من قال إن علينا أن نضع كل البيض في سلة الكنيست؟
ساهر غزاوي
إن وضع كل البيض في سلة الكنيست لا يعني فقط اختزال العمل السياسي في التمثيل البرلماني وصناديق الاقتراع، ولا سيّما انتخابات الكنيست الإسرائيلي، بل إن المشكلة أعمق من ذلك بكثير. فلم يعد الكنيست، في الخطاب السياسي السائد، مجرد ساحة من ساحات العمل العام، وإنما غدا المرجعية التي تُقاس بها السياسة نفسها، وأصبح الانخراط فيه معيارًا للحكم على الوعي السياسي، وللتفريق بين من يفهم الواقع ومن لا يفهمه، وبين من يتقن البراغماتية وفن الممكن ومن يفتقد إليهما.
بل تجاوز الأمر ذلك إلى احتكار تعريف السياسة ذاتها، حتى بدا وكأن مفاهيم مثل الواقعية السياسية، والبراغماتية، وفن الممكن، والقراءة السياسية، أصبحت حكرًا على من اختار المشاركة في انتخابات الكنيست، أما من اختار مسارًا سياسيًا آخر، فيُعامل وكأنه يفتقر إلى الفهم السياسي أو يعيش خارج الواقع. وبذلك لم يعد الخلاف يدور حول وسيلة من وسائل العمل السياسي، بل حول من يمتلك حق تعريف السياسة، ومن يمنح صكوك الفهم السياسي، ومن يحدد ما هو العمل السياسي وما ليس كذلك.
ولعل هذا يفسر جانبًا من الخطاب الانتخابي السائد في كل دورة انتخابية. فمن الطبيعي أن تسعى الأحزاب العربية وقوائمها الانتخابية إلى إقناع جمهورها بأهمية المشاركة، لكن ما يصعب تفهمه هو الانتقال من الدعوة إليها كخيار سياسي إلى تسويقها على أنها المدخل الوحيد للتغيير، والمخرج الحاسم من أزمات المجتمع العربي.
حتى غدت الانتخابات تُقدم على أنها “لحظة تاريخية” أو “فرصة لا يجوز تفويتها”، بل وأحيانًا على أنها الفرصة الأخيرة لإنقاذ المجتمع العربي واستعادة قدرته على التأثير. وهكذا لم تعد المشاركة تُطرح كأحد الخيارات السياسية الممكنة، بل كخيار وحيد لا بديل عنه.
ثم لا بدّ من سؤال آخر: إذا كان إسقاط الحكومة الحالية هدفًا تلتقي عليه أطراف إسرائيلية ودولية متعددة، وإن اختلفت دوافعها وحساباتها، ولا سيّما بعد الكلفة السياسية والاستراتيجية الباهظة التي ألحقتها هذه الحكومة بإسرائيل على المستويين الدولي والإقليمي، حتى غدا التخلص منها مصلحة تتقاطع عندها قوى عديدة، فكيف يتحقق هذا الهدف؟
تتبنى الأحزاب العربية هذا الشعار أيضًا، وتدعو إلى استبدال الحكومة الحالية بحكومة “أقل ضررًا”. لكن هل يكفي أن يُقال للناس: “لا يهم لمن تصوت، المهم أن تخرج وتُصوت”؟ ولمن يكون هذا التصويت أصلًا؟
فالخريطة السياسية ليست كتلة واحدة، فهي تضم القائمة العربية الموحدة التي جعلت من المشاركة في الائتلافات الحكومية خيارًا استراتيجيًا، وأعلنت استعدادها للانضمام إلى أي حكومة تقبل بها شريكًا، بغض النظر عن اسمها أو تركيبتها. وفي المقابل، توجد الأحزاب العربية الأخرى، التي يُتوقع أن تخوض الانتخابات في إطار قائمة مشتركة ثلاثية أو ثنائية، والتي تتبنى مسارًا سياسيًا مختلفًا عن مسار الموحدة. وهناك أيضًا قوائم تطرح نفسها تحت عنوان “الشراكة العربية–اليهودية”، إلى جانب الأحزاب الصهيونية التي تضم مرشحين عربًا في مواقع متأخرة من قوائمها، بما يجعل فرص وصولهم إلى الكنيست شبه معدومة.
أما إذا كان المعيار الوحيد هو إسقاط حكومة نتنياهو، فإن السؤال: هل يكفي رفع هذا الشعار، في حين أن تشكيل الحكومات الإسرائيلية يبقى، في المقام الأول، رهينًا بالقرار الانتخابي للأغلبية اليهودية؟ وإذا كان الأمر كذلك، فأين تقف الحدود بين الدعوة إلى التمثيل العربي وبين اختزال المشاركة كلها في هدف إسقاط الحكومة؟ وهل يصبح شعار: “لا يهم لمن تصوت، المهم أن تخرج وتُصوت” تعبيرًا عن رؤية سياسية متماسكة، أم أنه يطمس الفوارق بين المشاريع السياسية المختلفة؟ ثم إن التجارب السابقة أظهرت أن الزج بالأحزاب العربية في معادلة تشكيل الحكومات قد يتحول، في ظروف معينة، إلى ورقة تعبئة بيد اليمين المتطرف، كما حدث مع استثمار خطاب “سيطرة العرب على الحكومة”، وهو خطاب أسهم في تأجيج الناخب اليهودي وتعزيز قوة اليمين بدل إضعافه.
لقد مضت ثمانية عقود جُربت خلالها مختلف أشكال العمل السياسي، وكان للكنيست النصيب الأكبر من هذه التجربة. فمنذ أول مشاركة للأحزاب والقوائم العربية عام 1949 وحتى انتخابات عام 2022، استنفد هذا المسار معظم إمكاناته، ليس بالضرورة لأن الأحزاب أخفقت دائمًا، بل لأن الكنيست، كونه أحد أعمدة المشروع الصهيوني، يعمل ضمن بنية سياسية وقانونية تضمن تفوق الأغلبية اليهودية، وتضع حدودًا موضوعية لأي قدرة عربية على إحداث تغيير جوهري في طبيعة النظام أو اتجاهاته.
والمقصود بأن تجربة الكنيست أخذت حقها أنها كانت، طوال معظم العقود الماضية، الخيار السياسي الذي حظي بالتأييد الشعبي الأكبر. فبيانات الانتخابات منذ عام 1949 وحتى عام 2022 تُظهر أن نسب المشاركة العربية تجاوزت في كثير من الدورات 70%، ووصلت في بعضها إلى أكثر من 80%، بما يعني أن هذا المسار نال فرصته الكاملة، واستنفد رصيده الشعبي والسياسي على امتداد نحو ثمانية عقود.
في المقابل، لم تتحول المقاطعة يومًا إلى الخيار الذي حظي بالأغلبية الشعبية، بل بقيت، في معظم المحطات، موقفًا أقلويًا، رغم تزايدها التدريجي خلال العقدين الأخيرين، ولم تتجاوز نسبة المشاركة إلا في حالات محدودة واستثنائية. ولذلك فإن النقاش الدائر اليوم لا يجري بين مسارين خضعا للاختبار التاريخي بالقدر نفسه، بل بين مسار حظي بتأييد الأغلبية وجُرب على نطاق واسع، وآخر لم يُمنح فرصة مماثلة.
ويبقى السؤال: لماذا يُطلب منا، في كل محطة انتخابية، أن نضع كل البيض في سلة الكنيست، وأن نختزل العمل السياسي في مقاعده وحساباته، كما تروج لذلك معظم الأحزاب والقوائم العربية، بل وحتى بعض القوائم التي ترفع شعار “الشراكة العربية–اليهودية”؟ ألم تكشف تجارب العقود الماضية حدود هذا الرهان، حين تبدلت الحكومات وبقيت السياسات والبنية الحاكمة على حالها؟
وهكذا أصبح ارتفاع نسبة التصويت يُقدم وكأنه الشرط الحاسم لتغيير الواقع السياسي، حتى بدا أحيانًا أن مستقبل المجتمع العربي يتوقف على نسبة المشاركة وحدها. ويترتب على هذا التصور تحميل المقاطعين مسؤولية نتائج تفوق بكثير حجم تأثيرهم الفعلي، مع تجاهل حقيقة أن تشكيل الحكومات الإسرائيلية وصناعة القرار فيها يخضعان أساسًا لموازين القوى داخل المجتمع الإسرائيلي اليهودي، كما يعفي الأحزاب المشاركة من مراجعة تجربتها السياسية وقدرتها الفعلية على التأثير في السياسات التي وعدت بتغييرها أو الحد من آثارها.