مع كتيب “الخدمة المدنية والفلسطينيون في إسرائيل”

الشيخ رائد صلاح
لقد أصدر كتيب “الخدمة المدنية والفلسطينيون في إسرائيل” مركز الدراسات المعاصرة قبل حظر هذا المركز إسرائيليًا. وقد عُدت إلى هذا الكتيب وقرأته مرة ثانية، بعد جلسة لجنة المتابعة العليا الأخيرة التي كانت بتاريخ 2-7-2026، والتي أكدَت فيها، بالإجماع، تمسكها بموقفها التاريخي الرافض مبدئيًا للخدمة المدنية.
وعندما قرأت هذا الكتيب لفت انتباهي أمور كثيرة، كان من أهمها مراحل تطور مشروع الخدمة المدنية، وما هي آثار هذا المشروع على مجتمعنا في الداخل الفلسطيني.
وحول تطور هذا المشروع فقد ورد في هذا الكتيب ما يلي:
- أوصى مدير فرع وزارة الأقليات في حيفا، “موشي ياتح”، في أكتوبر عام 1948 بتجنيد الشباب العرب للخدمة العسكرية.
- في تموز عام 1954 أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي فرض التجنيد الإجباري على الشبان العرب الذين ولدوا بين 10-9-1934 حتى 12-7-1937، ثم اقتصر هذا الأمر على الشبان الدروز فقط، على اعتبار أن الشبان العرب هم تهديد معادٍ في سياق الصراع العربي الإسرائيلي.
- أوصى مستشار رئيس الحكومة للشؤون العربية، “موشي شارون” منذ عام 1977 فصاعدًا بفرض الخدمة المدنية على الشبان العرب كبديل عن الخدمة العسكرية، دون فرض هذه التوصية.
- بعد “موشي شارون” تولى منصب مستشار رئيس الحكومة للشؤون العربية “بنيامين غور آرييه”، فأوصى بفتح المجال للشبان العرب كمتطوعين في الخدمة العسكرية، واقترح إيجاد إطار للخدمة الوطنية كبديل عنها.
- استمر هذا البحث في الدوائر الرسمية الإسرائيلية حول الخدمة العسكرية أو الخدمة المدنية أو الخدمة الوطنية، حتى المستشار “شموئيل طوليدانو”، ولم يتم الجزم في هذا النقاش.
- في مطلع التسعينيات، وكنتيجة لاتفاق أوسلو، عاد النقاش بجدية حول الخدمة المدنية بهدف دمج الشبان العرب سياسيًا واجتماعيًا في أجهزة المؤسسات الإسرائيلية.
- في 29 حزيران 1998 قررت الحكومة الإسرائيلية صياغة مشروع لإجبار الشبان العرب، أبناء سن 18، على أداء الخدمة المدنية، وقد كُلِّف بمتابعة هذا المشروع في حينه وزير شؤون الوسط العربي، الوزير موشي كاتساب. (هآرتس: 16-11-1998).
- بعد فوز “إيهود باراك” في الانتخابات عام 1999، تم تكليف “رؤوفين غال” لمتابعة مشروع الخدمة المدنية أو الخدمة الوطنية. فأخذ المشروع مسارًا جديًا، وتطوع في هذا المشروع 60 شابًا عربيًا، إلا أن الانتفاضة أوقفت المشروع كليًا.
- إلى جانب كل ما ورد أعلاه، قام بعض أعضاء الكنيست اليهود بتقديم اقتراح مشاريع أخرى لفرضها على الشباب العربي، وهي كالتالي:
أ. 1985، اقتراح قانون خدمة وطنية، قدمه “رفائيل إيتان”.
ب. 1996، اقتراح قانون خدمة وطنية وجماهيرية تطوعية، قدمه “أمنون روبنشتاين”.
ج. 2002، اقتراح قانون خدمة مدنية، قدمه “يوسي كاتس”.
- بعد انتخاب “أرييل شارون” لمنصب رئاسة الحكومة، بانتخاب مباشر في عام 2001، ثم في عام 2003، بانتخاب غير مباشر، سعى بكل جدية لفرض الخدمة المدنية على الشبان العرب بهدف إعلان الولاء للدولة وربط الحقوق بالاستحقاقات، كبديل عن الترحيل الذي دعا إليه بعض الساسة الإسرائيليين علانية، وكحل للخطر الديموغرافي السكاني الذي بدأ يحذر منه بعض الباحثين الإسرائيليين.
- في كانون الأول 2003، خلال “مؤتمر هرتسليا”، تم الإعلان أن أرييل شارون كلف بعض الجهات المختصة بشؤون الأمن القومي الإسرائيلي ببناء خطة لإمكانية شمل الفلسطينيين في الخدمة الوطنية. وفي هذا المؤتمر قال شارون كجزء من خطابه: “مهمتنا جميعًا هي تصميم شكل إسرائيل اليهودية، الديمقراطية، دولة يسود فيها توزيع العبء ونيل الحقوق بواسطة أداء خدمة وطنية بشكل أو بآخر”.
- في كانون الأول 2003، أكد شارون على مطلب الخدمة الوطنية خلال لقاء له في الناصرة برؤساء السلطات المحلية العربية.
- أوصت لجنة (لبيد) الوزارية، التي قامت بفحص توصيات (أور)، في أحد توصياتها بما يلي: “دمج أبناء الوسط العربي وبناته في إطار خدمة وطنية مدنية”. وبناء على هذه التوصية قالت ما يلي: “تقوم الحكومة بتطوير فكرة خدمة وطنية رسمية مدنية يؤديها مواطنو إسرائيل الذين لا يقومون بأداء الخدمة العسكرية”.
- وفي أواخر شباط 2005، أنهت لجنة (عبري)، المسماة رسميًا “لجنة إنشاء الخدمة الوطنية المدنية”، تقريرها وقدمت توصياتها إلى رئيس الحكومة أرييل شارون، وفي أغسطس 2004 قدمت لجنة (عبري) توصياتها لوزير الدفاع، أوصت فيها:
أ. إلزام العرب بالخدمة المدنية.
ب. ربطها بالحقوق. من لا يؤديها لا يتمتع بحقوق أساسية. بل وتقترح هذه اللجنة الحرمان من الحقوق لمن لا يؤدي الخدمة المدنية.
- في بند (الوسط العربي)، تقول لجنة عبري: “توصي اللجنة بفتح إطار الخدمة المدنية لأبناء وبنات الوسط العربي بهدف إيجاد بديل للخدمة العسكرية لهم، وتوصي بإقامة إطار بديل يسمح للشبان العرب بخدمة الجمهور والمجتمع والدولة معًا”.
- حتى الآن تتم عملية الخدمة المدنية على شكل التطوع أساسًا للشرطة الجماهيرية بشكل فردي، والتعامل الفردي هو سمة قديمة في تعامل المؤسسة الإسرائيلية مع مجتمعنا في الداخل الفلسطيني.
- مجالات هذه الخدمة المدنية القائمة حاليًا كثيرة، ومن أبرزها ما يلي: (المستشفيات، صناديق المرضى، المحاكم، الشرطة الجماهيرية، التطوع في جمعيات ومؤسسات خدماتية).
- في الوقت الذي لا تزال فيه المؤسسة الرسمية الإسرائيلية تسعى لاستدراج الشبان والفتيات من مجتمعنا إلى الخدمة المدنية بشتى المغريات، فإن هذه المؤسسة الإسرائيلية لا تزال تقوم بالممارسات التالية:
أ. هدم البيوت العربية.
ب. عدم الاعتراف بتجمعات سكانية كانت قائمة قبل نكبة فلسطين.
ت. مصادرة الأراضي والاستيلاء عليها وتجريفها.
ث. التمييز في الميزانيات المخصصة للسلطات المحلية العربية.
ج. التمييز في التوظيف.
ح. مواصلة سن القوانين العنصرية وتكميم الأفواه وكبت الحريات، والتعامل المهين معنا في المطارات والحواجز والترحيل الداخلي.
خ. التعاطي مع آفة العنف الأعمى، التي تهدد مصير مجتمعنا، بسياسة تجعل من المؤسسة الإسرائيلية مشبوهة في هذا التعاطي.
د. مواصلة التنكر لحق شعبنا الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة، وعاصمتها القدس المباركة المحتلة.
ذ. مواصلة مصادرة أوقافنا وانتهاك حرمة مقدساتنا، وفي مقدمتها المسجد الأقصى المبارك.
وأما حول آثار الخدمة المدنية علينا، فإن هذا الكتيب “الخدمة المدنية والفلسطينيون في إسرائيل” يذكر ما يلي:
- الخدمة المدنية هي جزء من عملية الأسرلة ومحاولة هندسة وعينا ودفعنا للإعتقاد أن الحصول على الحقوق المطلبية اليومية يتم من خلال التخلي عن الكرامة والهوية والوطنية، وفك الارتباط مع ثوابتنا الإسلامية العروبية الفلسطينية.
- الخدمة المدنية تسعى إلى نزع شرعيتنا كأصحاب وجود أصلي له هويته وحقوقه الثقافية وكرامته الدينية والوطنية.
- كل المؤشرات تقول إن الخدمة المدنية هي استدراج نحو الخدمة العسكرية بأسلوب ناعم، وهو التركيز على الإنجاز الفردي والمدني لأفراد، في ظل تدهور الأوضاع الاقتصادية، وسيطرة النزعة الفردانية والشخصانية عند البعض منا.
- لا شك أن مصطلح “الخدمة المدنية” هو براق ومخادع، ويوهم بأنه يحمل في طياته المعنى الإيجابي، مما قد يدفع بعض شباننا للانخراط في هذه الخدمة وهم يظنون أنهم يحسنون صنعًا. وقد يظن بعضهم أنه يقدم أرقى الخدمات لمجتمعنا من خلال الخدمة المدنية، بل قد يظن بعضهم أن الانخراط فيها هو موقف وطني من الطراز الأول. ولكن هيهات هيهات!! يكفي لكل عاقل فينا أن يتعرف على جذور الخدمة المدنية، حتى يعلم ماهيتها وماهية أهدافها.
- اشتراط الخدمة المدنية على سن 17-21 سنة تقريبًا، يحمل الكثير من الدلالات، ومن أهمها:
أ. استغلال قلة الخبرة لدى هؤلاء.
ب. الاهتمام بالمظهر (البدلة، السلاح، السيارة، العطور،الخيول المزينة ، إلى آخره).
ت. الحرص على الفردانية والطموح الشخصي.
- مما يثبت أن الخدمة المدنية هي خطوة أولى نحو الخدمة العسكرية ما يلي:
أ. الخدمة المدنية موازية تمامًا للخدمة العسكرية من حيث المحفزات.
ب. يحصل كل متطوع في الخدمة المدنية على شهادة إنهاء موازية لشهادة إنهاء الخدمة العسكرية.
ت. السن المسموح له بأداء الخدمة المدنية هو نفس سن التجنيد الإلزامي.
ث. تتعامل الدوائر الرسمية مع من أدى الخدمة المدنية تمامًا كما مع من أدى الخدمة العسكرية، حسب القانون (11).
- حسب استطلاع قام به د. غبرائيل بن دور، من جامعة حيفا، اتضح أن 67% من المجتمع اليهودي يؤيدون تهجير المواطنين العرب من الداخل إلى شتات مجهول، بل وبتأييد شخصيات سياسية من وسط الخارطة السياسية الإسرائيلية بدافع هاجس الخوف على يهودية الدولة.
ولذلك فقد طرح مخطط أكاديمي شامل، كان الأول من نوعه، قامت به كلية الجغرافيا في جامعة بئر السبع، وعرض في مؤتمر هرتسليا في كانون الثاني 2006. وقد اقترح ذاك المخطط تعديلات حدودية على أسس إثنية، للحفاظ على التفوق اليهودي في الدولة، مما يجعل المؤسسة الرسمية الإسرائيلية في سعي دائم للحفاظ على يهودية الدولة.
ولعل ذلك ما دفعها إلى إقرار قانون يهودية الدولة، الذي التقى عليه اليمين الإسرائيلي واليسار الإسرائيلي، ومما لا يزال يدفعها لمواصلة نقاش هذه الخيارات للحفاظ على يهودية الدولة، وهي سياسة الترحيل على المكشوف، أو التعديل الحدودي على أساس إثني، أو فرض الخدمة العسكرية على الشبان العرب، بهدف الانخراط حتى النخاع في كل المؤسسات الرسمية الإسرائيلية، بما في ذلك المخابرات، أو فرض الخدمة المدنية مرحليًا، كمقدمة توصل إلى الخدمة العسكرية.
- يبدو أن البعض قد تفتق ذهنه عن بديل خامس للحفاظ على يهودية الدولة بعيدًا عن الترحيل، والتعديل الحدودي الإثني، وفرض الخدمة العسكرية، وفرض الخدمة المدنية. وهذا البديل الخامس هو فرض العنف الأعمى على مجتمعنا في الداخل الفلسطيني، مما سيؤدي في حسابات أصحاب هذا الاقتراح إلى تفكيك مجتمعنا، وفرض القطيعة والتدابر والكراهية بين كل أبنائه على صعيد البلدة الواحدة، والحمولة الواحدة، والأسرة الواحدة. وعندها سيتحول هذا المجتمع من مجتمع إلى لا مجتمع أي تجمع عددي متناثر، لا هوية جماعية له، ولا إرادة جماعية، ولا مواقف جماعية. وعندها ستؤول قيمة هذا المجتمع إلى الصفر، وعندها لن يكون هذا المجتمع في يوم من الأيام تهديدًا ليهودية الدولة. ثم سيؤدي فرض العنف الأعمى على مجتمعنا إلى رحيل البعض منا إلى دول أخرى، وهذا ما يحدث الآن. وسيؤدي هذا العنف الأعمى إلى لجوء البعض من مجتمعنا إلى الخدمة العسكرية بادعاء الدفاع عن النفس، وعندها ما أسهل على البعض من مجتمعنا الانخراط في الخدمة المدنية. وهذا يعني أنه يجتمع على مجتمعنا الآن بروز ظاهرة الرحيل إلى دول أخرى، أو الانخراط في الخدمة العسكرية بادعاء الاضطرار، أو الانخراط في الخدمة المدنية بادعاء أنها أهون الشرين!!
وهكذا دخل مجتمعنا في تيه لن ينقذه منه إلا العودة إلى ذاته، والعض بنواجده على ثوابته الإسلامية العروبية الفلسطينية، والتمسك بكرامته الدينية والوطنية.
- هذا حال مجتمعنا في الداخل الفلسطيني الآن، وهذا ما يراد له الآن.
ولذلك كما يقول الأستاذ الدكتور إبراهيم أبو جابر في مقدمة هذا الكتيب “الخدمة المدنية والفلسطينيون في إسرائيل”: “إن الواجب يستدعي رفض الخدمة المدنية جملةً وتفصيلًا، رغم الإغراءات والمخصصات والإعفاءات والامتيازات، لا بل والضغوط، بل والضغوطات من قبل السلطة وأجهزتها المختلفة، وإلا فإننا سنقع في المحظور دينيًا ووطنيًا”.
- يورد هذا الكتاب نصيحة قيمة في صفحة (30)، يقول فيها بتصرف: “نبدأ أولًا بتفكيك هذا المخطط (الخدمة المدنية)، قبل طرح مخطط بديل، حيث تكمن خطورة طرح بديل في الوقت الحالي في إعطاء الشرعية لفكرة الخدمة المدنية. ونحن لم نقم بالجهد التثقيفي المطلوب حول الخدمة المدنية. علينا أولًا درء مفسدة مخاطر الخدمة المدنية، ثم جلب المصلحة من خلال بناء مشروع وطني فلسطيني للتطوع، خصوصًا وأن تنظيم المشاريع الخاصة لن يتحقق دون تنظيم الجماهير العربية، وذلك لن يتحقق إلا ضمن مجهود جماعي عصامي تتولاه لجنة المتابعة العليا”.
