على هامش النكبة: هل يمكن ملاحقة الاستعمار الانجلو-فرنسي؟

على هامش النكبة: هل يمكن ملاحقة الاستعمار الانجلو-فرنسي؟

صالح لطفي- باحث ومحلل سياسي
يظن بعض المطبعين والمهرولين نحو إسرائيل من حكام العرب ومن والالهم ومن يؤمن معهم بحقوق الإسرائيليين على أرض فلسطين، أنّ القضية الفلسطينية قاربت على الأفول وذلك ظنا منهم أن المعادلات الدولية باتت كافة أوراقها بيد الحركة الصهيونية والولايات المتحدة الامريكية ومن يدور في فلكهما من ماسونية وصليبية عالميتين، وخاصة بعد أن أعلنت الولايات المتحدة الامريكية عن سايكس بيكو الثانية تحت اسم صفقة القرن برعاية رئيسها ترامب ونائبه الإنجيلي الصهيوني مايك بينيس، وعند الحفر العميق والدقيق في خلفيات هذه الصفقة سنجد ان الخلفية الدينية المسيانية الانجيلية تقف وراءها تماما كما وقفت وراء وعد بلفور وتقسيمات سايكس بيكو.
الحكومة الإسرائيلية بقيادة نتنياهو بدورها لم تألُ جهدا في استثمار هذه اللحظات التاريخية التي جاءتها على طبق من ذهب وأعلنت بدورها عن القدس الموحدة وأنها العاصمة الأبدية لإسرائيل وعن ضم الاغوار ومناطق “ج” من الضفة الغربية مطلع الشهر القادم. ووفقا لاي تحليل مادي صرف يجمع الظروف الإقليمية والدولية والمحلية ويقسمها على الواقعين الفلسطيني والإسرائيلي ويضربها بالواقع العربي، سيخرج بنتيجة مفادها أن الظروف الموضوعية كلها لصالح إسرائيل ويمكنها فرض سياساتها وسيادتها على كامل التراب الفلسطيني، لكنَّ قضايا التحرر والتحرير لا تخضع لهذه المعادلات التي ذكرت بقدر ما تخضع لمعادلات صارمة تتعلق بالشعب المُحتَلْ وفي حالتنا الشعب الفلسطيني ذاته الخاضع مباشرة تحت الاحتلال أو في الشتات الذي يعاني بسبب الشتات وقيام إسرائيل التي هي نتاج الحالة الاستعمارية المباشرة لفلسطين. ولفهم هذه المعادلات بشقيها الخارجي والداخلي تتظافر الحاجة لقراءة متأنية للتاريخ الفلسطيني وما آلت أليه الأحداث هذه اللحظات فالمحطات التي مضت بها القضية الفلسطينية منذ ظهورها الأول مع بدايات الغزو النابليوني والى هذه اللحظات يعود بالمجمل الى الدور الذي مارسه الاحتلال البريطاني وخلفياته الدينية ومن ثم الاقتصادية والاستبطان الصليبي لكل ما ذكرت.

فلسطين اسم راسخ في التاريخ
اسم فلسطين ليس غريبا عن الذاكرة التاريخية والإنسانية فقد ورد الاسم في الادبيات الرومانية القديمة وذكر جليا في تقاسيم الأقاليم الإسلامية في عهد الخليفة عمر بن الخطاب ومن جاء بعده والى يوم ذهاب الدولة العلية. فبعدَ أن فتح الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه بلاد الشام قسمها الى جند، فكان من بين هذه الاجناد جند فلسطين وفي هذا يذكر الرحالة المقدسي أبو عبد الله محمد بن ابي بكر المقدسي المعروف بالمقدسي (ولد سن 336 هـ/947 م، وتوفي 380هـ/990 م)، في كتابه “أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم” بيان لجند فلسطين فقال: “فلسطين قصبتها الرملة ومدنها بيت المقدس، بيت جبرين، غزة، ميماس، عسقلان، يافه، أرسوف، قيسارية، نابلس، أريحا، عمّان”. أما الأصطخري (أبو القاسم إبراهيم محمد الكرخي ولد 236هـ/ 850 م وتوفي سنة329هـ \ 940م) فكتب في كتابه صور الأقاليم “واما جند فلسطين، وهو أول أجناد الشام مما يلي الغرب ـ فانه تكون مسافته للراكب طول يومين من رفح إلى حدّ اللجُّون، وعرضه من يافا إلى ريحا يومان، واما زُغر وديار قوم لوط والجبال والشراة فمضمومة اليها وهي منها في العمل إلى أيلة، وديار قوم لوط والبحيرة الميتة وزغر إلى بلدان وطبرية تسمى الغور لأنها بين جبلين. وسائر بلاد الشام مرتفع عليها، وبعضها من الأردن وبعضها من فلسطين في العمل، وأما نفس فلسطين فهو ما ذكرته، وفلسطين ماؤها من الأمطار وأشجارها وزرعها أعذاء إلا نابلس، فان بها مياهاً جارية، وفلسطين أزكى بلدان الشام، ومدينتها العظيمة الرملة وبيت المقدس يليها في الكبر “فاسم فلسطين وحدودها كما يبين الاصطرخي موجودة منذ أكثر من ألف عام، لكنّ المهم في هذه الاطلالة الإشارة الى ان فلسطين لم تكن يوما قط جسما سياسيا منفصلا عن الدولة الإسلامية التي تشكلت عبر صيغ مختلفة عبر تاريخ طويل من التقلبات السياسية في المشرق العربي والقلب منه بلاد الشام.
تاريخيا لم تذكر نصوص الجغرافيا التاريخية ولا الجغرافيا السياسية ولا التاريخية شيئا عن إسرائيل ولا عن فلسطين ككيانات قائمة بل ذكرت الادبيات الإسلامية والمسيحية اسم الأرض المقدسة ومع ذلك لم تكن معروفة حدود هذه الأرض المقدسة بنص ثابت قاطع مانع، ولم تكن فلسطين التي نعرفها اليوم ونسميها في أديباتنا فلسطين أو/ وفلسطين التاريخية ذكر.
فلسطين التي نعرفها اليوم والمسماة في الادبيات الاستعمارية فلسطين التاريخية هي انتاج استعماري بريطاني بامتياز، فهذا الذي نحن فيه اليوم لا يزيد عمره عن مئة وخمسين عاما إذا أدخلنا الغزو النابليوني للمنطقة كأول غزو استعماري غربي مباشر بعد انهاء وجودهم الاستعماري الصليبي الأول والممتد من 1099م وحتى 1187م والذي بدأ على يد الامارات الارتقية ثم العمادية والنورية ثم الايوبية وأخيرا المملوكية التي بدورها اجتثت آخر معاقل الصليبيين من بلاد الشام عام.
نعيش اليوم الفوضى التي خلقها الاستعمار البريطاني وشريكه الفرنسي في منطقتنا وهذه التداعيات لا زالت تجري بإسقاطاتها علينا ليل نهار، فالحداثة واستبطان قيم الغرب والتقاسيم الجغرافية لمنطقة عرفت الوحدة الجغرافية والثقافية والدينية والحضارية لم يكن بريئا بقدر ما كان حاجة أساس لترسيخ قواعد وجود هذا المستعمر لحاجيات دينية وسياسية واقتصادية ونفسية غائرة في النفسية الصليبية بعدئذ تعلموا الدرس جيدا من الحروب الصليبية، ونتائجها سواء تلكم التي خاضوها في المشرق العربي، أو على تخوم الدانوب مع الدولة العثمانية.

الصهيونية وإسرائيل
حتى الأدبيات اليهودية لم تكن تذكر قط اسم إسرائيل بل كانت تطلق عليها الأرض المقدسة “آرتس هكودش” وحتى وثيقة بلفور المعروفة بوعد بلفور لم تذكر اسم إسرائيل او ارض إسرائيل بل ذكرت اسم فلسطين وهذا ما يدل عليه نص الرسالة اذ تقول: “إن حكومة صاحب الجلالة تنظر بعين العطف إلى تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، وستبذل غاية جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية، على أن يفهم جليا أنه لن يؤتى بعمل من شأنه أن ينتقص من الحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بها الطوائف غير اليهودية المقيمة الآن في فلسطين ولا الحقوق أو الوضع السياسي الذي يتمتع به اليهود في البلدان الأخرى”.
عمليا ظهر اسم إسرائيل وارض إسرائيل مباشرة بعد صدور وعد بلفور وترجمته من الإنجليزية الى العبرية ففي النسخة الإنجليزية كما ذكرت سابقا لم يرد اسم إسرائيل بل ورد اسم فلسطين وفي الترجمة العبرية ورد اسم ارض إسرائيل” إيرتس يسرائيل”. اللورد هربرت صموئيل المندوب السامي البريطاني المدني الأول على بلادنا فلسطين (شغل منصب المندوب السامي لفلسطين وشرقي الأردن بين سنوات 1920-1925) أول من حدد الاسم العبري لفلسطين بارض إسرائيل وذلك تمشيا مع نَفَسِه الاستعماري من جهة ومورثه الديني الذي نشأ عليه في الكنس اليهودية الارثوذكسية وخدمة للمشروع الاستعماري البريطاني الذي طمع في الهلال الخصيب بعد اكتشاف النفط في الموصل والبصرة مطلع عشرينات القرن الماضي.
عمليا ظهر اسم إسرائيل وارض إسرائيل مع تعاظم نشاطات الحركة الصهيونية وتحديدا مع الهجرة الأولى لأرض فلسطين بدايات القرن العشرين، وفي تلكم المرحلة المبكرة من تاريخ بلادنا فلسطين تنبه أهل الحل والعقد الى مرامي الصهيونية وأطماعها على هذه الأرض ونبهوا الباب العالي إلى ما يدور في خُلد الحركة الصهيونية ومن خلفها الاستعمار البريطاني من سيطرة على فلسطيني وطرد أهلها منها، ومباشرة مع الشروع الصهيوني بنشر اسم إسرائيل ظهر اسم فلسطين وتم تداوله باعتبار وجوده الرسمي التاريخي الجغرافي وكرد مباشر على الاستعمار البريطاني والحركة الصهيونية اللذان شرعا بنشر الاسم ومنحه حياة عملية.

معركة الأسماء
من الواضح من خلال ما سردت أن اسم فلسطين سابق تاريخا لاسم إسرائيل من حيث الاصطلاح السياسي ككيان تسكنه مجموعة من السكان، بل إن بعض الصهاينة الأوائل استعملوا كلمة فلسطين في أديباتهم، ومن البيِّن أنَّ الاستعمار البريطاني لعب الدور الأساس في الاحيائية الصهيونية واستعمال كلمة “إسرائيل” كرديف توراتي يمكن تسويغه وإقناع التيارات الدينية الحاريدية بدعمه لما لهم من ثقل في الشارع اليهودي العالمي في تلكم المرحلة من التاريخ، ومنذ أن قامت إسرائيل عام 1948 وهي في مساع حميمة لطمس المعالم العربية الفلسطينية خاصة في مجال الأسماء، وقد أوكلت لهذه المهمة فرقا خاصة من أكاديميين وسياسيين يعملون إلى هذه اللحظات على تغيير الأسماء طمعا بطمس التاريخ، وهذا معناه أن المعكرة الحقيقة بأبعادها الثقافية-الأيديولوجية لم تضع اوزارها بعد فإسرائيل اليوم أقوى من الشعب الفلسطيني وقواه الحية ماديا ومنعةَّ ولكنها أضعف منه بكثير معنويا وروحيا، ولذلك فالحرب لما تنتهي بعد ولما تضع أوزارها، والإصرار الفلسطيني على إحياء الذاكرة والعودة لكتابة التاريخ الشفوي الفلسطيني الفردي والجماعي والعودة لتسجيل كل اسم لكل حجر وشجر وخربة ونجع وحي، يؤكد اننا شعب حيُّ لا يزال أكسير الحياة ومفاعيله قائمة وحية فيه، وإن ملكت إسرائيل اليوم زمام الأمور ليس بفضل عبقريتها بل بفضل الظروف التي أشرت اليها في سرد منطق المعادلات القائم اليوم.
فلسطين أقدم عمرا من إسرائيل وأكثر حياة من إسرائيل ومتجذرة في الروايات التاريخية السياسية والجغرافية ولم تكن يوما اسما طارئا على الأرض المقدسة، بل كانت ولقرون الاسم المرادف، ومن لطف أهل هذه البلاد انهم لم يؤذوا في تاريخهم الطويل ذميا قط بل وقعت الحروب بينهم انفسهم وجنبوا أبناء الديانات السماوية ويلات حروبهم انفسهم، ويوم وقع الظلم على الكتابيين في العصر الفاطمي وأواخر العصر السلجوقي وقع ابتداء على المسلمين وحتى أيام حكم محمد علي باشا فضل غير المسلمين على المسلمين ومع ذلك بقيت فلسطين اسما عاليا جندا من جند الشام. في معركة الأسماء والاصطلاحات التي تزداد أوارها هذه الأيام يقوم الأكاديميون الفلسطينيون من شباب وفتيات بعمل خلاَّق سيكون له شأن كبير في السنوات القادمات.

ملاحقة الاستعمار الانجلو-فرنسي
لا شك أن الفضل كله في قيام إسرائيل يعود لبريطانيا وفرنسا (سايكس بيكو) ومن ثم للولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي ومن بعدُّ لعديد الدول الاوربية مجتمعة، لكننا حين نقسم مقادير الاثم الذي ارتكب بحق الفلسطيني شعبا وارضا وساكنة فإن الاحتلال البريطاني يتحمل المسؤولية الأولى والى جانبه الولايات المتحدة حيث تمّ إحالة الوعد، وعد لفور، من مجرد قصاصة ورقية الى الزام اممي تشرف عليه بريطانيا يقضي بتهيئة الأسس والبنى التحتية واللوجستية (العسكرية، التعليمية…) لقيام دولة لليهود اسمها إسرائيل على ارض فلسطين.
اليوم تزداد الحاجة الى تفكيك تاريخ المنطقة تفكيكا دقيقا وعميقا وسبر واف للأراشيف المختلفة والوقوف على مفاصل الاحداث التي غيرت ولا تزال تغير وجه المنطقة، فنحن لا زلنا نعيش تبعات أجيال أعوام 1919 واعوام 1935 تلكم الأجيال التي تخلصت من الاستعمار نظريا ووقعت في براثنه الثقافية والتربوية والأخلاقية ودفعت شعوبا ثمنا لسياسات تلكم القوى الاستعمارية وافرازاتها المختلفة منها أنظمة البطش والاستبداد والتخلف، ولئن كان الشعب الفلسطيني أول من دفع فاتورة هذا الاستعمار فإن شعوبنا العربية في المنطقة كلها تدفع اليوم فاتورة الدم من سواحل افريقيا الشمالية الى سواحل البحر الأحمر والمتوسط تتألم الشعوب من سياط هذا الاستعمار، مما يدفعنا لمناقشات مستفيضة ليس حول دور الاستعمار الأوروبي، بل كيف يمكننا محاسبته وتدفعيه ثمن جرائمه التي لم تتوقف الى هذه اللحظات.
منذ الغزو النابليوني ومن ثم الاحتلال الانجلو-فرنسي وشعوبنا تدفع ثمن هذا الاستعمار.
ألم يأن الأوان للتخلص منه ومن تبعاته وإرثه وأن يدفع ثمن جرائمه في شمال افريقيا ومنطقتنا منطقة الهلال الخصيب واليمن “السعيد” وكل بقعة وقع عليه ظلمها؟
إنها جهود تحتاج الى تكاتف أمة.