أخبار وتقاريردين ودنياومضات

ما أظن أن تبيد هذه أبدًا

الشيخ عبد الله عياش

ينبهر الإنسان أحيانًا ببعض ما يراه من حوله، فيخلع عليه صفات الديمومة والبقاء، ويظن لوهلة أنه عصيٌّ على الزوال، سواء كان ذلك المرئيُّ فردًا أو نظامًا أو دولة أو حضارة، ولكن التاريخ يشهد بخطأ هذه الفكرة وقصور هذه النظرة، ولا تزال وقائع التاريخ تكرّ عليها بالإبطال، جيلا بعد جيل، وحالا بعد حال، ولعلنا نؤكد زيفها من خلال حديث نبوي شريف، نسوق معه بعض الشواهد الناطقة، وكم في التاريخ من عِبر.

روى البخاري في صحيحه من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كانَ للنبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ناقَةٌ تُسَمَّى العَضْباءَ، لا تُسْبَقُ -أوْ لا تَكادُ تُسْبَقُ – فَجاءَ أعْرابِيٌّ علَى قَعُودٍ له فَسَبَقَها، فَشَقَّ ذلكَ علَى المُسْلِمِينَ حتَّى عَرَفَهُ صلى الله عليه وسلم، فقالَ: (حَقٌّ علَى اللَّهِ أنْ لا يَرْتَفِعَ شيءٌ مِنَ الدُّنْيا إلَّا وضَعَهُ).

جملة نبوية كريمة تقرر مبدأ ربانيًا ووعدًا إلهيًا: (حق على الله أن لا يرتفع شيء من الدنيا إلا وضعه)، هذا قضاء الله في هذه الدنيا وأهلها وما فيها، لا شيء يبقى في صعود دائم وعلوٍّ مستمر، لا فرد ولا نظام ولا دولة ولا أمة ولا جماعة. فمهما كان الشيء الذي أمامك قويًا محكمًا، إياك أن تظن بأنه دائم باقٍ، إياك أن تقع فريسة لهذا الظن الكاذب {ما أظن أن تبيد هذه أبدًا}!(الكهف،35).

تلكم العبارة التي قالها صاحب الجنتين بعدما رأى جنته بمنتهى الجمال والكمال، فكانت مقولته تلك سببًا في استنزال غضب الله سبحانه، فلم يمضِ إلا وقت يسير حتى دار الزمان دورته وقال القدر كلمته، فكانت النتيجة: {وأحيط بثمره فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها وهي خاوية على عروشها ويقول يا ليتني لم أشرك بربي أحدًا * ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله وما كان منتصرا} (الكهف،42-43).

ولا تزال الويلات تصيب هذا الإنسان المتمرد جراء تحديه قانون الزوال، فعندما رأى الناس سفينة التيتانك الشهيرة هالهم حجمها فقالوا: (حتى الله نفسه لا يستطيع إغراق هذه السفينة). تأمل جيدا! إنها نفس الفكرة وذات العبارة، والنتيجة حتما هي النتيجة؛ غرقت السفينة في رحلتها الأولى، لم تكملها! غرقت واستقرت في قاع المحيط، وصارت حديث الناس عشرات السنين، يرون فيها شاهدًا حيًا على مصير الإنسان عندما يتحدى خالقه.

وقد وقع المسلمون قديمًا في هذا الظن الكاذب، ورددوا هذا المبدأ الباطل، بسبب ضعف إيمانهم وقلة يقينهم، فقالوا بعدما رأوا قوة جيوش التتار ووحشيتهم: (من قال لك أن التتار يُهزمون فلا تصدقه)، سبحانك ربي! الجملة ذاتها (ما أظن أن تبيد هذه أبدًا)! ثم حقت كلمة الله على التتار، فصاروا إلى الانكسار والانحسار، بعد الانتشار والاستكبار.

ولكن متى يتعلم الناس عمومًا، والمسلمون خصوصًا، متى يعلمون ويوقنون أن هذه القاعدة مضطردة، ليس لها أي استثناء (حق على الله أن لا يرتفع شيء من الدنيا إلا وضعه)، لأنهم لا ينفكون عن الوقوع في نفس الخطأ، ففي هذا الزمان الذي نعيش؛ كم من إنسان يعتقد هذه الفكرة في حق الولايات المتحدة الأمريكية على سبيل المثال، تلك الدولة التي علت علوا كبيرا، وبلغت الغاية في التمكن والقوة، والنفوذ والسيطرة، فلا يملك أكثر الناس عندما يفكر بها إلا أن يقول -حالًا أو مقالًا-: (ما أظن أن تبيد هذه أبدًا)! زلة تتكرر، وخطأ يُعاد، ولا يقع فيه حقيقةً إلا جاهل بالتاريخ والسنن أو مكذب بوعد الله سبحانه، عافانا الله من كليهما. وما أصدق ما قاله الشاعر الأندلسي أبو البقاء الرّندي:

لِكُلِّ شَيْءٍ إِذَا مَا تَمَّ نُقْصَانُ * فَلَا يُغَرَّ بِطِيبِ العَيْشِ إنْسَانُ

هِيَ الأيام كَمَا شَاهَدْتُهَا دُوَلٌ * مَنْ سَرَّهُ زَمَنٌ سَاءتْهُ أزْمَانُ

وهذهِ الدارُ لا تُبْقي على أحدٍ * ولا يبقى على حالٍ لها شانُ

أينَ المُلوكُ ذوو التيجانِ من يَمنٍ * وأينَ مِنْهُمْ أكَالِيلٌ وتِيجانُ

وأينَ ما شَادَهُ شَدَّادُ في إرمٍ * وأين ما سَاسَه في الفرس ساسانُ

وأينَ ما حازَهُ قَارُونُ من ذَهَبٍ * وأين عادٌ وشدّادٌ وقحطانُ

أتى على الكلِّ أمرٌ لا مَرَدَّ له * حتى قضوا فكأنَّ القومَ ما كانوا

دارَ الزمانُ على دارا وقاتله * وأَمَّ كسرى فما آواهُ إيوانُ

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى