أخبار عاجلةمقالات

من دلالات إعادة مسجد أيا صوفيا إلى أصله كمسجد (2)

الشيخ رائد صلاح

بعد أن أتم السلطان الشاب محمد الفاتح فتح القسطنطينية، وبعد أن طمأن البطريرك ورعيته مؤكدا لهم أنه هو الذي سيحفظ لهم حياتهم وحريتهم، وبعد أن أنهى جولته في أيا صوفيا، رفع يديه ودعا الله تعالى قائلا: (يا الله! يا رب! لا أحد باق من الصغار، ومن السلاطين والوزراء. وآلاف المرات أشكرك، لأنك جعلت العبد مثلي سببا للفتح العظيم مثله)! وهكذا رد السلطان الشاب فتح القسطنطينية إلى الله تعالى ولم يرده إلى نفسه، وبذلك تمثل بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الحمد لله وحده، نصر عبده، وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده)، فالنصر من عند الله تعالى، والفتح من عند الله تعالى سواء كان فتح مكة المكرمة او فتح القسطنطينية. وبعد أن أنهى السلطان الشاب دعاءه، وبعد أن أتم صفقة شراء آيا صوفيا بالتراضي بينه وبين البطريرك أمر واحدا من الأئمة برفع الأذان في أيا صوفيا، فكان أول أذان يُرفع في سماء القسطنطينية بعد الفتح العظيم وأصغى جيش الفتح إلى الأذان خاشعين دامعي الأعين. وما أشبه رفع الأذان في أيا صوفيا في تلك اللحظات برفع الأذان من على سطح الكعبة الشريفة في لحظات ما بعد فتح مكة المكرمة حيث أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بلال بن رباح رضي الله عنه أن يصعد سطح الكعبة وأن يرفع الأذان، وهكذا أصبح رفع الأذان يحمل دلالة شكر الله تعالى على كل فتح عظيم في مسيرة الأمة الإسلامية، فهكذا كان عند فتح مكة المكرمة وهكذا كان عند فتح القسطنطينية، وهكذا حَمَل نفس الدلالة عندما ارتفع في مسجد أيا صوفيا قبل أيام عندما عاد مسجد أيا صوفيا إلى أصله كمسجد، مما يجعلني أقول مستبشرا: إن رفع الأذان قبل أيام في مسجد أيا صوفيا يبشرنا أن الأمة الاسلامية بين يدي فتح عظيم يلتحم ببركته مع بركة فتح مكة المكرمة ومع بركة فتح القسطنطينية، ثم أقيمت أول صلاة جمعة في أيا صوفيا بعد فتح القسطنطينية بتاريخ 1 حزيران 1453، وكان شيخ السلطان الشاب العالم (آق شمس الدين) هو خطيب تلك الجمعة، فاذا كان القاضي إبن شداد هو الذي خطب في أول صلاة جمعة في المسجد الأقصى المبارك بعد أن حرره صلاح الدين الأيوبي من الصليبيين، فأن العالم (آق شمس الدين) هو الذي خطب في أول صلاة جمعة في مسجد أيا صوفيا بعد فتح القسطنطينية، ولمن لا يعلم فإن من يرفع الأذان أو يصلي في مسجد أيا صوفيا فأنه عندما يتجه نحو القبلة أي نحو المسجد الحرام في أذانه أو صلاته فإنه يتجه تلقائيا إلى المسجد الأقصى حيث أن المسجد الأقصى يقع جغرافيا في خط القبلة الرابط بين المسجد الحرام ومسجد أيا صوفيا. وهكذا شاء الله تعالى هذا التوافق الرباني في خط القبلة الواحد بين مسجد أيا صوفيا والمسجد الأقصى والمسجد الحرام ليؤكد وحدة المصير بين هذه المساجد الثلاث، ويؤكد وحدة المصير بين مكة المكرمة حاضنة المسجد الحرام، والقدس الشريف حاضنة المسجد الأقصى، وإستنبول حاضنة مسجد أيا صوفيا، ومن هنا تأتي خطوة إعادة مسجد أيا صوفيا إلى أصله كمسجد، فإن هذه الخطوة المباركة تحمل دلالة تأكيد وحدة المصير بين هذه المساجد الثلاث ووحدة المصير بين الحواضن الثلاثة لهذه المساجد الثلاث.

ثم بعد أن قام السلطان الشاب ببسط الأمن والأمان في كل القسطنطينية عاد الهاربون منها إليها، وعادت رعية البطريرك آمنة مطمئنة إلى بيوتها وأعمالها بلا خوف ولا وجل. وأيقنت أن السلطان الشاب قد ضمن لها سلامة حياتها وممتلكاتها وأعراضها.

ثم أعاد السلطان الشاب مكانة الكنيسة الأرثوذكسية لتمثل الشعب المسيحي وتكون راعية لهم. وتم تعيين البطريرك (جورجيوس سكولاريوس) الملقب (جناديوس) في رئاسة الكنيسة الأرثوذكسية في إستنبول. وبعد أن تم هذا التعيين دعا السلطان الشاب محمد الفاتح (جناديوس) إلى وليمة واستقبله بحفاوة ومودة وإكرام. وأهداه تاجا وصولجانا ثم ودعه باحتفال كبير وقال له على مسمع كل من شارك في ذاك الاحتفال: ((يمكنكم الاستفادة من صحبتي في كل وقت، وتمتلكون حقوق أسلافكم وإمتيازاتهم بكل شأن)). وكما كانت المراسيم تجري في العهد البيزنطي عند تنصيب رئاسة الكنيسة الأرثوذكسية، فقد أقيمت هذه المراسيم لجناديوس وتمت مرافقته حتى كنيسة الحواريين التي خصصت بيتا للبطريرك الجديد في حفل شارك فيه الوزراء والقادة والأعيان بتوجيه من السلطان الشاب محمد الفاتح. وفي هذه الأجواء منح السلطان الشاب محمد الفاتح مرسوما لهذا البطريرك الجديد كتب فيه: (لا أحد له سيطرة على البطريرك، هو والرهبان الكبار من ضمن حاشيته معفيون دائما من الخدمات العامة)!! وفي هذا المرسوم كُتبَ: (أن هذا الامتياز منح لأهل الروم، إن كنائسهم لن تحول إلى مساجد، وإن طقوس زواجهم ودفنهم وسائر أمورهم سَتُقام وفقا لقواعد الكنيسة الرومانية كما كانت في الماضي). وهكذا حصلت الكنيسة الأرثوذكسية على حقوق حرية العبادة، وإقامة مجلس السنودس، وتنظيم الجماعات، وصلاحية تغييرها عند اللزوم، وتبعية بعض الكنائس لنفسها. وهكذا ازدادت أهمية البطريرك بعد هذا التاريخ، وأستمرت تبعية الكنيسة الأرثوذكسية الروسية لبطريرك إستنبول كحال الأرثوذكس في فلسطين وقبرص. ثم تولت الخلافة العثمانية مهمة توفير الأمن للبطريرك وسائر البطارقة وخصصت لذلك وحدة حراسة مكونة من كبار عساكر الإنكشاريين. وإن هذه المعاملة الراقية والشفافة التي تعامل بها السلطان الشاب محمد الفاتح من الكنيسة ورعاياها تجسد رسالة التسامح الإسلامية التي تعاملت بها الخلافة الإسلامية مع أهل الكتاب في كل مرحلة من التاريخ الإسلامي التزاما بتوجيهات القرآن الكريم والسنة النبوية.

ووفق هذا النهج الرائع سار السلاطين العثمانيون بعد السلطان الشاب محمد الفاتح. وفي عام 1461 أحضر السلطان الشاب محمد الفاتح الأسقف الأرمني (خواكيم) إلى إستنبول ومنحه منصب بطريرك أرمني، ومنحه كل الحقوق التي منحها للبطريرك الأرثوذكسي. وإلى جانب ذلك فقد منح السلطان الشاب محمد الفاتح مرسوما لليهود ضمن لهم الحفاظ على معابدهم اليهودية والحفاظ على أرواحهم ومنحهم حرية قراءة توراتهم وعبادتهم بموجب معتقداتهم. ولعل كل هذه المواقف من السلطان الشاب محمد الفاتح دفعت المؤرخ الفرنسي ((جان بول رو)) أن يكتب شهادة حق بَيّن فيها أن الخلافة العثمانية حرصت على العيش في سلام وإخلاص مع كل رعاياها سواء كانوا مسلمين أو مسيحيين أو يهودا، وأنها ساهمت في بناء الحضارة العالمية أكبر مساهمة. بناء على كل ما ورد أعلاه فإن إعادة مسجد أيا صوفيا إلى أصله كمسجد تؤكد على الاعتزاز بالسياسة الشرعية التي انتهجها السلطان الشاب محمد الفاتح وسائر السلاطين الذين جاؤوا بعده مع كل رعاياهم مجسدين بذلك رسالة الإسلام الحضارية وقيمه الإنسانية وحرصه على الحفاظ على سيادة الأمة الإسلامية واستقلالها وحريتها وكرامتها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى