معركة الوعي (294) خيار الكنيست بين السيء والأسوأ
الداخلُ خارج والخارجُ داخل!
حامد اغبارية
1)
هل سألتَ نفسك لماذا لم تنجح الأحزاب العربية في تشكيل قائمة مشتركة حتى الآن، تخوض بها انتخابات الكنيست الصهيوني القادمة، سواء كانت تلك القائمة ثلاثية أو رباعيّة؟! هل حاولتَ العثور على الإجابة بتجرد، ودون تعصب لموقف؛ مؤيد أو معارض للمشاركة في الانتخابات؟!
لنترك الأحداث والمحطات المتتابعة تعطيك الجواب.
2)
في مظاهرة سخنين ضد العنف، والتي نُظمت في كانون الثاني الماضي، وقّعت الأحزاب الأربعة المشاركة في انتخابات الكنيست (الجبهة والتجمع والموحدة والعربية للتغيير) على ورقة مباديء تعهدت فيها بإعادة تشكيل قائمة مشتركة رباعية تخوض بها الانتخابات القادمة. حدث ذلك بينما كانت الدماء تسيل أنهارا في غزة والضفة وفي مجتمعنا.
كان المشهد الذي عُرض في وسائل الإعلام عبثيا ومستفزا في آن: عشرات الآلاف من أبناء مجتمع الداخل الفلسطيني تركوا كل شيء، وجاءوا للمشاركة في المظاهرة تعبيرا عن غضب شعبي حقيقي جراء العنف والجريمة المنظمة التي ما تزال حتى هذه اللحظة تتصدر المشهد المحلي. وفي الوقت الذي كان يجب أن يسجَّل الحدث كإحدى محطات الحراك الشعبي المهمة في تاريخ مجتمع الداخل الفلسطيني، جاءت الأحزاب الأربعة وأحرقت ورقة الإنجاز، واختطفت الأضواء في عملية استغلال، غير مسبوقة، للألم من أجل تحقيق أهداف سياسية، حتى تحولت عملية اختطاف المظاهرة إلى الحدث المركزي في المظاهرة!! فكانت تلك أسوأ عملية استغلال غير أخلاقية لعواطف الجماهير المتعطشة لرؤية مجتمعنا في وحدة حال حقيقية يتمكن من خلالها من معالجة قضاياه ومواجهة أزماته التي راكمتها سياسات المؤسسة الإسرائيلية عبر ثمانية عقود، وما قضية العنف والجريمة سوى نقطة في بحرها المتلاطم.
3)
نعم، إن مجتمعنا- بكل أبنائه، وبكل أطيافه وتياراته وتوجهاته، متعطش لوحدة صفّ حقيقية، وليس إلى وحدة مسرحية هزلية تتصدر مجلسها تيارات ذات أجندات حزبية ضيقة يراها الأعمى ويسمع نشازها الأصمّ، سرعان ما تنتهي وتذوب مع انتهاء الانتخابات!!
ثم ما الذي حدث بعد ذلك؟!
تعثرت المسيرة، وفشلت الأحزاب – حتى الآن- في تشكيل القائمة المشتركة التي يرجونها ويرجوها أنصارها، الذين صفقوا لها في مظاهرة سخنين. فما السبب يا ترى؟ لماذا لم تنجح (وحدة الصفّ الحزبية)؟!
في الوضع الطبيعي، فإن مجتمعًا يعاني من عشرات الملفات الحارقة لا بد أن يسعى ويضغط بكل وسيلة من أجل معالجة تلك الملفات في مواجهة سلطة هي السبب الرئيس فيها، وفي كثير منها هي السبب الوحيد في إيجادها وتأزيمها. وليس أمام المجتمعات الحية المعافاة إلا وسيلة واحدة: وحدة حال تحوّله إلى صخرة يصعب تحطيمها، وإلى سدّ منيع أمام أية محاولة لاختراقه وخلق أزمات جديدة أو تأجيج أزمات قائمة، وإلى قوة صلبة وقلعة منيعة تحفظ وجودها وهويتها.
غير أن مجتمعًا-كمجتمعنا- يعاني من حالة تشظٍّ وتشرذم كانت الأحزاب ذات الأجندات السياسية قصيرة النظر المفرطة في الأنانية سببا رئيسا فيها، سيبقى يراوح مكانه، بل ويتراجع إلى الوراء. وهذا هو حالنا الآن، وهو حال يرثى له، ولا يجادل في مأساويته منصفٌ ولا مبدئي.
كانت وثيقة سخنين، إذن، أول وَصْلة خداع تعرّض لها الجمهور (الذي صفق لها والذي لم يصفق)، لأن ما حدث بعد ذلك لا يقل سوءا، إذ اتضح أن الموقف ليس مبدئيا، ولم يصدر عن رغبة حقيقية، وإنما جاء لضرورات انتخابية صرف. لقد ركلت الأحزاب (كلها) كلَّ هذا في لحظة انكشاف لحقيقة أجنداتها، إذ اتضح أن المسألة كلها هي صراع على عرش لا يملكونه أصلا!! فكيف يمكن لجمهور، يقال في الأدبيات السياسية إنه واعٍ ومسيّس، أن يثق بمن خدعه واستغله واستدرّ عواطفه أكثر من مرة؟! أفيُلدغ المؤمن من جحر مرتين؟! إن التفسير الوحيد لاحتمال وجود ثقة لدى شرائح من الجمهور بسلوك تلك الأحزاب هو أن هذه الشرائح من الجمهور تمارس دور القطيع…!
4)
في إحدى مقابلاته التلفزيونية هذا الأسبوع قال رئيس حزب التجمع، الدكتور سامي أبو شحادة إن الحزب قرر عدم الخوض في موضوع تقسيم المقاعد عبر وسائل الإعلام. وهذا التصريح يعني شيئا واحدا: اعتراف ضمني بأن السبب الوحيد لعدم تشكيل القائمة (الثلاثية حتى الآن) هي الصراع على تقسيم المقاعد في القائمة المحتملة، وهذا ما دفع العربية للتغيير إلى الانسحاب من مفاوضات تشكيل القائمة في آخر اجتماع. فكيف يثق الجمهور بالذين يوهمونه بالحديث عن حل أزماته في خطابهم الإعلامي، بينما يراهم يتصارعون على تقسيم الكعكة؟! أية قيادة هذه التي يمكن للجمهور أن يثق بها، ويسلمها قياده، ويمنحها صك التحدث باسمه، وهي لم تحسن (ولا مرة واحدة) أداء الدور المرجو منها؟!
5)
قد يقول قائل: لقد نجحت الأحزاب في تشكيل قائمة رباعية عام 2015، ثم قائمة ثلاثية (دون الموحدة) عام 2020، وليس هناك ما يمنع من تشكيلها هذه الجولة أيضا.
هذا وارد. غير أن المسألة لا تتعلق بتشكيل قائمة مشتركة من عدمها، وإنما بحقيقة الدوافع لتشكيلها: هل هي السعي لمصلحة مجتمع الداخل وحل قضاياه الملتهبة المتفاقمة (هذا على فرض أن قضاياه محصورة فقط في المسائل المتعلقة بالمواطنة وتوابعها، ولا علاقة لها بالهوية والانتماء)!! أم أن السبب يقف وراءه دافع واحد: الوصول إلى الكنيست بأي ثمن، وتحقيق أكبر عدد ممكن من المقاعد، بغض النظر عن أية إنجازات متوهمة؟!!
في 2015، كان واضحا أن السبب الوحيد لذلك البازل العجيب، الذي كان طوال سنين يعيش صراعات إيديولوجية تصل إلى حد الشتائم والاتهام بالخيانة بين بعض الأحزاب، هو رفع نسبة الحسم من 2% إلى 3.25%. لم يكن هناك أي دافع آخر. فقد كان رفع نسبة الحسم (التي وقف وراءها أفيغدور ليبرمان) يهدف إلى إخراج الأحزاب العربية (الصغيرة) من الكنيست، فكانت القائمة المشتركة بمثابة إكسير الحياة لتلك الأحزاب! ثم كانت المسألة أكثر وضوحا عام 2020، بعد الفشل في تشكيل القائمة في انتخابات 2019، وخوضها في قائمتين منفصلتين. فهل سأل أحد نفسه: لماذا حدث كل هذا؟ وهل بعد هذا كله يمكن الوثوق بمن يستغل الجمهور للحصول على صوته ثم يدير له ظهره كأنه لا يعرفه؟!
6)
وأعجبُ من هذا كله أن يخرج على الناس من يقول في أحد اجتماعاته الانتخابية، إن أحد المواطنين اتصل به قبل ساعة (لماذا يقولون دائما: قبل ساعة؟! أنا أعرف، فهل تعرفون؟!) وطلب منه التدخل لمنع هدم بيت في إحدى البلدات!! طبعا “الاتصال” جاء (قبل ساعة من الاجتماع الانتخابي) ليقال للجمهور: الهاتف مقطوع الآن! لا أحد يرد. شو وزنك السياسي؟! صفر!
والمقصود من هذا الكلام أن الحكومة الحالية لا تردّ ولا تستجيب ويجب إسقاطها واستبدالها بحكومة (نكون فيها شركاء!) كي ترد على الهاتف! ويكون لنا تأثير!! حتى نمتلك القدرة على أن نوقف القتل والإجرام وهدم البيوت، لأننا لسنا أيتاما على مائدة اللئام، ولن نعطي يدنا لأي جهة ولا لأي حكومة إلا إذا كانت هذه الحكومة في صالح مجتمعنا العربي…. الخ طبعا!
حسنا! أنت تقول للجمهور إنك تريد أن تكون شريكا في الائتلاف لتؤثر من الداخل. وبغض النظر عن التجربة السابقة الفاشلة، فإنه لديك شروط للانضمام للائتلاف، فماذا لو رفضت أطراف الائتلاف الأخرى (الصهيونية) شروطك؟! هل ستدخل رغم ذلك أم ستبقى خارجها؟! وهَب أن الشركاء قد قبلوا شروطك فقط من أجل أن يشكلوا الحكومة، ثم نقضوا الاتفاق الائتلافي (كالعادة)، ماذا ستفعل عندها؟ في كلتا الحالتين أنت الخاسر. فماذا فعلت إذن، وماذا حققت؟!!
ثم السؤال الحقيقي: هل فعلا أن المشاركة في ائتلاف حكومي صهيوني يمكن أن تحقق كل تلك الوعود التي سردتموها للجمهور قبل ذلك في انتخابات 2021؟! ماذا تحقق منها؟!! ألم يعدوكم بملء الأرض ذهبًا؟ فأين ذهَبَ الذهبُ؟!! أليست حكومتكم تلك هي التي وجهت الميزانيات لتوسيع الاستيطان في الضفة الغربية والقدس تزيد بنسبة 60% بالمقارنة مع حكومة نتنياهو السابقة؟
إذا كانت الحكومات الإسرائيلية (وليس فقط حكومة نتنياهو) لا تحترم الاتفاقيات الدولية التي توقّع عليها، وتنقضها بجرة قلم، كما هو الأمر في “أوسلو”، وفي هدنة غزة الحالية، وهذان فقط مثالان من قائمة طويلة لا تنتهي، فهل يمكن أن نكذّب ما تراه العين منذ ثمانية عقود، ونصدق أن الائتلاف القادم (الذي تريدون أن تكونوا شركاء فيه، وحسب تقديري: بكل ثمن)، سوف يرد على التلفون؟!
والسؤال الحقيقي الآخر: مع من ستدخلون الائتلاف؟! مع الجنرال آيزنكوت الذي يرفض الشراكة مع القائمة الموحدة تحديدا؟ أم مع بينيت الذي أعلنها صراحة أنه يسعى لحكومة صهيونية خالصة، وشراكة فقط مع مَن يخدم في الجيش؟! هل لأجل هذا تحدث مَن تحدث عن الخدمة المدنية كبديل وكمدخل لشراكة قادمة؟ ولماذا نستبعد إمكانية الائتلاف مع نتنياهو الذي يريدون إسقاطه؟! فغريزة البقاء تبيح كل شيء… فالبقاء أصبح (ضرورة….) والمحظورات يمكن تجاوزها مهما كثُرت.
نحن نتحدث عن مجتمع إسرائيلي بعد السابع من تشرين الأول 2023، يعني باختصار: مش قادر يشوفك ولا يشوف خلقتك ولا يسمع صوتك. ونحن نرى كيف أن رؤساء الأحزاب الصهيونية التي ستخوض الانتخابات، من لبيد إلى ليبرمان إلى بينيت يتلاعبون بالألفاظ فيما يتعلق باحتمال شراكة من أي نوع كان مع الأحزاب العربية، حتى يكسبوا كل الجبهات. فكيف يمكن الوثوق بمن لا مبدأ له ولا عهد؟ فهل يَعقِل من يَعقِل حجم اللعبة وحقيقة النهج؟!
7)
طبعا نحن لم نسأل أسئلة أخرى تتعلق بالموقف مما يحدث في غزة، إذ أن هناك من لم يسمع بما يجري هناك!! ولم نسأل عن الموقف من ملف قضية الصراع على فلسطين! لأن هناك من وصل به الأمر درجة المساواة بين السرديّتيْن، ولم نسأل عن الثوابت التي تهاوت كحجارة الدومينو الواحد بعد الآخر، ولم نسأل عن قضية الهوية والانتماء والهمّ الأكبر، ولا عن قضية الأقصى المبارك، لأن هناك من منح صك ملكية لحائط البراق (الذي أصبح في أدبياته السياسية كوتيل معرافي) لمن لا يملك فيه نسمة هواء عابرة، ولا عن جرائم المستوطنين في الضفة، ولا عن تمدد الاستيطان الذي لم يتوقف منذ 1967، فهذه كلها قضايا حجمها كبير لا يقدر على حملها إلا من أخذها بحقها.
8)
هناك مليونان ونص مليون إنسان، مثلنا تماما، يشبهوننا في كل شيء، في الخلقة والجسم والمشاعر والأحلام والطموحات. وهؤلاء (بالصدفة!!) إخوة لنا في الوطن والدين والهوية والانتماء لنفس الأرض، يُقتلون حتى هذه اللحظة، بآلة حرب المؤسسة الإسرائيلية التي يُشكل الكنيست عمودها الفقري وأحد مرتكزاتها الوجودية. مليونان ونص المليون مشردون، نازحون، يعيشون في الخيام، يتضورون جوعا، ويموتون عطشا، وإن لم تقتلهم آلة الحرب قتلهم المرض أو الحرمان من تلقي العلاج من إصابة قذيفة أمريكية بدبابة إسرائيلية، وآلاف الأيتام والأرامل لا يجدون من يمنحهم الأمن ولا الحياة الكريمة، وركام بيوت مهدمة يغطي رُبع الكرة الأرضية. هؤلاء لم يسمع بهم أحد، ولذلك لا يمكنه الحديث عنهم.
فبئس الطريق! وبئست الخيارات التي نرى نتائجها عيانا قبل أن تقع، وبئست الأصوات التي جعلت مدار حياتها وطموحها الأكبر حصد أصوات توصلها إلى بيت خراب!
9)
لا فرق عندي بين من يسعى إلى الدخول في ائتلاف حكومي صهيوني بذريعة التأثير من الداخل، وبين من يريد التأثير من الخارج فيوصي بمرشح لتشكيل الحكومة القادمة التي ستواصل دهسنا. وليس مُهمًّا نوع الدهس ولا أسلوبه، فلا فرق بين دهس تحت مجنزرة وبين دهس تحت عجلات شاحنة.
ومَن نُصدّقُ من بين فريقين كلاهما يزعم الحنكة السياسية، ويدّعي تلك الدعاية الممجوجة في الموازنة بين السيء والأسوأ، فيختار السيء لأن الأسوأ أسوأ منه؟! ويكأنه لا خيار لنا إلا الممايزة بين سيِّئين وسوأتيْن!!
نحن لا نصدّق أيا منهما. فكل داخل خارج، وكل خارج داخل!!
ونعود ونؤكد: إن أسوأ سوأة ارتكبها ذاك الفريق من مجتمعنا، بعد عام النكبة، هو الذهاب إلى الكنيست. فهو الذنب الأكبر، وما بعده من ذنوب كبيرة نتيجة حتمية له.
