسل الدم والنسب والقومية، وإنما نسل الأمة الإسلامية العابرة للدم والنسب والقومية التي بناها الأنبياء منذ نبي الله آدم حتى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وهذا يعني أن نسل الأنبياء هم أبناء الأمة الإسلامية التي بناها كل نبي في زمانه، وهم أبناء الأمة الإسلامية التي بناها كل نبي بعده وصولًا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وهكذا تصبح الأمة الإسلامية الخاتمة العالمية التي بناها رسول الله صلى الله عليه وسلم هي نسب كل الأنبياء الذين جاءوا قبله، بداية من نبي الله آدم. وهذا الموضوع بيَّنتُه بالتفصيل في كتاب “نبوة واحدة وأمة واحدة”.

وهذا يعني أن هذه الأمة الإسلامية الخاتمة العالمية هي نسل إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب، والتي أصبح عددها كتراب الأرض، وانتشرت غربًا وشرقًا وشمالًا وجنوبًا، وتبارك بها جميع عشائر الأرض.

وهذا ما يبيِّنه القرآن الكريم في قول الله تعالى:

﴿وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ۖ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ۖ قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي ۖ قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ البقرة 124.

فالدلالة الأساس لهذه الآية تُبيِّن أن ذرية إبراهيم الذين يرثون منزلة إمامته من بعده هم من يحافظون على رسالة التوحيد نقية من التحريف.

وإلا فمن حاد عن هذه الرسالة وأدخل فيها التحريف فهو من الظالمين الذين لا يرثون منزلة إمامته، حتى لو كانوا من ذريته دمًا ونسبًا وقومية.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى